عن أدوارنا المشتركة في مسرحية "كورونا"

الأحد 31 أكتوبر 202104:37 م

للمسرح غايات متدرجة، تخييلية وتأثيرية وإقناعية، وصولاً إلى تحفيز الوعي وتمكين العقل إلى جانب الوجدان. وكلما اقتربت الحبكة المسرحية من شروط الواقع وضروراته الملحّة، جاءت المحاكاة تلقائية، نابضة، غير مصنوعة، وزادت فرصة إحداث التحريك والتحوّلات الإيجابية المنشودة. ماذا وقد جرفت محنة كورونا الجميع، عبر عام وبضعة شهور، إلى عرض درامي متشابك لا تزال فصوله مستمرة، وإلى أي مدى بدا الأداء ناضجاً، ولاحت شرارات التغيير؟

أعمال إبداعية كثيرة سقط فيها الحد الوهمي بين النص الفني والحياة المعيشة، وتلاشت الفواصل الزائفة بين الممثلين والجمهور، أملاً من صنّاع هذه الأعمال في مصداقية ومشاركة وتفاعلية. أما الحد الأعلى غير المسبوق من التماهي، كمّاً وكيفاً، على مستوى العالم كله، فقد تحقق من تلقاء ذاته بعد إزاحة الستار عن فيروس كورونا المستجد، فلا يكاد فرد على وجه الأرض يفتقد دوراً مرسوماً له بعناية، يجدر به أن يلعبه دون شطط أو مبالغة.

المشهد العام الراهن هو مسرح كوني بامتياز، ليس من باب أن الأزمة مختلقة، أو أنها وليدة تخطيط ومؤامرة، أو أن إجراءات التعامل معها صحيّاً وسياسيّاً وأمنيّاً واقتصاديّاً مبالغ فيها وفق سيناريوهات مرسومة لم تتضح بعد، وما إلى ذلك من مجازات وافتراضات وتهويمات معلقة، هي خارج الفعل الحقيقي الجاري في الوقت الحالي.

للمرة الأولى منذ سنوات طويلة تبدو البطولة الجماعية حيادية وقياسية على هذا النحو، ومنطلقة من المسؤولية الذاتية في المقام الأول، لا من قيادة مركزية واضحة

المسرح الحيّ المقصود هنا هو فضاء العالم في اللحظة الآنية، كما هو، بغير زيادة ولا نقصان، والأحداث الدائرة فيه هي اليوميات المستحدثة لكل مواطن هنا أو هناك، بعد بزوغ كورونا المستجدّ، وتلك التفاصيل الطارئة التي باتت اعتيادية ومقبولة من مئات الملايين من البشر، في زمن قياسي لا يتجاوز عاماً وبضعة أشهر.

عوامل كثيرة متشعبة وراء بلوغ العرض الجاري أقصى درجات المشاركة والمصداقية والإقناع، فهو لم يهبط جاهزاً مكتملًا من سماء، ولم يُفرَض بإلحاح من قوى سلطوية أو احتكارية، ولم تسبقه دعاية ميديوية وإعلانات ترويجية مدغدغة، ولم يتشكل في حيز الأوراق البيضاء كنص مكتوب قبل وساطة الدراماتورج، وإنما تجسّد ونما وتطوّر بسرعة خاطفة في الميدان، بحضور كل المراقبين، ودهشتهم، وانخراطهم في الفعل، في الوقت نفسه.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة تبدو البطولة الجماعية حيادية وقياسية على هذا النحو، ومنطلقة من المسؤولية الذاتية في المقام الأول، لا من قيادة مركزية واضحة. الأدوار كلها كبيرة، مهما صغرت، وأبسط المهام (الاعتزال المنزلي في بعض الأوقات، وحماية الذات والآخرين من الفيروس) طوق إنقاذ لمُخَالطين محتملين في حالة الخروج. لا مجال للغياب، ولا موضع لهامش في العرض، الكل حاضر في قلب المتن.

الأدوار موزّعة على سائر المشاركين في هذه الدراما المتنامية وفق هارموني محكوم بعناية، وعدالة مفترضة أيضاً، وعلى كل فرد الالتزام الكامل الحرفيّ بالدور المحدد له من مجهولين، لكن توصياتهم تبدو بديهية ومسلّماً بها ومعروفة بالضرورة، وتلك ذروة الانصياع من جانب المشاركين في العرض، طواعية لا عن إكراه.

هكذا، أمكن اعتماد إجراءات حكومية كثيرة قاسية، بسلاسة منقطعة النظير، بل إن فِرَقاً كانت متناحرة اندمجت تماماً في المجرى المؤدّي إلى الخندق، بغرض التعاون للمواجهة، لا التشرنق والهرب. لا مجال للتمرد على هذا الانضباط التاريخي بأي نوع من الارتجال، فمن لوازم العدالة كذلك في العرض الجماعي المصيري ألا يطغى الذاتي، فتضخّم الأنا بات فكرة مضحكة أمام زوال النرجسيات وتهاوي مفاهيم الحماية المادية بكل أشكالها: المال، التسليح، العلم، وسائر عناصر القوى الخشنة والناعمة.

أيُّ منطق كان بوسعه من فترة غير بعيدة استيعاب أن تطالب الشعوب حكّامها بتقييد حرياتها الأساسية المكفولة بشكل كامل أو جزئي، وأن تأتي قرارات الحظر وتقييد الحركة والأنشطة من جانب السلطات على سبيل الاستجابة لرغبات الأغلبية وليس من باب فرض العقوبة عليهم؟ أيُّ خيالٍ كان يحتمل أن تتقزّم القضايا المحلية والإقليمية والدولية كلها أمام مرض فيروسي بات المحور الأهمّ على موائد الزعماء والقادة والسياسيين والعسكريين، والهدف التنسيقي الأوّل بهذا الحجم منذ مفاوضات الحرب العالمية الثانية؟

لقد تصدّر "المشترك الإنساني" قائمة أسلحة البشر في خوضهم هذا العرض المأساوي حتى النهاية، التي لا مفر من أن تكون سعيدة رغم الخسائر، وجاءت قيم التعاون وأفكار التلاحم ووحدة المصير مشحونة بذلك الشعور بالمساواة تحت وطأة التصعيد التراجيدي وعولمة الخطر، أملًا في تجاوز العقدة بأقلّ جرعات من المرارة.

من أبرز خصائص العرض الكوروني المنفرد تقارب رؤى المشاركين وخطواتهم على مسرح الأحداث بما لا يكسر أبداً انسجام المشهد وتجانسه، فمهما كانت مساحات الاختلافات والنزاعات البينية المتأججة من قبل، فإن التكاتف والانصهار معاً أمام العدوّ الجديد الأشرس هو العنوان الوحيد العريض المسموح به كمانشيت لكلّ صباح لا يزال يُصدره الأمل.

الأفراد والجماعات، المعارضة والحكومات، الفقراء والأغنياء، الأحلاف والأعداء، الرأسماليون والاشتراكيون، الليبراليون والمنغلقون، وسائر الأضداد، جاءت ممارساتهم الملموسة، وليست فقط أصواتهم، متقاربة حدّ التطابق، متجاوزة الفروق والتنوعات في المذاهب والديانات والإيديولوجيات والأجناس والأعراق.

أيُّ منطق كان بوسعه من فترة غير بعيدة استيعاب أن تطالب الشعوب حكّامها بتقييد حرياتها الأساسية المكفولة بشكل كامل أو جزئي

من سمات العرض الكوروني المنضبط كذلك، أنه إذا لم ينتبه أحد المشاركين إلى طبيعة دوره وأسلوب أدائه، وجد على الفور من ينبهه إلى خطورة غفلته، بلغة فيها من العنف بدائيته وسذاجته وقسوته. إن بيانات خطابيّة للأمم المتحدة من قبيل "أيها المتحاربون في أنحاء العالم، أوقفوا إطلاق النار لتتمكن الأسرة الدولية من مواجهة العدو المشترك"، و"أيها الأغنياء، إن لم تساعدوا الفقراء، سيهلككم كورونا جميعاً" صارت على طفوليتها ذات حيثية كبيرة، ولقيت صدى وقبولاً، في ظل جنون انتشار الوباء، بتحوراته المذهلة، عبر الدول والقارات، وسهولة انتقال العدوى في عالم بات قرية صغيرة.

لقد شهد العرض العجائبي بالفعل تحوّل هذه التوصيات وغيرها إلى مبادرات، على نحو لم يكن يتصوره أكثر المتفائلين من قبل، وليس هناك أوضح من ذلك "التعاون التفصيلي الوثيق" بين الولايات المتحدة والصين، انطلاقاً من كورونا للوصول إلى تحسين العلاقات الثنائية بينهما في عمومها، وكذلك الحال بين روسيا وأمريكا، والصين. كما هدأت مناطق متعددة في العالم كانت مشتعلة بالنزاعات المسلحّة لأجل التفرغ لمعركة الكائن الدقيق، وتجاوزت الدبلوماسيات الأوروبية كل اختلافاتها مسطّرة بروتوكل التصدي لكورورنا، ومنظومة التدابير المشتركة (المعدات الطبية وأجهزة التنفّس، سبل الوقاية، المستلزمات المخبرية، البحوث العلمية لإيجاد اللقاحات المتنوعة المعتمدة)، إلى آخر هذه المبادرات.

لقد وصلت العولمة بهيئتها التقليدية إلى درجة فائقة من التنافسية المحمومة بهدف قيادة قاطرة الذوق الموحّد وغزو الأسواق الكبرى المنمّطة، ومع انطلاق العرض الكوروني الأخير في ظل التحوّرات الشرسة للفيروس، زادت من جديد احتمالات أن تصير توابيت الموت نسقاً عولميّاً متداولاً، وأمام هذا الخطر الاستثنائي الذي لا يمكن نفيه أو التحكم في مساراته تهافتت التنافسية وخبت المركزيات، وتيقن البشر في سباقهم مع الزمن قبل إسدال الستار الختامي أن معنى قنص الحياة من جديد هو بناء جسور من الشفافية والمكاشفة والعطاء المتبادل ومواصلة رحلة التحدّي.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard