"خوف من السيناريو اللبناني"... هل يحاصر شبح الإفلاس تونس؟

الخميس 14 أكتوبر 202104:38 م

دقّ البنك المركزي التونسي ناقوس الخطر، في شأن الوضع المالي والاقتصادي للبلاد، بعد تراجع احتياطي النقد الأجنبي، و"الشحّ الحاد" في الموارد المالية الخارجية، والعجز عن إيجاد موارد لتمويل موازنة الدولة لسنة 2021، وهو ما عمّق المخاوف من اتجاه البلاد نحو الإفلاس، وتكرار السيناريو اللبناني في تونس.

يأتي ذلك في وقت تعيش فيه البلاد أزمةً سياسية حادّة، سيما بعد التدابير الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد، في 25 تموز/ يوليو الماضي، والمتمثلة في تجميد عمل البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة هشام المشيشي، وتوليه السلطات جميعها في البلاد، وقد تم في إثرها تعليق المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.

تراجع احتياطي النقد الأجنبي

وأظهرت بيانات رسمية نشرها البنك المركزي التونسي، يوم 6 تشرين الأول/ أكتوبر، تسجيل انخفاض حاد في صافي تدفقات رؤوس الأموال الخارجية، نتيجة تراجع حجم الواردات الخارجية، بالإضافة إلى ارتفاع نفقات تسديد أصل الدين.

وانخفض احتياطي البلاد من النقد الأجنبي إلى 20.9 مليار دينار (7.4 مليار دولار)، و127 يوم توريد في أيلول/ سبتمبر 2021، مقابل 23.9 مليار دينار (8.16 مليار دولار)، و162 يوماً سنة 2020.

نحن اليوم أمام حرب حقيقية لمجابهة شبح الإفلاس، ولا بد من خوض المعركة لتعبئة الموارد، والحفاظ على الاقتصاد التونسي

وعبّر البنك المركزي التونسي، في بيان له، عن قلقه بخصوص "الشح الحاد" في الموارد المالية الخارجية مقابل حاجيات مهمة لاستكمال تمويل موازنة الدولة لسنة 2021، مشيراً "إلى تخوّف الدائنين الدوليين في ظل تدهور الترقيم السيادي للبلاد، وغياب برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي".

وسجّل البنك تقلّص العجز الجاري، خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2021، ليصبح في حدود 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 4.8% قبل سنة.

وأرجع المركزي التونسي هذا التقلّص إلى تواصل ارتفاع مداخيل العمل بـ42.8%، مع تحسّن نسبي للمداخيل السياحية بـ5.2%، مقابل توسع العجز التجاري بـ13.7% في العلاقة مع تطوّر الواردات.

كما سجّل "صافي تدفقات رؤوس الأموال الخارجية انخفاضاً حادّاً نتيجة تراجع حجم الموارد الخارجية التي تمت تعبئتها، بالإضافة إلى ارتفاع نفقات تسديد أصل الدين".

وشدد المركزي على ضرورة "تفادي التمويل النقدي (طباعة الأوراق النقدية)، في هذه الفترة، داعياً إلى "التعجيل في إعطاء إشارات واضحة للمستثمرين المحليين والأجانب بخصوص استرجاع نسق النشاط الاقتصادي، والتوازنات الكلية والمالية، وتعزيز حوكمة القطاع العمومي، وتحسين مناخ الأعمال".

وعقب لقاء جمعه بالرئيس قيس سعيّد، دعا محافظ البنك المركزي مروان العباسي، الدول الصديقة لتونس إلى دعمها في هذه الفترة الصعبة، كما دعا الفاعلين الاقتصاديين إلى دعم بلادهم.

وقال العباسي: "إن الرئيس التونسي أخبره أن تونس تتعامل بجدية مع صندوق النقد والبنك الدوليين، وأن النقاش مع الأطراف المانحة سيكون مربحاً".

المفاوضات لن تعود

لكن الخبير في الشأن الاقتصادي ووزير التجارة السابق، محسن حسن، يؤكد أن المفاوضات مع النقد الدولي ستتعطل، ولن تعود بين الطرفين، لا في الأشهر الأخيرة من سنة 2021، ولا خلال سنة 2022، وذلك لأسباب عدة أهمها أن حكومة نجلاء بودن ستكون مؤقتةً إلى حين انتهاء الإجراءات الاستثنائية، بالإضافة إلى غموض المشهد السياسي، مشيراً إلى أن "النقد الدولي لا يتعامل مع الحكومات المؤقتة، ولا ينفّذ برامج في الدول التي تعاني من أزمات سياسية"، حسب قوله.

وقال حسن: "إن البيان الأخير الصادر عن مجلس إدارة البنك المركزي، هو رسالة تحذيرية لصنّاع القرار في تونس، مفادها أن وضعية المالية العمومية صعبة جداً، وأن شبح الإفلاس يحاصر البلاد".

في تونس، أصبحت عبارة "السيناريو اللبناني" على شفاه العديد من الفاعلين السياسيين والاقتصاديين، فالبلد يعاني من شبه إفلاس. ما السبب في ذلك؟

وأضاف المتحدث: "المالية العمومية التونسية تعيش وضعيةً صعبة، على الرغم من تحسن بعض القطاعات، مشيراً إلى أن عجز موازنة الدولة، خلال الربع الأخير من العام الحالي، بلغ نحو تسعة مليون دينار (ثلاثة مليارات دولار)، وأن تونس مطالبة بتغطية هذا العجز لتمويل موازنة 2021.

في المقابل، يؤكد المتحدث أن تونس تلجأ حالياً إلى البنوك المحلية، من أجل الحصول على التمويل، وهو ما تسبب بارتفاع قروض الدولة لدى البنوك التونسية إلى مستوى يقدر بـ18 مليار دينار (6.4 مليار دولار).

ويرى الوزير السابق في حديثه أن "هذه الطريقة لم تعُد مجديةً، في ظل وجود تقارير رسمية تؤكد أن البنوك التونسية ستواجه صعوبات خلال الأيام المقبلة، وأن أرباحها ستتراجع بشكل لافت". وهو ما يعني، وفق رأيه، أن "الحل الأخير يتمثل في التمويل النقدي، أي في طباعة الأوراق النقدية، ولكن هذا غير ممكن، لأن القانون رقم 35 لسنة 2016 المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، يمنع الطباعة".

ويتوقع محسن حسن أن تحصل تونس على تصنيف سلبي جديد، بعد تصنيفها من قبل وكالة موديز للتصنيف الائتماني، عند مستوى B2، مع نظرة مستقبلية سلبية.

ويعني تصنيف B2، وجود مخاطر ائتمانية، وهو تصنيف يسبق المرحلة الأكثر خطورة في التصنيفات، وهي "Caa"، الحاملة لمخاطر ائتمانية عالية، وتعاني من وضعية ضعيفة.

ويرى محدّثنا، أن تونس قد تنجو من التصنيف السلبي، بعد أن أُعلن عن تشكيل الحكومة الجديدة، وما قد يرافقها من وضع رؤية سياسية واقتصادية واضحة، وبث خطاب سياسي يطمئن التونسيين، والشركاء الدوليين.

السيناريو اللبناني!

ولم يخفِ الخبير الاقتصادي مخاوفه من تكرر السيناريو اللبناني في تونس، قائلاً: "إن المخاوف في محلها، وإن ما تعيشه بلاده في الفترة الأخيرة، شبيه بما عاشته دولة لبنان على المستويين الاقتصادي والسياسي". ويختم حديثه قائلاً: "نحن اليوم أمام حرب حقيقية، لمجابهة شبح الإفلاس، ولا بد من خوض المعركة لتعبئة الموارد، والحفاظ على الاقتصاد الوطني".

من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، عز الدين سعيدان، أن بيان البنك المركزي جاء متأخراً كثيراً، مشيراً إلى أن تونس تعيش وضعية اقتصادية ومالية صعبة جداً، منذ سنوات، وليس بعد إجراءات 25 تموز/ يوليو الماضي فحسب.

وحمّل سعيدان، في حديثه، المسؤولية للمركزي التونسي، عادّاً أنه تحرّك لإصدار التحذيرات فحسب، عند حدوث الكارثة، وأنه كان غائباً، ولم يقُم بمنع السياسيات الاقتصادية الخطأ التي اتّبعتها الحكومات المتعاقبة على تونس، والتي أدت إلى الشطط في الحصول على قروض، وعجز الدولة عن تسديد ديونها.

وتساءل سعيدان قائلاً: "أين كان البنك المركزي عندما كانت الدولة تغرق منذ سنوات، بسبب السياسات الخطأ، ولماذا لم يقم بدوره بصفته الناصح المالي للدولة، وفقاً لقانون 2016؟".

"أين كان البنك المركزي عندما كانت الدولة تغرق منذ سنوات، بسبب السياسات الخطأ؟" تونس تواجه خطر العجز الاقتصادي والإفلاس

وينصّ الفصل 25 من القانون رقم 35 لسنة 2016، المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي، على أن "البنك المركزي هو الوكيل المالي للدولة في ما تنجزه من عمليات، وبالخصوص عمليات الخزينة، والعمليات المصرفية".

وتابع سعيدان حديثه قائلاً: "الوضعية الاقتصادية والمالية في تونس، زادت حدّتها بسبب جائحة كوفيد19"، مشيراً إلى أن "إقرار الحجر الصحي الشامل تسبب في توقف نشاط المؤسسات الاقتصادية".

ويشرح الخبير الاقتصادي أن "البنوك المركزية في تلك الفترة، وفَّرت عبر العالم، السيولة اللازمة للمؤسسات الاقتصادية، للحفاظ على النسيج الاقتصادي، وفرص العمل، لكن المركزي التونسي رفض القيام بعمليات مشابهة، وقال إنه مسؤول عن التضخم المالي فحسب".

وأضاف سعيدان: "تجني تونس اليوم، نتيجة هذه السياسات الخطأ التي أفلست بسببها أكثر من 80 ألف مؤسسة اقتصادية، وارتفعت نسبة البطالة إلى 18%، بالإضافة إلى تسجيل تضخم مالي بنسبة 6.2%، في نهاية شهر أيلول/ سبتمبر 2021.

وتابع أن البنك المركزي يحاول التنصل من المسؤولية، مؤكداً أنه لجأ إلى "حلول خطيرة جداً، لتمويل خزينة الدولة، وهي طباعة الأوراق النقدية منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي، وأعاد الطباعة في كل من تموز/ يوليو، وآب/ أغسطس، وأيلول/ سبتمبر من العام الحالي، وفق تعبيره.

وأكد الخبير الاقتصادي أن بلاده تعيش في مأزق مالي خطير، وأن الدولة تحتاج إلى ما لا يقل عن 15 مليار دينار (5.3 مليار دولار)، لتغطية نفقاتها العادية، بالنسبة إلى الأشهر الثلاثة المتبقية من سنة 2021، وهي قادرة على توفير سبعة مليارات دينار فقط (2.5 مليار دولار).

وقال سعيدان إن الحل الوحيد في هذه الحالة، هو لجوء تونس إلى الدول الشقيقة والصديقة، لمساعدتها ودعمها لتوفير تسعة مليارات دينار (ثلاثة مليارات دولار)، لتغطية نفقاتها حتى نهاية السنة الحالية، مشيراً إلى أن الدعم يجب أن يكون في شكل قروض، وهبات، وودائع لدى البنك المركزي، حسب قوله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard