"التكنولوجيا منحتنا قوة تأثيرية على محيطنا"... كيف يساعد الابتكار في تحقيق "حياة أفضل"؟

الأربعاء 20 أكتوبر 202112:26 م
Read in English:

“Technology gives us the power to influence our surroundings”... How Innovation Leads to a Better Life

في فلسطين، تعاني نسبة كبيرة من السكان من تدهور وضع صحتها النفسية. الأسباب كثيرة ومن السهل توقّعها. ولكن هناك مشكلة مضاعفة تعاني منها الفلسطينيات، "فعلى الرغم من أنهنّ معرّضات للاضطرابات النفسية أكثر من الرجال بنسبة تقارب الضعف، يتوجّهن لتلقّي الخدمات العلاجية أقل بكثير من المتوقع والمفروض".

هذا الواقع تظهره البيانات الموجودة في العيادات النفسية والتي تفيد بأن ثلثي المراجعين هم من الرجال، وهذا دليل على وجود عقبات تمنع وصول النساء إلى الخدمات العلاجية. دليل آخر على المشكلة يتمثّل في تصريح بعض النساء بأنهن يضطررن إلى الهروب من الزوج لتلقّي العلاج أو بأن الزوج يتدخل ويمنع عنهنّ بعض الأدوية.

"حاكيني"... مساعدة نفسية أونلاين

من هنا تأتي أهمية الحلول المبتكرة للمشاكل والتي تقدّمها مشاريع مثل منصة "حاكيني" HAKINI الإلكترونية، والتي تهدف إلى زيادة إتاحة خدمات الصحة النفسية من خلال ربط المنتفعين بأخصائيين نفسيين حسب حاجتهم، وتوفير "جلسات علاجية أونلاين" لهم، علاوة على خدمات الإرشاد للمساعدة الذاتية.

الواقع المذكور تشرحه لرصيف22 سندس مليطات، صاحبة فكرة المنصة والشريكة المؤسسة والمديرة التنفيذية لـ"حاكيني". تتحدث عن استهداف المنصة للنساء لأنهنّ "الأكثر تضرراً"، وهو ما انعكس في الأرقام، فـ75% من مستخدمي المنصة من النساء.

ولكن المنصة ليست مخصصة فقط للنساء، بل نبعت فكرتها من واقع قلة إتاحة خدمات الصحة النفسية للمواطنين في فلسطين، حيث لكل 100 ألف شخص يوجد 0.41 طبيب نفسي فقط، في تخلف كبير عن المتوسط العالمي البالغ 1.3 طبيباً نفسياً لكل 100 ألف شخص.

مشاكل كثيرة تعيق استفادة الفلسطينيين من خدمات الصحة النفسية، تبدأ من صعوبة وصول الأشخاص إلى الطبيب أو الأخصائي الملائم لحاجتهم، وتصل إلى ارتفاع تكلفة العلاج النفسي على المدى الطويل وعدم كفاءته على المدى القصير، مروراً بوصمة العار المرتبطة بطلب المساعدة الطبية النفسية وعدم احترام الخصوصية وقوائم الانتظار الطويلة.

تقول مليطات: "حاكيني أول منصة في العالم العربي تعمل على توفير خدمة المساعدة الذاتية، إذ توفّر عدة تمارين ونصائح للمنتفعين، من خلال خدمة الإرشاد للمساعدة الذاتية التي تساعد الشخص في أن يكون أخصائيَّ نفسه، وذلك عن طريق مواد تفاعلية تستند إلى مبادئ العلاج السلوكي المعرفي، وبسعر مناسب".

توفر المنصة لمستخدماتها الدعم النفسي "في أي وقت" و"بشكل دائم" و"على المدى الطويل" عن طريق عدة أطر بينها "جلسات أونلاين مع أخصائيين مرخّصين ذوي كفاءة" وذلك وفق حاجة مستخدمات المنصة التي تتحدد بعد إجابتهنّ على بضعة أسئلة لتقييم وضعهنّ النفسي بشكل أوّلي.

وتوضح مليطات أن المنصة تقترح على كل سيدة ثلاثة أخصائيين/أخصائيات لتختار من بينهم وتحجز جلسةً معه/ا.

من مزايا المنصة أيضاً عملها على تبسيط المحتوى الطبي، إذ تنشر، والحديث لمليطات، محتوى متخصصاً على موقعها الإلكتروني وحساباتها على السوشال ميديا، بطريقة مبسطة ومناسبة للثقافة العربية، لتكون أكثر قدرة على رفع الوعي بمواضيع الصحة النفسية.

تمكين الناجيات من العنف الأسري اقتصادياً؛ إتاحة خدمات الصحة النفسية أونلاين؛ دمج ذوي الإعاقة في المجتمع… كيف يمكن للابتكار أن يساعد على رفع جودة الحياة؟

ويساعد على استمرارية المشروع وديمومته أن خدمات المنصة "مدفوعة"، لكنها توفر في الوقت ذاته فرصة "Sponsorship"، إذ يستطيع شخص أو أشخاص دفع ثمن الخدمة عن شخص آخر غير قادر على تأمين المقابل.

منذ انطلاقها قبل عام ونصف العام تقريباً، خدمت المنصة "آلاف المنتفعين" وأضافت "500 وحدة محتوى، وصلت إلى مليون ونصف المليون شخص".

"التمكين الاقتصادي للناجيات من العنف الأسري"

في مصر، تتعرّض نحو 35% من النساء سنوياً للعنف الأسري، وفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية. حوادث قتل النساء على أيدي رجال الأسرة منتشرة وارتفعت في ظل جائحة كورونا، في فترة الحجر الصحي وبقاء المواطنين وقتاً أطول في المنازل. علاوة على ذلك، زادت الأعباء المادية على كاهل المرأة، وترافق ذلك مع زيادة في المشكلات النفسية والاجتماعية والجسدية التي تواجهها.

من هنا، أعدّ "مجلس الشباب المصري"، وهو منظمة شبابية غير هادفة للربح تسعى لأن تكون حاضنة لجميع الشباب المصري، مشروع "التمكين الاقتصادي للناجيات من العنف الأسري".

عن المشروع، تقول مديرة وحدة البحوث في المجلس مي عجلان لرصيف22: "يعمل على إعادة دمج الناجيات من العنف الأسري داخل المجتمع وتمكينهن اقتصادياً عبر تدريبهن على حرف مهنية منزلية، مثل السباكة والنجارة والنقاشة وتصليح الأجهزة المنزلية، وتسويق عملهن من خلال تطبيق إلكتروني يوضح خريطة المكان الذي تتواجدن فيه".

وتوضح أن من مهام المشروع أيضاً "التشبيك" بين الجهات الحكومية والخاصة والمجتمع المدني بهدف "توفير سكن مناسب يكون بمثابة مدرسة مهنية داخلية لتأهيل الناجية نفسياً وبدنياً ومهنياً"، مشيرة إلى وجود "سابقة عمل وشراكة" مع بعض تلك الجهات، بما يجعلهم "يضمنون" تجاوبها وتعاونها معهم لتحقيق أهداف المشروع وضمان تنفيذه.

لا يقتصر دور المشروع عند هذا الحد، وإنما يتابع الناجية حتى تصل إلى "الاستقلالية المادية"، وتجد السكن المناسب، على أن تعود مدرِّبةً في مهنتها للناجيات الجدد اللواتي سيشغلن مكانها. وتشرح عجلان أن بلوغ الناجية "بداية حياة كريمة مستقرة" هو الهدف العريض، وهي عملية "ستتم بالتعاون مع جمعيات شريكة".

ويعتزم المشروع تطوير تطبيق للهاتف هدفه التعريف بأماكن تواجد الناجيات والمهن التي يحترفنها. تقول: "سيكون بمثابة مركز صيانة للحرف المنزلية، تكون جميع الحرفيات فيه من الناجيات من العنف الأسري عقب تأهيلهن على مختلف الأصعدة. وتُطلب عبره الخدمة بالحجز بواسطة خريطة الموقع لضمان الأمان للناجيات أثناء عملهن".

منذ عام 2016، يعمل مجلس الشباب المصري على ملف التمكين الاقتصادي للمرأة المعيلة واللاجئة، لكن جهوده لتمكين الناجيات والمعنفات مالياً لم تبدأ إلا في الآونة الأخيرة، في ظل زيادة ضحايا العنف الأسري من الإناث خلال مرحلة الحجر.

ومما يميز مشروع المجلس الجديد هو "الاستدامة"، إذ يوفّر فرصة تعلم وممارسة الحرف المهنية لأفراد الفئة المستهدفة، بالتزامن مع تأهيلهنّ نفسياً وجسدياً واجتماعياً، بل وإعدادهنّ ليصبحن "مدربات خبيرات" في مهنهن، كما أن وجود تطبيق يسهل الوصول إليهنّ وتقييم عملهن، سيساعد في ضمان حياة كريمة لهنّ.

"الأردن المهيأ"

يمثل ذوو وذوات الإعاقة في الأردن 11.2% من مجمل سكان المملكة ممن تراوح أعمارهم من خمس سنوات فأكثر، لكن حقوقهم منقوصة والنظرة إليهم نمطية وجائرة في أغلب الأحيان، والإنفاق الحكومي على الخدمات التي يحتاجون إليها ضعيف، والمؤسسات المعنية بشؤونهم قليلة.

هذا الواقع هو ما دفع إلى تأسيس شركة "الأردن المهيأ" أو ACCESSIBLE JORDAN، وتسعى إلى دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع بعدة سبل، من بينها تقديم الاستشارات والإشراف على تنفيذ مشاريع إنشائية تراعي الأسس والمعايير الدولية وتساعد على إشراك ذوي الإعاقة في الحياة العامة، وتنفيذ برامج تدريبية للتوعية بكيفية التعامل مع ذوي الإعاقة ودمجهم في المجتمع.

تقول الرئيسة التنفيذية للشركة حِكم قسوس لرصيف22 إن هدف مشروع "الأردن المهيأ" الأكبر هو "الوصول إلى مجتمع منتج ودامج تغيب فيه النظرة السلبية لفئة ذوي الإعامة من بعض أفراد المجتمع".

حالياً، تقدّم الشركة توعية متخصصة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتركز على المصطلحات الصحية و"إتيكيت التعامل الصحيح" مع ذوي الإعاقة، وتنظّم دورات تدريبية لطلاب المدارس.

علاوة على ما سبق، قامت الشركة التي تأسست عام 2017 على أيدي الناشطة آية آغابي، بتطوير تطبيق لتوضيح الأماكن المهيأة لاستقبال ذوي الإعاقة في الأردن، كما ساهمت في تنفيذ أكثر من 15 مشروعاً إنشائياً، وزودت أكثر من 20 جهة في الأردن بخدمات استشارية وتدريبية، وساهمت عبر موقعها الإلكتروني وتطبيقها في تصنيف وتقييم التهيئة البيئية لأكثر من 33 ألف موقع.

"الأردن المهيأ" و"حاكيني" في فلسطين، "التمكين الاقتصادي للناجيات من العنف الأسري" في مصر... مشاريع توظّف الابتكار من أجل الوصول إلى "حياة أفضل"

الابتكار في مجال جودة الحياة

"حاكيني" و"الأردن المهيأ" و"التمكين الاقتصادي للناجيات من العنف الأسري" هي من ضمن 25 مشروعاً وصلت إلى المرحلة النهائية من مسابقة مشروع iValues، وهو مشروع تطلقه للمرة الأولى مؤسسة "فريدريش ناومان من أجل الحرية" الألمانية وهدفه "إعادة التفكير في السياسة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا"، بالتعاون مع معهد الابتكار في السياسة في ألمانيا، وذلك من أصل 280 مشروعاً تقدّمت للمسابقة.

تتوزّع المشاريع الـ25 المتنافسة على خمس مجالات: "الديمقراطية والمجتمع"، "الاقتصاد وفرص العمل"، "حقوق الإنسان"، "جودة الحياة" و"التنمية الإقليمية". عن كل فئة يفوز مشروع ويحصل فريقه على دعم يتحدد وفق الاحتياجات، مع إمكانية تقديم تدريب لفريق العمل، بحسب الحاجة أيضاً.

علاوة على هذه المشاريع الثلاثة، يتنافس مشروعان آخران ضمن فئة الابتكار في مجال جودة الحياة، هما: "MARTHA EDU" وهو مشروع لتعليم الأطفال الصم في الأردن، هدفه معالجة أزمة تفشي الأمية في أوساط هذه الفئة والتي تصل إلى 80%، و"SPICA TECH" وهي أكاديمية في لبنان لتعليم الأطفال والمراهقين إنتاج ألعاب الفيديو، كحافز لتعليمهم البرمجة، ومختبر لمساعدة مصممي الألعاب والمطورين على إنتاج ونشر ألعابهم.

هذه السنة، سيُعلَن عن المشاريع الفائزة خلال احتفال تستضيفه العاصمة الأردنية عمّان، في 26 تشرين الأول/ أكتوبر.

تقول المديرة الإستراتيجية الإقليمية في مؤسسة فريدريش ناومان لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يارا الأسمر لرصيف22، إن مسابقة iValues-2021 هي بمثابة مبادرة لتقريب وجهات النظر بين المبتكرين في المنطقة وواضعي السياسات العامة، مشيرةً على أن "المنطقة بحاجة ماسة إلى تحديث في مقاربة السياسات العامة والعمل الديمقراطي".

"من خلال التكنولوجيا المتاحة، أصبحت لدينا قوة تأثيرية على ما يحيط بنا لتحسين جودة الحياة".

وتشرح أن هنالك ثلاثة معايير لتقييم المبادرات/ المشاريع المرشحة لاختيار الأفضل وهي "توفر الابتكار وقابلية المشروع للتطبيق على أرض الواقع، ومدى إفادته للمجتمع وقدرته على تحسين أوضاع الناس، واستدامة المشروع".

من جانبه، يشدد مدير المكتب الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لمؤسسة فريدريش ناومان ديرك كونتسه على أن "الابتكار في حد ذاته، شيء لا يمكن للفرد أن يحققه بمفرده. قال أحد الحكماء ذات مرة: يمكنك أن تخترع وحدك ولكن لا يمكنك أن تبتكر وحدك. فالابتكار هو جهد جماعي لإحداث التغيير، بمعنى فهم تحديات الآخر والتعاون مع بعضنا البعض"، مضيفاً لرصيف22 أنه "يمكن رؤية هذا من خلال المشاريع المقدمة: كلها وُضِعت إما نتيجة لعملية إبداعية مجتمعية أو تعالج قضايا في المجتمع تؤثر على الكثير من الناس".

وعن أهمية الابتكار في تعزيز جودة الحياة، تقول الأسمر: "من خلال التكنولوجيا المتاحة، أصبحت لدينا قوة تأثيرية على ما يحيط بنا لتحسين جودة الحياة. على سبيل المثال، ساهمت جائحة كورونا في تطوير مقاربتنا للتكنولوجيا والابتكار وتأثيرهما على تطوير الأنظمة التعليمية والنظام الصحي ووسائل التواصل والنقل".

في حال فاز مشروع "مجلس الشباب المصري"، تقول عجلان إنهم سيشرعون في تطوير التطبيق المقترح على الفور، لضمان استمرارية المشروع وسهولة الوصول إلى الناجيات الحرفيات، بالإضافة إلى تنظيم جلسات دعم نفسي وتجهيز مكان للتأهيل النفسي للناجيات ضمن مساعي دمجهن في المجتمع.

ويشير القائمون على "حاكيني" إلى أن أي دعم سيحصلون عليه "سيساعد في توفير خدماتنا لعدد أكبر من النساء الفلسطينيات من خلال تخصيص جلسات استشارية وإثراء المنصة بمحتوى معلوماتي يشمل كل ما يتعلق بموضوع الصحة النفسية وكيفية الحفاظ عليها وتحسينها"، بحسب مليطات.

ولا تستبعد مليطات توسيع جهود المنصة لتطالب بتحسين السياسات والقوانين التي تخص الصحة النفسية، وتدشين حملات للحد من الوصمة وزيادة الوعي بكل ما يخص خدمات الصحة النفسية.

أما قسوس، فتقول إن دعم مشروع "الأردن المهيأ" سيساعده على التوسّع، بما يمكّنه من زيادة الوعي بالتحديات التي يواجهها ذوو الإعاقة في البلاد، عبر حملات توعوية وكشف الصور النمطية المتصلة بالإعاقة، وتطوير برنامج تدريبي مختص لزرع ثقافة التقبل لدى الأطفال وتنفيذه في جميع مدارس المملكة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard