عقبات في رحلة البشر من الإنسان القديم إلى "الإنسان الإله"

الثلاثاء 27 يوليو 202110:01 ص

الذاتية Subjectivity، والموضوعية Objectivity، كلمتان مهمتان جداً، ولتعريفهما يمكن ذكر مثال صغير: إذا وقعت شجرة في وسط الغابة، ولم يكن هناك أي كائنٍ حي ليسمع صوت سقوطها، فهل يمكننا القول إنها أصدرت صوتاً أثناء الوقوع، أم لا؟

هنا تأتي الذاتية والموضوعية. فإذا بحثنا عن الصوت، فهو عبارة عن اهتزازات تنتقل في الهواء لتصل إلى الأذن، وتحرك غشاء الطبل والعظيمات السمعية، ثم يقوم دماغنا بتفسير تلك الاهتزازات على أنها أصوات. إذا رأينا أن الصوت هو كيف يقوم عقلنا بترجمة الاهتزازات، يمكن أن نتصوّر أن كائناتٍ ما في عالم آخر تقوم عقولها بترجمة الاهتزازات إلى ألوان، وعليه يرون الصوت، ولا يسمعونه، وتالياً يكون الصوت بنفسه في هذا المثال ذاتياً، تختلف تفاسيره من كائنٍ إلى آخر. أما الاهتزازات، فهي موضوعية، وهي الأساس الذي يُترجم إلى صوت في عقولنا، أو صورة في عقول كائنات افتراضية.

الموضوعية تعني شيئاً قابلاً للقياس بشكل حيادي، لا يتغير مهما اختلف مَن يقوم بعملية القياس. أما الذاتية، فتعني أن الشيء يخضع لإدراك الأفراد، ويختلف من فرد إلى آخر، وليس ثابتاً في كل مكان.

فجوات مؤرقة

رحلة البحث عن الحقيقة رحلة مضنية مليئة بالتساؤلات، والافتراضات، والحوارات، داخلية كانت، أو مع طرف آخر.

فراغاتٌ كثيرة تملأ السلسلة التي نحاول صنعها لفهم الكثير من المواضيع في حياتنا، والتي قد تكون مواضيع نفسية، أو مجتمعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو علمية مختلفة.

كيف نتعامل مع تلك الفراغات والفجوات التي تؤرق البشرية منذ بدء ظهور البشر المفكرين، أي ككائنات ذوات أهميةSignificant Creatures؟

قام البشر القدماء بملء الفجوات تلك بافتراضات ومعتقدات اخترعوها بشكل ذاتي غير موضوعي. فمنهم مَن قال إنّ السماء لوحة، ومنهم مَن عد الأوبئة غضباً من الآلهة، أو عملاً شيطانياً كما ذكر البروفيسور يوفال هراري في كتابه الذي يضع نظرة تصورية لإنسان المستقبل في نهاية الألفية الثالثة، أو هومو دايوس Homo Deus، والتي تعني في اللاتينية "الإنسان الإله".

يبدأ هراري كتابه بالحديث عن مشاكل الماضي التي واجهتها البشرية، كالأوبئة، وأشهرها الطاعون الأسود. ففي إنكلترا حيث تسبب بتناقص عدد السكان فيها من 3.7 مليون نسمة إلى 2.2 مليون نسمة، وقفت السلطات عاجزة أمامه، ولم يكن في وسعها سوى تنظيم الصلوات، والمواكب الدينية، لتكثيف العبادة إيماناً بأن قوى خارقة، وملائكة، قد تحميهم، بينما لم يمتلكوا أدنى فكرة بأن ذبابة صغيرة، أو قطرة ماء ملوثة، يمكنها أن تحتوي على جيوشٍ من البكتيريا القاتلة.

"في المجتمعات التي تتفادى عدم اليقين، يسعى الأفراد إلى إبقاء حياتهم تحت السيطرة والتحكم قدر الإمكان، فالخوف من المجهول عندهم كبير، والمخاطرة مذمومة، وإذا وجدوا أنه من غير الممكن جعل حياتهم قابلة للتوقع، يتوقفون عن المحاولة، ويعدّون أنّ أمرهم بات في يد قوّة إلهية خفيّة"

جاءت الثورة العلمية، وبدأ البشر يعترفون بجهلهم، وانقلبوا على فلسفة اليونانيين، واتجهوا إلى التجربة والتوثيق، ليثبتوا الافتراضات أو ينفوها، ووضعوا أنظمة للبحث العلمي ساندتهم في بحوثهم، وكانت حجر أساسٍ للحضارة البشرية القائمة في يومنا هذا. وهكذا انتقلت البشرية من هزّ كتفيها، والاكتفاء بقول "هذه مشيئة الرب"، إلى البحث عن الأسباب، ومحاولة فهم الأحداث ومسبباتها، لتطور من أساليبها وتقنياتها لمواجهة الأخطار.

من المؤسف أنّ الإنسان في تلك الفترة لم يهتم بالدراسات الثقافية التابعة لعلوم النفس والاجتماع، مثل الاهتمام الذي حظيت به العلوم التقنية والتكنولوجية، الأمر الذي أبعد الإنسان الغربي الأبيض عن فهم التنوع الثقافي، وعزز النظرة الفوقية لديه أمام بقية البشر من غير دول ومجتمعات. وبدلاً من الاعتراف بثقافاتهم، عدّهم أقلّ حضارة منه.

أبعاد متنوّعة للثقافات

الاتحاد الأوروبي لم يكن هدف تأسيسه الاقتصاد بذات نفسه، بل كان فكرة طموحة جداً لردع الحروب والصراعات، وربط البلدان الأوروبية ببعضها اقتصادياً بشكل كبير، إلى درجة تصبح تكاليف الحرب معها كبيرة جداً، وموجعة، وفكرة الحرب بذاتها مرفوضة مجتمعياً.

تخيلوا لو أنّ الإمبراطورية البريطانية سعت إلى نشر ثقافة التنوع والتعددية، بدلاً من محاولاتها الكبيرة في استنساخ إنسان بريطاني في المناطق كلها التي استعمرتها. لو حصل ذلك لكانت كلمة "إمبريالية" كلمة جميلة تحمل الرفاهية للشعوب المتنوعة، ولكانت أسست لاقتصاد عالميّ مندمج بلا اختلافات قانونية كبيرة، وسوق حرة كبيرة للبشرية كلها بشكلٍ يشبه الاتحاد الأوروبي، ولكن على مستوى العالم ككل.

"الحقيقة ليست مطلقة، والمجتمعات يمكنها تحقيق التغيير، ومنح المزيد من الحريات للأفراد. فهم السلوك في كل مجتمع، وجذوره، ومسبباته، وهم الخطوة الأولى في طريق التغيير، وعوضاً عن قمع الأفراد لتغيير سلوكهم، يجب فهمهم بشكل أمثل"

قام البروفيسور الهولندي خيرت هوفستيديه Geert Hofstede، بدراسة شاملة تهدف إلى اكتشاف أثر ثقافة الفرد على سلوكه في بيئة العمل، ومع نشر كتابه "عواقب الثقافة" Culture’s Consequences عام 1980، أصبح المؤسس لأبحاث المقارنة الثقافية.

يقدم البروفيسور في نموذجه أبعاداً متنوعة للثقافات، كلّ بعد منها يعمل كمؤشر تُقاس عليه الثقافة.

الأبعاد هي:

1ـ مؤشر مسافة السُلطة Power Distance

هذا المؤشر متعلق بمدى عدم تكافؤ توزيع السلطة بين الأفراد (احتكار السلطة) في المجتمع، ومدى قبول الأفراد بذلك الاختلال في التوزيع، وعدم المساواة. ففي المجتمعات التي تحقق نتائج عالية على المؤشر، تكون السلطة متمركزة في أيدي القلة، ويُعامَل مالك السلطة بشكل فيه الكثير من الإجلال، كما يمتلك قدرة على صناعة القرار من دون العودة إلى الأفراد. أما الأفراد العاديون فيتقبلون تحكمه بحياتهم، وسلطته غير المحدودة.

أما في المجتمعات التي تسجل أرقاماً منخفضة، فتكون القوى موزعة ضمن المجتمع، ولا يمكن للسياسي أن يتصرف بشكل فردي من دون كسب رضا الأفراد، ومن الطبيعي جداً مساءلته وانتقاده، فهو مساوٍ لهم، ولا يمتلك هالة من الإجلال.

2ـ الفردية مقابل الجماعية Individualism vs. Collectivism

يُعنى هذا البعد بمدى قوة الترابط بين الأفراد في المجتمع الواحد، وتأثيرهم على بعضهم. في المجتمعات الجماعية (كالمجتمعات العربية)، نرى ذلك بوضوح من خلال الاهتمام الكبير بنظرة المجتمع إلى الفرد، كما نلاحظه أيضاً من خلال تدخل الأسر في حياة أفرادها، ولا أقصد الأسرة الصغيرة فحسب، بل يمتد ذلك إلى الأعمام، والعمّات، والأخوال، والخالات، والجد، والجدة، وحتى الأصدقاء الذين يتدخلون في التفاصيل الشخصية لغيرهم، كقَصة شعرهم، أو لباسهم، أو نوع الموسيقى التي يحبون، أو غيرها.

أما في المجتمعات الفردية، فالقيمة الأعلى تُعطى للفرد، ولا يسعى الفرد إلى التضحية بنفسه من أجل الجماعة، بل يسعى إلى تحقيق أحلامه الشخصية، ولو تعارضت مع رغبات المحيطين به، كما أنه من الملاحَظ أن زملاء العمل في المجتمعات الفردية يبقون زملاء عمل، ولا يتم الخلط بينهم وبين الأصدقاء، فلكلٍ مكانته المحددة عند الأفراد، ولا تختلط الحياة العملية بالحياة الاجتماعية.

3ـ تجنب الغموض Uncertainty avoidance

هذا البعد يظهر لنا مدى قدرة الأفراد على تقبّل القلق، وعدم اليقين. وهنا لا بد من شرح الاختلاف بين عدم اليقين، وبين المخاطرة Risk، فعدم اليقين غير قابل للقياس والحساب، أما المخاطرة فيمكن حسابها بشكل جيد جداً.

في المجتمعات التي تتفادى عدم اليقين، يسعى الأفراد إلى إبقاء حياتهم تحت السيطرة والتحكم قدر الإمكان، فالخوف من المجهول عندهم كبير، والمخاطرة مذمومة، وإذا وجدوا أنه من غير الممكن جعل حياتهم قابلة للتوقع، يتوقفون عن المحاولة، ويعدّون أنّ أمرهم بات في يد قوّة إلهية خفيّة.

أما في المجتمعات التي لا تتجنب عدم اليقين، فيمتلك الأفراد سمات، مثل الانفتاح، والاسترخاء، كما يتقبلون الغرباء بشكل أكبر.

4ـ الذكورة مقابل الأنوثة Masculinity vs. Femininity

يشير هذا البعد إلى توزيع الأدوار بين النساء والرجال في المجتمع. في المجتمعات الذكورية يكون تداخل أدوار النساء والرجال قليلاً، فكلّ من الجنسين له مكان محدد، ولا يتم قبول الآخر فيه، كأن لا يُقبل للرجل أن يطبخ الطعام للعائلة، أو لا يُقبل للمرأة أن تعمل شرطيةً. أما في المجتمعات الأنثوية، فيحدث تداخل كبير في توزيع الأدوار بين الرجال والنساء.

اليابان تمتلك أعلى معدل في العالم للذكورية بنتيجة 95%!

5ـ التوجه طويل الأمد مقابل التوجه قصير الأمد Long- vs. Short term orientation

يشير هذا البعد إلى أسلوب تعامل المجتمعات مع الوقت، أو سلوكها خلال الأفق الزمني. في المجتمعات ذات التوجه قصير الأمد، يمتلك الأفراد تقديساً كبيراً لمبادئهم ومعتقداتهم، وغالباً ما يمتلكون صفة التدين الشديد، أو الميل نحو التشبث بالأفكار القومية.

أما المجتمعات ذات التوجه الطويل الأمد، فتميل إلى أن تكون أكثر براغماتية، ومتواضعة، ومدخرة للمال، كما أنها تسعى إلى معرفة الأسباب. فالأسئلة المفضلة لديها تكون عادةً "كيف؟"، أو "ماذا؟"، كما يميل الأفراد إلى إيجاد الحلول الوسطية، عوضاً عن الصراع.

6ـ إشباع الرغبات مقابل ضبط النفس Indulgence vs. Restraint

يشير هذا البعد إلى سلوك أفراد المجتمعات تجاه رغباتهم، ومدى الحرية المجتمعية الممنوحة لهم لفعل ذلك. في المجتمعات التي تعتمد ضبط النفس، توجد رغبة في قمع الحريات الفردية، وقد يتم عدّ الرغبات الشخصية رذائلَ مرفوضة، ومرتبطة بصفات سلبية، أي تكون المعايير المجتمعية أكثر صرامة مع الأفراد وحرياتهم.

أما في المجتمعات التي تشبع رغباتها، فيميل الأفراد فيها إلى الضحك والمرح، ويتقبلون المساكنة، والعلاقات الجنسية، فلا ترتبط لديهم بصفات سلبية، بل بسلوك طبيعي، وحرية فردية شخصية.

كان البروفيسور هوفستيديه بالفعل رائداً في هذا المجال، فقبل أن يمنح شروحات وافية مرتبطة بأبحاث علمية واسعة، كان قد منحنا التصالح مع أنفسنا.

الحقيقة ليست مطلقة، والمجتمعات يمكنها تحقيق التغيير، ومنح المزيد من الحريات للأفراد. فهم السلوك في كل مجتمع، وجذوره، ومسبباته، وهم الخطوة الأولى في طريق التغيير، وعوضاً عن قمع الأفراد لتغيير سلوكهم، يجب فهمهم بشكل أمثل، ومن ثم تغيير العوامل التي تسببت في ظهور ذلك السلوك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard