سرقة الزيتون الرومي والتجارة به... هذه المرّة بأيادٍ فلسطينية

الأربعاء 6 يناير 202108:15 ص

 تعود جذور الزيتون الرومي إلى الوجود الروماني في فلسطين عام ثلاثة وستين قبل الميلاد. حكايةُ تاريخٍ من الأصالة والعراقة التي عجز الاحتلال عن تشويهها فلجأ إلى سرقتها عنوة أو شرائها من الفلسطينيين مقابل مبالغ ضخمة من المال؛ كنوع من إثبات الوجود والأحقيّة في أرض كنعان. هكذا، خسرت فلسطين الكثير من أشجار الزيتون الرومي في عمليات سرقة الأراضي ومشروع الضم، أو عن طريق بناء المستوطنات بجوار الأراضي المليئة بالزيتون الرومي، ليحاصَر ويُمنع أصحابه من الوصول إليه، ويسوَّر لاحقاً فيصبح جزءاً من مستوطنةٍ أو تابعاً لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي. وإذا عجز الأخير عن السيطرة عليه، ينتهج سياسة العنف والتكسير والحرق، فيحرق المستوطنون الأشجار ويعيثون الخراب في الأراضي حتى لا تعود صالحةً لقطفٍ أو زراعة.

تعتبر شجرة الزيتون الرومي من أثمن أنواع الزيتون في فلسطين، وأغناها ثماراً وأجودها زيتاً. بالإضافة إلى رمزيتها وقدسيتها لدى الشعب الفلسطيني؛ لما تشكّله من أهميةٍ تاريخيةٍ ودينيةٍ. هناك أشجارٌ روميّة طاعنة في القِدَم يصل عمرها إلى آلاف السنين، عجز الاحتلال عن اقتلاعها وسرقتها رغم محاولاته الدائمة، حتى أنَّ بعض هذه الأشجار يُعيَّن لها حارسٌ يختصّ بحراستها وتقليمها والعناية بها. مثل شجرة "خربة الزيتون" المعروفة بقِدمها في فلسطين.

الاحتلال من جهة والتجار من جهة أخرى

بحسب إحصائيات وكالة وفا للمعلومات، فإنَّ أكثر الأماكن تعرّضاً للنهب المنظَّم هي القدس والخليل وغزة وأريحا. باعتبارها مناطق ذات قيمة تاريخية، حاولت إسرائيل باستماتة تجيير جل إمكانياتها لها، وتلفيق المعتقدات الدينية غير المستندة إلى أي منطق علمي أو تاريخي للاستحواذ عليها. وقامت باستيفاء مخططها التوسعي في الأراضي الفلسطينية بشكلٍ متسارع من أجل فرض حقائق استيطانية على الأراضي الفلسطينية. وذلك عن طريق مشاريع الضم، والبؤر الاستيطانية، وإقامة المستعمرات، والثكنات العسكرية، والطرق الالتفافية، ومصادرة المحميات الطبيعية الغنية بالموارد والأعشاب البرية، والأشجار المعمرة التي تزيد أعمارها عن آلاف السنين.

يقول قاسم عوّاد مدير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان لرصيف22: "تصلنا يومياً عشرات البلاغات والتقارير حول الاعتداءات التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي بحق الأراضي والأشجار في الضفة الغربية، يمكن القول بأننا اعتدنا على مضايقاتهم ولم تعد مثار تعجّب أو استغراب. لكن ما نعتبره مشكلة حقيقية، هو سرقة التجّار الفلسطينيين للأشجار وبيعها للاحتلال والمستوطنات. هناك العديد من الإحصائيات المتعلِّقة بأعمال استيطانية وأخرى تفيد بسرقة وتجارة مواطنين فلسطينيين لأشجار الزيتون الرومي. تمَّ سرقة 10 أشجار زيتون رومي في دير غسانة. ومن أكثر الأماكن التي تعرَّض فيها الزيتون الرومي لأضرار هذا العام، كانت منطقة الولجة وهي قريبة من جبع، حوالي 300 زيتونة رومانية تمَّ الاعتداء عليها بتكسيرها وإحراقها وسرقة بعضها الآخر من قبل المستوطنين الإسرائيليين. وكذلك الأمر في منطقة قصر اللَّبد قام المستوطنين بتقطيع وتكسير وسرقة حوالي 57 شجرة تعود للمواطن عادل بكر على وجه التحديد. وهناك في الخليل أيضاً، تحديداً منطقة تلّ الرميدة، قاموا بتقطيع وتخريب قرابة 35 شجرة". يؤكد عوّاد أنَّ المناطق الجنوبية والمحيطة بالقدس هي الأكثر استهدافاً من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال الإسرائيلي. ولا يقتصر الأمر على الزيتون الرومي فحسب، بل يطال جميع أنواع الآثار الثقافية والأماكن التي تعود إلى حضاراتٍ سابقة كالرومان.

ترى الهيئة أنَّ خطورة بيع أشجار الزيتون الرومي تكمن في تعامل التاجر أو المواطن الفلسطيني بشكل مباشر مع المستوطنين بوصفهم زبائن عاديين، دون أدنى اعتبارٍ للمعاناة التي تكبَّدها الشعب الفلسطيني منذ عام 1948 حتى اليوم. وهو ما يُعتبر تطبيعاً وتعاوناً مع الاحتلال على صياغة مشروعه الاستيطاني ومساعدته على توكيد أحقّيته في الوجود على أرض فلسطين، بوصفها "أرض الميعاد" كما يدَّعون. فمصير هذه الأشجار بعد بيعها هو زراعتها في الأماكن العامة والطرقات، وأمام الوزارات والمستوطنات.

 
يعتبر بعض التجّار بيع الزيتون للاحتلال مكسباً كبيراً، وكأنَّ المال أو أي شيءٍ آخر سيعوِّض الفلسطيني عن هويته المسروقة. بعضهم يقول إنَّ العجز الاقتصادي هو ما يدفعهم إلى بيعه

"سُرقت أشجاري وبيعت إلى أحد المستوطنين"

بعد أن ازدادت عمليات سرقة الزيتون الرومي وبيعه للاحتلال في الآونة الأخيرة، أصبحت القيود مشدَّدة على عمليات بيعه ونقله من مكانٍ لآخرٍ حتى على النطاق الضيِّق داخل الضفة الغربية. لكنَّ المشكلة الأساسية لهذه القوانين بالنسبة إلى المزارعين هي محدوديتها، وضعفها، وسهولة اجتيازها كونها تتعلَّق بالعقوبات المالية فقط، أو الحبس لعدة أشهر في حالاتٍ خاصة. وهناك قضايا وإبلاغات سرقة تظلّ ضدَّ مجهول ولا يُعرف السارق فيها أبداً. وهذا ما أكَّد عليه أحد المزارعين في حديثه مع رصيف22.

يقول المزارع مراد أبو غان: "تمَّ سرقة حوالي 5 أشجار زيتون رومي من أرضي، قبل عدة أشهر، وهذه ليست المرة الأولى التي أتعرَّض فيها للسرقة، قدَّمت بلاغات رسمية إلى وزارة الزراعة وسلطة الآثار، لكننا عجزنا عن الوصول إلى الفاعل. أرضي بعيدة عن قطعان المستوطنين وأرجِّح أنَّ أشجاري تمَّ سرقتها وبيعها إلى أحد المستوطنين. الجهات المختصّة تقدم المساعدة ولكن بشكل محدود، حتى حالات ضبط السرقات والقطع تكون المخالفات فيها مقتصرة على الغرامات المالية. أعتقد أنَّ هذا الإجراء لا يشكِّل رادعاً كافياً أمام التجار والسارقين، أن تدفع مبلغاً قليلاً كمخالفة مقابل حصولك على مبالغ مضاعفة من البيع يجعل فكرة التجارة مقبولة بالنسبة إلى التاجر، وخسائرها قليلة أو بالكاد تذكر".

كما يقول السائق محمد إغبارية (36 عاماً) لرصيف22: "في بداية عملي في مجال النقل على الجرافة، قمت بنقل شجرة زيتون رومي من فقّوعة إلى جنين. وهي عملية نقل عادية قمت بها لصالح شخص أعرفه وليست تجارةً لصالح الاحتلال، حين وصلت إلى مدخل المدينة وجدت الشرطة وشرطة الآثار قد نصبوا لي حاجزاً وينتظرونني هناك، أوقفوني وطلبوا مني أوراقي الرسمية ثمَّ سألوني عن سبب نقلي لشجرة الزيتون، وإن كان بحوزتي تصريح أم لا. لم أكن على درايةٍ بقضيّة التصاريح لأنني كنتُ جديداً في هذا المجال، أعطوني ورقة مخالفة وذهبت إلى المحكمة لكنني لم أدفع شيئاً؛ فقد أخذوا جهلي بالتصاريح بعين الاعتبار. وإن كانت المخالفة تصل إلى آلاف الشواقل على عمليات النقل هذه دون وجود أوراق رسميّة. ومنذ ذلك الوقت تعلَّمت ألا أنقل أشجار الزيتون الرومي دون تصريح من وزارة الزراعة أوالشرطة".

في السياق ذاته، أكَّدت الضابطة الجمركية أنَّ مساهمتها المحدودة في ضبط هؤلاء التجار، لم تقف عائقاً أمام مهمّتها كجهة إنفاذ للقانون. فكانت تضبط التجار الذين يبيعون الزيتون للمستوطنين وتقوم بتحويلهم إلى الجهات المختصة لمساءلتهم. علماً بأنَّها على اتصال مباشر بوزارة الزراعة، وكل عملية نقل أو قطع لهذه الأشجار تتمّ بعد موافقتهم وتصريحهم. وهذا يختلف عن القطع المنظَّم الذي تقوم به وزارة الزراعة، للحفاظ على الحراش فتقوم بقطع حوالي 300 إلى 500 شجرة بشكل موسمي. وغالبيتها تكون مصابة بالأمراض أو جافة وغير قابلة للاستصلاح. 

من يدعم المزارع؟

بحسب وكالة وفا للمعلومات، نشرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان تقريراً رصدت فيه ما يزيد عن 419 اعتداء للمستعمرين خلال النصف الأول من عام 2020، ليشهد بذلك ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الاعتداءات، حيث نجم عنها إصابة 78 مواطناً فلسطينياً، كذلك إلحاق الضرر ب 1100 دونم من أراضي المواطنين الفلسطينيين، وحرق وقلع ما يزيد عن 3000 شجرة. وتركزت هذه الاعتداءات بشكل مكثَّف في محافظات القدس، ونابلس، والخليل، اللواتي شهدن ما يزيد عن %60 من مجمل اعتداءات المستعمرين.

وفي حديثه عن آلية دعم هيئة مقاومة الجدار والاستيطان للمزارعين وأصحاب أشجار الزيتون الرومي، يقول: "نساعد المزارعين في حماية الأراضي وتسييجها، ودعم شؤون المزارعين بكافة أشكالها ليظلوا في أراضيهم. نقوم بمدّهم بالإمكانيات اللازمة من أدوات وآلات حراثة تساعدهم على الاعتناء بأراضيهم وزرعها. وهناك بعض المناطق والقرى نزوِّدها بغرف زراعية"، ويضيف: "هذه المساعدات جميعها تصبّ في صالح المواطن باعتباره مزارعاً من جهة، ومواطناً فلسطينياً يتعرَّض لمضايقات احتلالية مستمرّة لمصادرة أرضه وضمها للمستوطنات من جهةٍ أخرى. طبعاً هناك أراض يحاول الاحتلال سرقتها وتسويرها أو اقتلاع ما فيها من أشجار، وهنا يأتي دورنا كهيئة في اللجوء إلى القانون أو تنظيم الحملات المساندة سواء من جهتنا أو بدعم من المؤسسات الخارجية التي تعنى بالشؤون الفلسطينية، ونلجأ إلى المقاومة الشعبية كحلّ أخير في حال فشل ما سبق من آليات مقاومة".

فلسطينيّون يتاجرون بتراثهم

يقول عنان عابد من شرطة الآثار والسياحة لرصيف22: "نحن كمسؤولين عن حماية الآثار في فلسطين نعتبر الزيتون الرومي جزءاً لا يتجزأ من الهوية الفلسطينية والتاريخ، ونمنع منعاً باتاً أيّ محاولة لقلعه أو نقله من مكان إلى آخر، إلا بتصريح منا أو من وزارة الزراعة. طبعاً هذا على صعيد النقل العادي بمعنى إذا كان الناقل فلسطينياً يرغب في نقل شجرته إلى أرض أخرى. ويُخالف كل من لا نجد بحوزته تصريحاً. أما على صعيد بيع هذه الشجرة للمستوطنين والإسرائيليين وهي تجارة انتشرت مؤخراً؛ نظراً للمبالغ الكبيرة التي يدفعها الاحتلال مقابل الحصول على الأشجار الرومية، فإن العقوبة تختلف باختلاف الكمية المباعة وعدد المرات التي قام بالبيع لليهود فيها، وتفاصيل أخرى. لذا نحن نمنع بشكل مطلق أيّ بيع لهذه الأشجار من قبل الفلسطينيين لليهود. لأن اليهود حين يشترون الزيتون يعتبرونه إرثاً لهم، يزرعونه أمام بيوتهم ومستوطناتهم ليؤكدوا أنَّ قِدم بيوتهم من قِدَم هذه الأشجار".


نحن نعتبرها سرقة، ولا أقصد هنا الجانب الإسرائيلي الذي اعتدنا على سرقته لتراثنا وهويتنا، بل أقصد الفلسطيني التاجر الذي يبيع الزيتون لهم، ويتاجر بتراثنا

يعقِّب عابد: "نحن نعتبرها سرقة، ولا أقصد هنا الجانب الإسرائيلي الذي اعتدنا على سرقته لتراثنا وهويتنا، بل أقصد الفلسطيني التاجر الذي يبيع الزيتون لهم، ويتاجر بتراثنا. في هذه الحالة نحن نلتزم بإجراء عقوبات رادعة ونُحاكم التاجر إذا ثبتت إدانته. لا يوجد أيّ مبرر يمكن استغلاله لبيع الزيتون للاحتلال، ولا نتفهَّم أبداً أسباب رواج هذه التجارة. لدينا علم بأنَّ سعر الشجرة الواحدة المُباعة للاحتلال حوالي 7000 دولار. في الضفة الغربية تُباع للفلسطينيين بـ3000 آلاف شيكل (حوالي 900 دولار) أو أكثر. لهذا يعتبر بعض التجّار بيع الزيتون للاحتلال مكسباً كبيراً، وكأنَّ المال أو أي شيءٍ آخر سيعوِّض الفلسطيني عن هويته المسروقة. بعضهم يقول أنَّ العجز الاقتصادي هو ما يدفعهم إلى بيعه، لكنَّ الزيتون بحدّ ذاته يعتبر مكسباً اقتصادياً يمكن بيع زيته، وإنتاج الرصيص منه.

ويتابع: "أذكر إبلاغاً وصلنا في منطقة قباطية العام الفائت، أنَّ هناك أرضاً مليئة بأشجار الزيتون الرومي تمَّت سرقتها. وما حدث بالضبط هو أنَّ صاحب الأرض أبلغنا بهذه السرقة، فتوجهنا إلى المنطقة وكشفنا عليها، وجدنا العديد من الفجوات في الأرض، والتي تدل على اقتلاع مجموعة من الأشجار. لم نعثر على الفاعل في البداية. تبيَّن لاحقاً أنَّه تاجر تسلَّل إلى أرض الرجل ليلاً وقام بسرقة أشجاره وبيعها ليهودي في الداخل المحتل. أعلمنا وزارة السياحة وتابعنا الموضوع حتى عثرنا على التاجر وقمنا باعتقاله وتحويله إلى المحكمة". فهذا الإرث مدعاة للفخر، وأثمن من أن يُباع. كما يقول عابد: "بعض المناطق والقرى تشتهر بوجود كميات كبيرة من الزيتون الرومي فيها، مما يجعلها مزاراً للسيّاح، والباحثين، والمصوِّرين. كما تقام الاحتفالات والمسارات البيئية في أوقات مختلفة من العام إلى هذه المناطق.

وبحسب المادة رقم (27) من مواد حماية التراث المنقول: يحظر على أي شخص القيام بأي فعل من الأفعال الآتية: حيازة تراث منقول بشكل غير مشروع. تزوير التراث المنقول. تدمير أو إتلاف أو تشويه أي تراث منقول. الإتجار أو ممارسة الأعمال التجارية بالتراث المنقول، بما في ذلك التراث الأجنبي. تهريب التراث المنقول إلى خارج الدولة أو الاشتراك بأي أعمال تؤدي إلى ذلك. القيام بأي عمل يؤدي إلى فقدان التراث المنقول لأهميته التي قيد من أجلها. واعتبرت ذلك كلّه تحت طائلة القانون والمسؤولية.

على الرغمِ من المحاولات التي لا تنتهي من قِبَل الاحتلال، بهدفِ سرقة الهوية الفلسطينية وشرذمتها، إلى الحدّ الذي جعلهم يلاحقون آثار وتاريخ وجود حضارةٍ كاملةٍ مرَّت على أرض كنعان قبل آلاف السنين، علَّهم يجدون العزاء في الزيتون الروميّ، وفي حضارةٍ زالت، فوق أرضٍ ليست لهم. إلا أنّه يبدو أن الفلسطينيّ سيظل يقاوم أيّ محاولةٍ للسرقة أو التطبيع، حتى لو كان هذا السارق ابن مدينته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard