"كان يا ما كان"... أن نحوّل حكايات الأطفال قبل النوم إلى العامية

الثلاثاء 19 أكتوبر 202103:40 م

في زمان ليس ببعيد، كنت أغفو على صوت أمي، ومن قبلها جدتي، وهي تحكي لي حكايات مسجوعة، بلغتها البسيطة، عن ست الحسن والجمال، وعن بير زويلة، وألف ليلة وليلة. تبدأ بـ"كان ياما كان، في سالف العصر والأوان"، مفتتِحةً عالماً من الأحلام والحكي والخيال، صحبني إلى يومنا هذا مع أطفالي الصغار.

وفي رحلتي مع أطفالي، بحثت كثيراً عن كتب للأطفال، فيها نصوص باللهجة العامية، فأغلب الكتب المعروفة والمنشورة للأطفال، باللغة العربية الفصحى، مما كان يضطرني إلى إعادة صياغة النصوص، وقراءتها مرة أخرى بلهجتنا العامية البسيطة، لكي أنقل لهم متعة الحكايات، وخيال الحكي.

مؤخراً، اتخذت الكتابة باللهجة العامية طريقاً حذراً نحو كتب الأطفال، بعدما كاد يختفي طقس حكي قصص ما قبل النوم. كيف يؤثر ذلك على علاقة الطفل بالكتاب؟ وما هي أهمية الكتابة باللهجة العامية، أو المحلية، للأطفال في العالم العربي؟ وهل تؤثر على هوية الطفل العربية؟

توتة توتة... نبدأ الحدوتة

إحدى أهم المبادرات للكتابة والقراءة للطفل، باللهجة العامية المصرية، وأولاها، هي مبادرة توتة توتة..Tuta Tuta، التي أُطلقت على يد دكتورة الاقتصاد ريهام شندي، ولها في مجال أدب الطفل دراسة علمية تحت عنوان "حدود القراءة للأطفال الصغار باللغة العربية الفصحى: المعاناة الصامتة بسبب الازدواجية اللغوية"، ونشرت بشكل ذاتي ثلاثة كتب للأطفال باللهجة المصرية: "كان ياما كان... حواديت عالمية بالمصرية"، و"زيزي وعيد ميلادها"، و"كوكو وقشرته".

تحدّثنا ريهام عن أهمية الكتابة باللغة العامية للأطفال، قائلةً: "هناك نوعان من كتب الأطفال. كتب تُقرأ لتعلّم اللغة، وكتب تُقرأ للاستمتاع مع الطفل، وتحفيزه على التعبير عن نفسه، ومشاعره، وفي علم اللسانيات، أو اللغويات، فإن اللغة العامية تختلف عن الفصحى، وعندما نقرأ مع الطفل منذ سنواته الأولى، وفي كثير من التوصيات العالمية منذ كونه جنيناً في رحم الأم، فإننا يجب أن نقرأ له باللغة العامية المفهومة التي نتحدث بها حوله، وليس بالفصحى التي تشكّل في هذه المرحلة عائقاً بين الطفل، وبين الاستمتاع بالقراءة والحكي".

تضيف المتحدثة: "أؤكد أننا لا ننفي أهمية اللغة العربية الفصحى في سنوات المدرسة، للأطفال الكبار، وعندما نتحدث عن الهوية العربية، فإنها بالتأكيد لا ولن تتأثر بالكتابة للطفل بالعامية، فالعامية في النهاية هي لغة عربية مشتقة من اللغة الأم، وليست لغة أجنبية تمحو هوية الطفل، وانتماءه. يحتاج الطفل من خمس إلى سبع سنوات، إلى تعلم اللغة، وإتقانها، ويشمل ذلك اللغة العربية الفصحى، لذا عند القراءة للطفل في مرحلة ما قبل المدرسة باللغة الفصحى فحسب، فإننا نحرم الطفل من متعة الحكايات، لأن الأطفال لا يتمكنون من فهمها، فتُقرأ لهم إما بصورتها الأصلية مع الاكتفاء بالشرح من قبل الوالدَين، أو بإعادة صياغتها لحظة القراءة إلى العامية، وهو ما يأخذ وقتاً وجهداً من الجميع، ويشتّتهم، وهذا ما ينقلنا إلى سبب عزوف الأطفال عن الاستماع إلى حكايات ما قبل النوم، وشعورهم بالملل سريعاً".

"يوصى بالقراءة للطفل باللغة العامية المحلية في سنوات الطفولة الأولى، لتمكّنه من فهم العالم، ولتعلّم النطق والتعبير عن مشاعره بطلاقة، بينما يوصى بالقراءة باللغة العربية الفصحى في مرحلة لاحقة، أي في سن المدرسة، جنباً إلى جنب اللغة العامية"

في هذا السياق، تقول إيمان، وهي أم لطفلتين: "عندما أقرأ لأطفالي بالفصحى، يتساءلون عن كل كلمة، ويُفقِدهم ذلك الاندماج مع أحداث القصة. وبعد فترة، أصبح وقت القراءة غير محبب لهم، حتى جاءت لي فكرة أن أترجم لهم بالعامية مباشرةً، وبالفعل لاحظت استمتاعهم، ومناقشتهم معي في الأحداث، وإعادة سرد القصة بطريقتهم الخاصة".

العامية قبل سن السابعة

نستكمل الحديث مع كاتبة الأطفال والرسامة المصرية رانية حسين الأمين، ومن أشهر كتبها سلسلة كتب "فرحانة"، التي تساعد الوالدَين في رحلة تربية أطفالهم عن طريق الحكايات، بينما أصدرت كتابين بالعامية لليافعين بعنوان "بره الدايرة"، و"القناع"، ولقيا نجاحاً كبيراً، ما يؤكد على أن الكتابة باللهجة العامية تصلح لجميع الأعمار، بل هي ضرورة في كتابات الأطفال.

تقول رانية: "حتى يحصل الطفل على فوائد القراءة، يجب أن يحبّ الكتاب الذي يُقرأ له، بل فعل القراءة نفسه، ولن يحدث ذلك مع كتاب لا يفهم الطفل لغته بوضوح، في سنواته الأولى وحتى السبع سنوات، لذلك فإنني أؤيد وبشدة أن تكون كتب الأطفال في سن ما قبل المدرسة، مكتوبةً باللهجة العامية، التي تخلق جواً حميمياً بين الطفل والكتاب، في وقت القراءة. بعد ذلك، يمكننا تقديم الكتب باللغة الفصحى للأطفال، بل في رأيي الشخصي فإننا يمكن أن نبدأ بتقديم الكتب باللغة الفصحى البسيطة للأطفال، بدءاً من سن السبع سنوات، إذ نكون حينها قد خلقنا صلة ورابطاً قوياً بين الطفل والكتاب، وتالياً لن يجد الطفل غرابة في القراءة باللغة التي يدرس بها في المدرسة، بالإضافة إلى محبته للقراءة بشكل عام، والتي بُنيت في سنواته الأولى باللهجة العامية".

أما عن فوائد القراءة باللهجة العامية للأطفال، فلا حصر لها، وفق المتحدثة، فهي تبدأ من تحفيز الطفل على الكلام والنطق مبكراً، وتنمية مهارة التركيز، والانتباه، والاستمتاع، وتقليل فرط الحركة، والتحكم جيداً بالمشاعر عبر التعرف إليها، والتعبير عنها بطلاقة.

مؤخراً، اتخذت الكتابة باللهجة العامية طريقاً حذراً نحو كتب الأطفال، بعدما كاد يختفي طقس حكي قصص ما قبل النوم.

ذلك بالإضافة إلى تحسين القدرات العقلية والإدراك لدى الأطفال، وتنمية حس الخيال والإبداع، والتفكير في طرق مميزة لحل المشكلات التي تواجه أبطال الحواديت، ومساعدة الأطفال على تنمية قدراتهم الاجتماعية، مثل المشاركة، والتعاطف، والتغلب على الخجل، والثقة بالنفس.

وتضيف رانية: "جرّب أن تحكي لطفلك القصة نفسها باللهجة العامية مرّةً، وباللهجة الفصحى مرةً أخرى... وانظر إليه، وستلاحظ في أيهما ستلمع عيناه، وينتبه بكامل ذهنه، ويتفاعل تماماً مع الحكاية. حينها فقط ستعلم أنه فك شفرة اللغة، وبدأ عقله بالنمو والاستيعاب".

وتقول نادين، وهي أم لطفلة بعمر سبع سنوات: "كنت متخوفةً من القراءة باللهجة العامية لطفلتي، لكنها اكتسبت عباراتٍ وطرقاً للتعبير عن نفسها، بشكلٍ أفضل، كما صارت تتقن الكتابة والحكي باللغة العربية، والإنكليزية، في المدرسة على حد سواء، ولم تؤثر القراءة لها بالعامية على قدرتها على تعلم الفصحى".

قُصص... مشروع حكايات للأطفال باللهجة المحلية

لا يقتصر الاتجاه بالكتابة باللغة العامية المحلية على مصر فحسب، بل نجد هذا التوجه في الكثير من الدول العربية، مثل لبنان وسوريا وفلسطين، ومن هنا أطلقت ريم مخول الصحافية الفلسطينية، وكاتبة الأطفال، وزوجها ستيفن فارل، وهو صحافي بريطاني، في عام 2015، مشروع قصص للأطفال، باللهجات العربية المحلية.

تقول ريم: "أنا أم لطفلتين صغيرتين، شهرزاد ونيروز. عندما بدأت مع زوجي بالقراءة لطفلتينا، أردنا أن نقرأ باللهجة التي يسمعونها، ويتحدثون بها معنا كل يوم، العربية العاميّة، لكن لم يكن سهلاً أبداً أن نجد ذلك في الغربة. فقررنا أن نكتب قصصنا بأنفسنا، وأطلقت مبادرة قصص بأول قصة: ‘البِنْت اللِّي ضَيَّعَت خَيالْها’، باللهجة الشامية، ثم قصة ‘وين بدي أتخبى’".

تستكمل ريم: "العالم تغيّر الآن، والانفتاح في التواصل جعلنا نتعرف على لغات بعضنا البعض، ونتحدث باللهجات المحلية بطلاقة، وبالنسبة إلى أطفال المهجر، فالأمر معقّد أكثر، حيث ازدواجية اللغة، فقررت أن أكتب لطفلتيّ ما أحب أن تقرآه بلغتنا المحلية الشامية، وبالطبع توقعت أن يكون الأمر محبطاً، ولا يناسب توجهات الجميع، ولكن إذا كان جمهوري طفلتيّ فقط، فهو أيضاً كافٍ".

ما حدث بعد ذلك، هو ما فاجأ ريم، فقد انتشرت الكتب بشكل ملحوظ بين الأسر العربية على اختلاف أصولها، في الدول الغربية. "الجميع كانوا متعطشين، ويبحثون مثلي عن كتاب أطفال بلهجة محلية يفهمها الطفل، مثل التي يتحدث بها في منزله، ويتعرف بها إلى عالمه وأصله، ويبدأ معها طريقه لحب القراءة".

"مشروع قُصَصْ يهدف أيضاً إلى اندماج الأطفال العرب مع محيطهم، والتعرّف إلى ثقافتهم ولغتهم العربية المحلية، سواء أكانوا لاجئين، أو مهاجرين، من دون أن ينسوا جذورهم"

وتختم حديثها: "الكتابة باللهجات العربية المحلية كافة، أبداً ما راح تمحي هويتنا، بل على العكس ستربط الأطفال بلغتهم أكثر، ليه ما نعطي فرصة لأدب حديث مكتوب بلغة تتماشى مع الحياة اللي نعيشها اليوم مع أطفالنا؟".

وتنتشر مبادرات الكتابة بالعامية للأطفال، يوماً بعد يوم، ما بين الكتب المطبوعة، والكتب المُعاد حكيها عبر منصات التواصل الاجتماعي، مثل مبادرة Library of Arabic Literature المكتبة العربية، ومبادرة "دي الحكاية" للحكواتية سامية جاهين، ومبادرة "شمسنا" للكتابة للأطفال بالعامية.

ويظل الحكي للأطفال أكثر من مجرد قراءة كتاب، بل هو اتصال بين روحين، وتوقيت حميمي بين الطفل وأحد الوالدين، يتعرف فيه الطفل على العالم، من منظور مختلف، خارج محيطه الشخصي، ويتواصل مع الماضي والحاضر والمستقبل، ويصطحب ما تبقى في ذهنه إلى عالم الأحلام، بمجرد أن يغمض عينيه، فلا يُعدّ مجرد نوم وحسب. عندما نقرأ باللهجة العامية للأطفال، نحن في الحقيقة نقدّم لهم مفتاح الكنز. كنز القراءة بأي لهجة لاحقاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard