الانحيازات الإدراكية... يمكننا التدرّب على تطوير مهاراتنا في فهم الآخرين

الأربعاء 23 يونيو 202110:54 ص

عرّف عالم النفس المعرفي فولفغانغ برينتس Wolfgang Prinz الإدراك Perception على أنه مجموعة عمليات تبني وتحافظ على تمثيل معيّن للبيئة المحيطة. هذا التمثيل يركّز على عوامل من هذه البيئة ذات صلة بالشخص المحدد وأهدافه، سلوكه، معتقداته وغيرها، وعليه فإنّ الإدراك ذاتي وليس موضوعياً.

لتوضيح الفكرة، يمكن إعطاء المثال التالي: هناك مدرّس في مدرسة، وخلال الدرس أعطى مهمة للتلاميذ لتنفيذها وشاهد إحدى التلميذات تنظر إلى ساعة يدها. كيف يمكن فهم ذلك الفعل؟ يمكن حقيقةً فهمه بعدة طرق ومنها سأذكر طريقتين: الأولى، أنّ التلميذة تنظر إلى الساعة لمعرفة كم تبقى من الوقت لإتمام المهمة؛ والثانية، أنّ التلميذة تشعر بالملل وتتمنى أن ينتهي الدرس بسرعة.

في الحالة الأولى، الإدراك أعطى انطباعاً بأن التلاميذ مسؤولون ومتفانون ومتيقظون للوقت كي يتمّوا مهماتهم على أفضل شكل، وفي الحالة الثانية سيشعر المعلم بالغضب وربما بالاكتئاب لأنه سيعتبر أنه يجعل المتعلمين يشعرون بالملل وعدم التركيز.

إذاً، الإدراك هو عامل من عوامل التواصل. ففي كل تواصل يكون هناك مرسل للرسالة ومتلقٍّ لها، والمتلقي عليه إدراك الرسالة بالشكل الأمثل تجنباً لأي شكل من أشكال سوء الفهم.

قد أتحدث مع أحدهم وأقول له إني أكلت تفاحةً البارحة وأكتفي بذلك. عند ذكر كلمة "التفاحة"، سيتبادر إلى ذهن المستمع أنها ربما تفاحة خضراء، ولكن في الحقيقة أنا أكلت تفاحةً حمراء. المتلقي للرسالة عليه أن يكمل من عنده فك تشفيرها، وهذه حقيقةً ليست بالعملية السهلة.

الجيّد في الأمر أنه يمكننا أن نتعلم كيف نطوّر قدرات إدراكنا، ما قد يوفّر لنا الكثير من الدقة في أسئلتنا عند التواصل، ويجنّبنا الكثير من الصدامات غير الضرورية والتي تستهلك كمّاً لا بأس به من الطاقة.

الانحيازات الإدراكية

هناك الكثير من العوامل المؤثرة في الإدراك ومن أهمها ما يُدعى بالانحيازات الإدراكية Perception Biases.

للانحيازات الإدراكية عدة أنواع وسأذكر منها:

1ـ أثر هالة التقديس Halo-effect: عندما يمتلك الشخص الذي نتواصل معه صفة ما نحبّها كثيراً، تطغى على باقي صفاته، وتجعلنا نعطيه تقييماً أعلى لتصرّفاته.

مثال: إنّ جمال الأشخاص قد يجعلنا أقل غضباً منهم عند اقترافهم لخطأ ما بينما عادةً سنكون أكثر ميلاً للغضب من أشخاصٍ لا نراهم كثيري الجمال من وجهة نظرنا الذاتية.

2ـ انحياز الانطباع الأول First impression bias: كثيراً ما نقيّم الأشخاص بناءً على انطباعنا الأول عنهم، وبالرغم من ظهور سلوك مخالف لتقييمنا الأول من قبلهم، إلا أننا لا نوليه اهتماماً عالياً ونحافظ على تقييمنا الأول.

مثال: يمكن ملاحظة هذا الانحياز عندما نتعرف على شخص مختص في مجال ما فنتقبل منه كل المعلومات دون تدقيق فيها، معتمدين على انطباعنا الأول عنه بأنه شخص مختص في ذلك المجال.

3ـ النبوءة ذاتية التحقق Self-fulfilling prophecy: توقعات البعض قد تؤثر على سلوك الآخرين.

يمكننا أن نتعلم كيف نطوّر قدرات إدراكنا، ما قد يوفّر لنا الكثير من الدقة في أسئلتنا عند التواصل، ويجنّبنا الكثير من الصدامات غير الضرورية والتي تستهلك كمّاً لا بأس به من الطاقة

مثال: هذه الظاهرة منتشرة في معظم دول العالم في ما يتعلق باللاجئين، إذ يمتلك سكان البلد أفكاراً مسبقة عن أن هؤلاء اللاجئين سيقومون بالانعزال ضمن مجتمعات موازية ولن يندمجوا في المجتمع، ومن خلال أفكارهم تلك يحرمون اللاجئين من فرص التعرف عليهم والاندماج في البلد ويحرمونهم من العمل ويعزلونهم ضمن المدارس والجامعات فيدفعون اللاجئين بالفعل إلى تحقيق تلك النبوءة، وذلك لعجزهم عن الحصول على عمل وتكوين صداقات والسعي للاندماج.

4ـ انحياز المعلومات الأولى والأخيرة Primacy and recency effects: عادة عند التواصل، يستطيع البشر تذكّر المعلومات المذكورة في بداية الحديث ونهايته بشكلٍ أسهل، مما يعطيها قيمة أكبر من باقي المعلومات المقدمة ضمن الحديث.

5ـ الانحياز التأكيدي Confiramtion bias: الميل إلى البحث عن معلومات تناسب أفكارنا المسبقة وتؤكدها.

مثال: الذين يرفضون العلم بكل أشكاله ومن ثم يقبلونه إذا ظهرت نتائج ما تؤكد بعض جوانب معتقداتهم المسبقة، هم لا يتقبلون العلم وإنما فقط ما يتناسب مع ما يؤمنون ويعتقدون به.

6ـ أثر التراتبية Hierarchy effect: الأفراد الذين يمتلكون رتباً أعلى (منصب سلطة أو مال كثير أو غيره) غالباً ما يحظون بتقييمات أفضل من باقي الأفراد ودرجة تقبل أعلى.

7ـ أثر التشابه Similar-to-me-effect: التشابه بين الأفراد يُنظر إليه بنظرة إيجابية، فيميل الأشخاص إلى إعطاء أفضلية لمَن يشبهونهم (التشابه في المظهر الخارجي، في الرأي السياسي، في الانتماء القومي أو الديني، في الجنسية، إلخ).

8ـ خطأ الإسناد الأساسي Fundamental attribution error: غالباً ما يُهمَل أثر متغيرات البيئة المحيطة على سلوك الفرد فيُعزى سلوكه إلى شخصيته أو أفكاره.

مثال: عندما نكون محاطين بمجموعة أفراد لا نتحدث لغتهم، سنشعر بوجود حاجز يمنعنا من التواصل معهم، وقد ننعزل عنهم ونحاول عدم الإكثار من الكلام بينما هم قد يقعون في هذا الخطأ الإدراكي فيظنون أننا خجولين جداً أو أننا لا نرغب بالتعرف عليهم والحديث معهم.

لا يمكن ألا نتواصل

يقول عالم النفس النمساوي الأمريكي باول فاتزلافيك Paul Watzlawick: "لا يمكن لشخص ألا يتواصل" You cannot not communicate.

التشابه بين الأفراد يُنظر إليه بنظرة إيجابية، فيميل الأشخاص إلى إعطاء أفضلية لمَن يشبهونهم (التشابه في المظهر الخارجي، في الرأي السياسي، في الانتماء القومي أو الديني، في الجنسية، إلخ)

وأذكر مثالاً لطيفاً حكاه لنا بروفيسور في إحدى المحاضرات: تصوروا أن هناك طفلاً في روضة أطفال ولا يريد أن يتواصل مع أحد، لا المعلمين والمعلمات ولا الأطفال الآخرين، فقرر أن يقف في زاوية الغرفة مديراً وجهه إلى الحائط وظهره للجميع. هل يمكننا اعتبار أنه نجح في قطع التواصل؟ في الحقيقة لا، لم ينجح في ذلك فحركته تلك هي بذاتها رسالة وصلت للجميع وفهموا أنه لا يرغب بالحديث وبالتالي حدث تواصل بينه وبين الباقين ووصلت رسالته لهم حتى دون أن ينطق بأي كلمة.

في كل مجالات الحياة، يحتاج الإنسان إلى التواصل، سواء مع العائلة أو في العمل أو مع الأصدقاء. ولكي يكون ناجحاً في تواصله ذلك، يمكن أن يتدرب على فهم سلوكه وسلوك الآخرين ليحسّن من إدراكه لهم، ما يزيد من رصيده التفاوضي ومهاراته في تحقيق المكتسبات على كل الصعد.

والآن هل وقعت سابقاً في إحدى الانحيازات المذكورة؟ إذا كان جوابك نعم فما هي؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard