"أشعر بعجز واكتئاب وأحلم بالمرضى"... ما لا يحكيه الطبيب النفسي عن نفسه

الاثنين 21 سبتمبر 202004:38 م

"لم أنتبه لكلماته ذلك اليوم، كان يتحدث عن إحساسه بالذنب تجاه أشقائه. كنت مشغولاً وقتها، لم أستطع تقييم كلماته جيداً. في اليوم التالي فوجئت به منتحراً، تأثرت جداً ودخلت في حالة من اللوم وتأنيب الضمير أثرت على عملي"، تلك كلمات معالج نفسي، هو د. سامح حجاج، أخصائي الطب النفسي، يروي عن واقعة لم ينسها رغم مرور 9 سنوات عليها.

هل يتأثر المعالجون النفسيون نفسياً؟ العلاج النفسي مهنة حسَّاسة، ودقيقة، وتتعامل بشكل أساسي مع المشاعر الإنسانية، والعطاء وتقديم الدعم، لكن هم بشر في نهاية المطاف، يتأثر بعضهم بسبب تراكم الضغوط النفسية داخلهم، لدرجة قد تدفع بعضهم للانتحار.

يقول حجاج: "الأطباء النفسيين يتدربون على تقديم التعاطف مع المريض دون التأثر بحالته، ويسمى Empathy، هذا نظرياً، أما واقعياً، فأغلب الأطباء النفسيين في البداية يتورطون نفسياً مع ألم ومشاعر المرضى، لكن مع الخبرة يستطيعون عزل أنفسهم عن المآسي التي يرونها، وفي نفس الوقت يحافظون على مستوى التعاطف ليستطيعوا بث الراحة والاطمئنان في المريض".

شعور بالعجز والذنب

يكمل حجاج قصته لرصيف22 أنه أثناء وجوده بمستشفى العباسية للصحة النفسية بالقاهرة، زاره مريض اكتئاب كانت تستدعي حالته الحجز في المستشفى، لكن لم تكن هناك أي أسرّة متاحة، ويضيف: "طلبت منه أن يزورني عقب جلسات الكهرباء العلاجية له للاطمئنان عليه، وفي يوم مزدحم بالمستشفى، زارني وقال كلمات لم أقيّمها جيداً وقتها، إنه ظلم إخوته كثيراً وأرهقهم معه، وفي اليوم التالي اتصل بي إخوته ليخبروني أنه انتحر".

"شعور كبير بالذنب كنت أحسه ناحيته رغم أني لم أقصّر، فعلت كل ما أستطيع فعله معه، وحاولت بشتى الطرق حجزه بالمستشفى. ظللت لفترة غير مستقر نفسياً، وحينما أجد حالة اكتئاب أتورط معها شخصياً بصورة مبالغ فيها، وهذا خطأ مهني، بعد فترة استعدت توازني"، يقول الطبيب الأربعيني، مضيفاً أن الارتباط العاطفي مع المريض خاطئ عموماً، فقد يفهمه أنه انجذاب عاطفي من الطبيب، خاصة إذا كانت أنثى.

"كان يتحدث عن إحساسه بالذنب تجاه أشقائه. كنت مشغولاً وقتها، لم أستطع تقييم كلماته جيداً. في اليوم التالي فوجئت به منتحراً، تأثرت جداً، ودخلت في حالة من اللوم، وتأنيب الضمير"

ويضيف حجاج الذي يمارس المهنة منذ عام 2004، أن المعالجين النفسيين منهم من يتدرب ذاتياً، ومنهم من يباشر مع إشراف غير رسمي مع استشاريين معروفين، لكن لا يوجد كيان رسمي يدرس ويدرب على العلاج النفسي في مصر، لكن الحلول المتاحة فردية أو مؤسسية خاصة، ومنذ عدة سنوات بدأ بعض الأطباء بتأسيس شركات للتدريب، وتعاقدوا مع المدارس الكبرى للعلاج النفسي في أمريكا، مثل مدرسة "العلاج المعرفي السلوكي" لتقيم تدريباتها في مصر، وفقاً لاشتراطات معينة وبها قدر من الإشراف، وهي مكلفة جداً ولا يستطيع الجميع تحملها.

أبرز ما يلفت حجاج النظر إليه، هو إحساس العجز الذي يشعر به الأطباء والضغط المتراكم بسبب قلة الحيلة في التصرف مع حالات أطفال أو نساء تعرضوا/ن للعنف، ولا يستطيعون تقديم الدعم الاجتماعي اللازم لهم/ن.

قبل حوالي 40 عاماً، تم الانتباه إلى أعراض تنتاب المعالجين النفسيين، مثل الاكتئاب والإجهاد والضغط العصبي وقلة النوم وتأثرهم بوفيات المرضى، والبعض كان يفكر في الانتحار، من هنا جاء التفكير في وجود إشراف على مقدمي خدمات العلاج النفسي، إلا أن بعض المعالجين لا يلجؤون في معظم الأوقات إليها لأسباب عديدة، منها الخوف من الوصم المجتمعي، أو عدم الانتباه لإصابتهم بالأعراض التي تستدعي تدخلاً طبياً، ووفقاً للمعهد الوطني للسلامة والصحة المهنية الأمريكي، من بين أكثر من 230 مهنة، كان العاملون في مجال علم النفس الذكور هم الأكثر عرضة للانتحار، بـ 3.5 مرة أكثر من عامة الناس، وهم الفئة الأكثر تعرّضاً للأزمات القلبية والجلطات الدّماغية والأمراض المزمنة.

أعباء شخصية

يقول عبد العظيم الخضراوي، طبيب نفسي في مستشفى خاص، لرصيف22 أنه في بدايات عمله تأثر بالحالات التي باشرها، إذ كان يقضي معظم وقته بين المرضى، فكان حينما ينام ليلاً يحلم بمرضاه. ظلت تلك الحالة ملازمة له لأكثر من شهر، وبمرور الوقت ومع وجود الخبرة، لم يعاوده هذا الأمر مرة أخرى.

ينتصر الخضراوي للجانب الروحاني والعبادة الدينية، وأهميتها في مساعدته على تفريغ ما يمكن أن يكون طاله من طاقات سلبية من التعامل مع المرضى النفسيين أكثر من 5 ساعات يومياً، قائلاً: "جزء من المشاكل النفسية يتم علاجها بالجانب الروحاني، أنه حينما يؤمن بوجود قوة أكبر منه تتصرف في أموره فيقل الضغط على نفسه وقلقه يُزول"، مشيراً أن هناك مدرسة للعلاج النفسي الروحاني ظهرت في الستينيات على يد الطبيب الأمريكي، إبراهام ماسلو.

كما لا يقلل الخضراوي من دور الـ peer Supervision أو إشراف الأقران، بأبسط الوسائل الحديثة في مجموعات تضم الأطباء عبر تطبيق واتساب، ويستبعد الخضراوي بشدة أن يكون هناك ما يجعل الطبيب النفسي يصاب بمرض نفسي، كالفصام أو الذهان، إلا إذا كان لدى الطبيب تاريخ مرضى في العائلة.

أما نور أحمد، وهي معالجة سلوكية للأطفال، فقالت لـرصيف22: "جميع الأطباء النفسيين معرضون للتأثر بمشاكل المحيطين، سواء مرضى أو أصدقاء"، لكن نور كانت تعاني بشكل أكبر من مشاكل الأصدقاء، إذا كانت تمثل لهم الإسفنجة التي تمتص مشكلاتهم وطاقتهم السلبية طول الوقت، مضيفة: "بافكر في مشاكلهم حتى لو مسافرة أتفسح، كنت بسرح كتير ومش مبسوطة، إخواتي لاحظوا التأثير دا عليا بالإضافة لصداع يومي مزمن نتيجة الإجهاد والتفكير".

بكاء وانهيار

سببت طفولة نور تراكماً للمشاعر السلبية داخلها، وإعادة استرجاع لتجارب إساءة في الطفولة، وحالات تحرش وتنمر اختبرتها، وفوراً تقوم باستدعاء مشاعر هذه اللحظات من الذاكرة ومشاعر الألم الذي شعرت به وقتها. تقول: "ممكن توصل معايا العياط والانهيار لمجرد إني افتكرت".

"آسفة"، تقول نور إنها لم تدرك حالتها جيداً إلا عندما ذهبت لطبيب نفسي، ونصحها أن تفصل نفسها عن مشكلات الآخرين، وأن تبدي فقط تعاطفاً لحظياً مع الشاكي، لكن عندما يغادر، تغادر مشكلته معه، وأن تستمتع لحظياً بكل ما تفعله: الطعام، النزهة، مشاهدة المناظر الجميلة وغيرها.

وتتذكر نور قصة لأم ثلاثينية، معلمة ومتفوقة وجميلة لكنها بريئة الطباع، وقعت مع زوج غير مسؤول وعائلته الذين أهانوها وأساؤوا معاملتها وطفلها المصاب بشلل دماغي، وتعرضت للضرب والسحل والإهانة، ولولا بواقي إيمان لديها لانتحرت الأم.

"يشعر أطباء نفسيون بالعجز وقلة الحيلة أمام مشكلات مرضاهم الاجتماعية".

تنتاب أغلب المعالجين أعراض مشابهة، فهم يشعرون بالعجز وقلة الحيلة نتيجة عدم التصرف الصحيح في مشكلات اجتماعية كتلك، وهو ما أكدته المعالجة السلوكية التي عانت أيضاً من قلق واضطرابات في النوم، ومشاعر اكتئابية طوال الوقت، إغماءات متكررة وصداع مستمر، بسبب تأثرها بهذه القصة.

تصف نور ما حدث معها أنه "اكتئاب تفاعلي"، يصاب به المعالج النفسي نتيجة لتفاعله مع الطاقة السلبية والضغوط من مرضاه، مستشهدة بما يمكن أن يسببه الاكتئاب الشديد للمعالج الذي قد يصل به إلى الانتحار ليتخلص منه.

"ليس دورنا أن نغير العالم"

ياسمين مدكور، معالجة نفسية في أحد المراكز الخاصة بالقاهرة، تباشر مع أحد المعالجين غير المصريين، خارج مصر، تقول لرصيف22 إن معالجة المعالجين ليس منتشراً في مصر بنفس قدر انتشاره خارجها رغم أهميته، فمهنة العلاج النفسي بها قدر كبير من التوتر وتضغط على الجهاز العصبي، لذلك هو أمر مهني أن يلجأ المعالج إلى مشرف أو Supervisor، سواء ليستشيره في الحالات التي يتابع علاجها أو حتى ليستشيره في مشكلات شخصية، المعالجون أيضاً لديهم مشكلاتهم الخاصة بعيداً عن العمل.

تصف نور ما حدث معها أنه "اكتئاب تفاعلي"، يصاب به المعالج النفسي نتيجة لتفاعله مع الضغوط من مرضاه، مستشهدة بما يمكن أن يسببه الاكتئاب الشديد للمعالج الذي قد يصل به إلى الانتحار ليتخلص منه، مثلما حدث مع طبيب شاب من البحيرة

تؤكد مدكور، والتي تعالج ناجيات من حوادث الاعتداءات والعنف الجنسي في مصر، أهمية "معالجة المعالجين"، حتى لا يتأثر عمل المعالج ويستطيع أن يباشره، نافية انطباع أي حالة مصابة بأحد الأمراض النفسية عليها، لكنها تؤكد تأثرها في بداية عملها: "وهو أمر طبيعي يحدث لكثير من المعالجين، في الأول كنت بغضب وأتضايق وأزعل وأتأثر، ومش مصدقة إزاي ده يحصل، ومع مرور الوقت بقيت بستوعب إنه بيحصل كل يوم وف كل حتة، أصبحت متقبلة وجود الظلم والأسى بشكل أعمق وإنه دورنا مساعدة اللي بيجيلنا مش إننا نغير العالم".

على المعالج أن يعتني بنفسه وأن يفرغ ما يسمعه أولاً بأول، وألا يذهب به إلى البيت، هكذا ترى المعالجة الثلاثينية، مضيفة أن على المعالج بناء حدود نفسية مع المريض وإلا قد تتراكم الضغوط داخله، ومع وجود مشاكل شخصية أو عائلية لديه، قد يعاني من اكتئاب أو قلق أو فقدان استمتاعه بعمله، أو في أسوأ الأحوال تضعه تحت الضغوط الشديدة لأفكار انتحارية.

في مصر هناك دورات محدودة يتلقاها مقدمو خدمات الدعم النفسي، لتأهيلهم نفسياً لمواجهة الضغوط، مثل دورات في كلية طب القصر العيني بالقاهرة، وفي مركز الإرشاد النفسي بجامعة عين شمس، تحت إشراف أطباء نفسيين مشهورين مثل د. ليلى قاسم ود. سمير أبو المجد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard