هل فعلاً نحتاج إلى الاقتصاد؟

الأحد 24 أكتوبر 202109:53 ص

لنفترض أننا نعيش ضمن عالم متخيَّل شبيهٌ بمفهوم الجنّة أو النعيم في بعض الديانات والمعتقدات. في هذا العالم، يجلس شخصٌ ما في مكانٍ ما لا قيمة للزمن فيه، فالكلّ في عمر الشباب ويخلون من الأمراض ولا يشعرون بالتعب أبداً. مَن يشعر بالجوع يكفي أن يتخيّل دجاجة مشوية، أو طبقَ غواكامولي شهي مع شرائحِ خبزٍ ما زالت تحتفظ بطراوتها ودفئها إذا كان نباتياً، ليظهر الطبق دون تأخّرٍ من العدم جاهزاً للأكل.

الأجمل من ذلك أنّه بعد الانتهاء من الأكل تختفي الفضلات في العدم مرةً أخرى ولا حاجة لغسل اليدين إذ تصبحان نظيفتين تلقائياً.

يمتلك الجميع كلّ المعلومات عن نشأة الكون ويعرفون ما نعرف أننا في عالمنا الحالي لا نعرفه كما يعلمون ما لا نعلم أننا لا نعلمه. الأنهار أبديّة لا تحتاج إلى أمطار ولا تنقص ولا تنضب، والطقس أداة في يدنا فيكفي تخيل حالة الطقس ليتحقق ما نريد.

في مثل هذا العالم الافتراضي لا معنى للاقتصاد. لا نحتاجه ولا يوجد أيّ داعٍ لوجوده من الأساس، فالاقتصاد يستند على حقيقة أساسية غير قابلة للطعن أو التشكيك في عالمنا وهي "مبدأ الندرة". كلّ ما نمتلكه له كميةً محددة تنقص مع الزمن وتُستهلك وسرعة تجددها بطيئة، ولذلك نحتاج إلى تدابير اقتصادية تنظّم الاستهلاك.

في عالمنا الحالي، ما يزال الهواء منتَجاً لا ينضب، فيمكنكم أن تتنفسوا من الهواء أيّ كمية تريدون دون الحاجة إلى دفع أي فاتورة أو التفكير بأي عواقب. قد تكون المعلومات أيضاً منتجات لا تنضب، فمهما بحثنا عن معلومات سنجد دائماً ما هو جديد ولا ينتهي، ولكنّ الاختلاف الجوهري بين المعلومات والهواء كمنتجات هو أنّ الهواء منتجٌ متجانس أما المعلومات فليست متجانسة، فإنْ أخبركم أحدهم أنّ السموم قابلة للأكل فتلك حقيقة معلومة تقوم بوظيفة الإعلام بشيء ما، ولكنها خاطئة، وعلى ذلك فالمعلومات تختلف في ما بينها بشكل كبير كما تمتلك قيماً مختلفة.

بعض المعلومات ستساعد الأفراد على إنجاز اختراعات أو أبحاثٍ مهمة ومفيدة أو تقدّم لهم سبلاً لتوفير الوقت أو تحسين ظروف حياتهم، وبعضها ستدفع أصحابها لزيارة الساحر الدجال عوضاً عن الأطباء عند المرض. بسبب عدم تجانس المعلومات فهي أيضاً كمنتج تحتاج للخضوع إلى تدابير اقتصادية تنظمها.

ما الخدمة الموضوعية التي تقدّمها سيارة فيراري وتختلف عن سيارة بعُشرِ ثمنها طالما أن الاثنتين ستوصلاني إلى هدفي؟

يحاول البشر خلال حياتهم أن يستهلكوا منتجاتٍ مختلفة وللتوضيح كلمة منتجات لا تعني حصراً الحواسيب أو أجهزة الهاتف المحمولة أو السيارات، بل تشمل كلّ ما يتم استهلاكه كالطريق الذي تسير عليه وسائل النقل أو الطاولة التي يتم الجلوس عليها لأسباب مختلفة أو حتى تلك الأغنية المميزة التي علقت في أذهاننا لوهلة من الزمن فسمعناها مراراً وتكراراً حتى الملل.

أُحبّ مثال الأغنية لأنه يوضح مفهوماً اقتصادياً مهماً يدعى المنفعة أو الخدمة Utility.

يمكن القول إنّ هذا المفهوم يمثّل كمية الرضى أو الإشباع للرغبة بالنسبة إلى الفرد. فعند سماع أغنية جديدة تجذبنا موسيقاها وإيقاعها بشدّة، سنسعى إلى معرفة اسمها لسماعها مرة ثانية وثالثة ورابعة وربما خمسين مرة، ولكن مهما ازداد عدد مرات سماعها سنصل إلى تلك المرحلة حين سنشعر بالاكتفاء، بشكلٍ مشابهٍ لشعور التخمة أثناء الأكل، وعند تلك المرحلة ستصبح الأغنية نفسها التي جلبت لنا السعادة لمراتٍ عديدة مصدر إزعاجٍ أو ملل.

المنفعة أو إشباع رغباتنا نحصل علها من الاستهلاك والحياة المرفهة في معناها الأكثر انتشاراً، والمرتبط بالغنى، وهي حياة يمكن للأفراد فيها استهلاك ما يرغبون من كميات كبيرة من الموارد.

"إنْ كان أحدهم يكره كلمة ‘اقتصاد’ ويرى فيها شؤماً أو يعتقد بإمكانية تحقيق النعيم الخيالي في واقعنا، فسأقول له: هذا رائع، باشر في بحثك العلمي وجهز نظريتك مع الإثباتات التجريبية بالأرقام ومباركة لكَ جائزة نوبل في الاقتصاد"

في الواقع، لا يمكن للجميع العيش في رفاهٍ مشابهٍ لرفاهية بيل غيتس أو إيلون ماسك، فالموارد لا تكفي لتحقيق هذا الرفاه للجميع، ولكن يتوجب عادةً أن يحقّ للجميع محاولة البحث عن السعادة وإنْ كانت تكمن في ذلك الرفاه المبهر حيث يمكن للفرد أن يستهلك أكثر.

لتحقيق ذلك، نحتاج إلى سياق ثقافي-مجتمعي، وهو اتفاق بين الأفراد قائمٌ على رفض العنف وتعزيز التبادل التجاري الطوعي دون إكراه. في مثل هذا الاتفاق لا أحد غنيٌّ من الله ولا أحد فقيرٌ من الله بل الجميع يمتلكون الفرصة لتحسين أحوالهم بشرط أن يقدّموا النفع لغيرهم.

النفع هنا ليس موضوعياً، بل ذاتي. يكفي أن أقدم خدمة أو منتجاً يحبّه الآخرون ويتهافتون على شرائه منّي لآخذ في المقابل أموالاً، فامتلك القدرة على الاستهلاك بشكلٍ أكبر وعيش حياةٍ أكثر رفاهية. قد أصنع تماثيل لحيواني المفضّل البطريق ولسببٍ نجهله في سلوك البشر المتغير باستمرار سيُعجبون بتماثيل البطاريق خاصتي ويتهافتون على شرائها، لا بل قد تُقام المزادات وتُباع بطاريقي الخشبية بأسعارٍ خيالية وأصبح مليونيراً أو مليارديراً.

هل البطاريق الخشبية حقاً قدّمت خدماتٍ عظيمة؟ في الحقيقة، السؤال الأفضل يكون ما الخدمة الموضوعية التي تقدّمها سيارة فيراري وتختلف عن سيارة بعُشرِ ثمنها؟ الاثنتان ستوصلاني إلى هدفي، ولكن رغبتي الشخصية وتفضيلاتي الذاتية تجعلني أفضّل الفيراري أكثر، ومن ذلك نستنبط مفهوماً مهماً أيضاً يُدعى Value Judgement أو تحديد قيمة شيء ما.

لا يمكن لأي اقتصادي أو عالم اجتماعي أن يقول لنا ما الذي يمتلك قيمةً أعلى من غيره. القيم ما هي إلا تفضيلات بشرية شخصية قد تتقارب من بعضها في بعض المطارح وتتباعد في مطارح أخرى، ولكنها حتماً لا يمكن أن تتجانس بشكل كامل أو تثبت إلى الأبد. فهاتفك الذي اشتريته قبل سنة أو سنتين لم يعد في نظرك يمتلك نفس القيمة السابقة ولا يعطيك أحاسيس الرضى كما في السابق وإنما استمرارك في البحث عن الرضى سيبقيك راغبةً بالتجديد. وبكلماتٍ أبسط، سيحافظ على رغبتك باستهلاك المزيد والمزيد.

إنْ كان أحدهم يكره كلمة "اقتصاد" ويرى فيها شؤماً أو يعتقد بإمكانية تحقيق النعيم الخيالي في واقعنا، فسأقول له: هذا رائع، باشر في بحثك العلمي وجهز نظريتك مع الإثباتات التجريبية بالأرقام ومباركة لكَ جائزة نوبل في الاقتصاد فقد حققت ما عجز عنه كلّ علماء الاجتماع وستحظى بالتقدير وربما التقديس مني أولاً ومن مئات الملايين ثانياً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard