مستقبل الطفولة السورية... فرضيات الفن والأدب عن الطفولة بلا تعليم

الأحد 14 مارس 202112:02 م



 إن العالم بأسره يدرك المأساة التي تعيشها الطفولة السورية، وخصوصاً الأطفال الذين يعيشون في المخيّمات، وقد رأى العالم العربي مشاهد المخيّمات السورية تغرق في الطين والوحل، وقدّرت مفوضية اللاجئين عدد الخيم الكبير المتضررة وصرّحت عن مقدار النقص الكبير الذي تعانيه المنظمة على صعيد الدعم والتمويل.

كل ذلك يدفع للتساؤل: كيف تعيش منطقة عربية تغصّ دولها بالنفط والغاز، بينما ينمو على حدودها أكبر طفولة متسربة من التعليم في العالم؟ كيف يمكن تخيل مستقبل عشرات الملايين من الأطفال، كما تقدرهم المنظمات الإنسانية، خارج إطار التعليم وحتى خارج إطار الحياة الإنسانية؟ وهذا ما دعاني للبحث كيف تخيلت الإنسانية طفولة تنمو في البراري أو الغابات؟

كيف تعيش منطقة عربية تغصّ دولها بالنفط والغاز، بينما ينمو على حدودها أكبر طفولة متسربة من التعليم في العالم؟ 

الشخصيات الفنية لطفولة بعيدة عن الحضارة

يقدم لنا الأدب العديد من الحكايات عن أطفال نشأوا في الأدغال مثلاً، مثل شخصية طرزان الشهيرة، أو الحكاية الميثيولوجية الرومانية عن الأخوين رومولس ورموس، المؤسسيين الأولين لمدينة روما وملوكها، واللذين أرضعتهما أنثى ذئب، وذلك حسب الأسطورة. كذلك من أبرز شخصيات الأدب العربي والإسلامي "حي بن يقظان" التي استعيدت لأهميتها من أكثر من كاتب، كابن سينا، ابن طفيل، السهروردي وابن النفيس، والعديد من النقاد يجعلون "حي بن يقظان" ملهمة دانيال ديفو روايته "روبنسون كروزو".

كيف يمكن تخيل مستقبل الملايين من الأطفال السوريين خارج إطار التعليم وحتى خارج إطار الحياة "الإنسانية"؟

حي بن يقظان، الفكر في جزيرة نائية

يقدم ابن طفيل روايتين لأسباب وجود حي بن يقظان في جزيرة نائية: الرواية الأولى، أنه ولد من تخمّر طيني في أرض الجزيرة، تم على مر السنين والأعوام، حتى امتزج فيها الحار بالبارد والرطب باليابس، امتزاج تكافؤ وتعادل في القوى، فتمخضت تلك الطينة بتفاعلاتها المتعددة عن جنين. أما الرواية الثانية فتقول إن والدة حي بن يقظان حبلت به بعد أن حرمت عليها عائلتها الزواج، فخشيت على مصيرها وأسلمت جنينها للماء، فوصل إلى الجزيرة النائية.

التأمل والتفكر في الحيوانات والنباتات

في طفولته، يتأمل حي بن يقظان الحيوانات، ويقارن بينه وبينها، ويصنّف النباتات ويتفكّر بها، ويكون لقاؤه الأول مع الموت عندما تموت الظبية التي ربته، ويشرّح جسدها ليكتشف علة الموت، وهكذا يتعرف على القلب، ويتعلّم دفن الجثة من الغربان. ويحافظ على النار التي اندلعت في أجمة، جرب أن يلقي فيها كل شيء، ليعرف تأثيرها، وحين يلقي بالحيوانات البحرية تنضح وتفوح رائحتها الشهية: "تتبع ذلك كله بتشريح الحيوانات الأحياء والأموات، ولم يزل ينعم النظر فيها ويجيد الفكرة حتى بلغ في ذلك كله كبار الطبيعيين".

هل تكفي حياة واحدة لاكتشاف معارف الإنسانية؟

إن الأسلوب الذي ينمو فيه وعي حي بن يقظان بحسب ابن طفيل، وخلال سنوات عمره المحدودة، احتاجت الإنسانية إلى آلاف السنين وعديد العلوم والاختصاصات للوصول إليه واكتشافه، فمثلاً يكتشف عمل الأعصاب والدماغ: "وهذه الأعصاب إنما تستمد الروح من بطون الدماغ، والدماغ يستمد الروح من القلب، والدماغ فيه أرواح كثيرة، لأنه موضع تتوزع فيه أقسام كثيرة". وتالياً، يبدأ باكتشاف مفاهيم فلسفية، مثل: الكثرة والوحدة من خلال تصنيف التشابه والاختلاف بين الأصناف الحيوانية والنباتية، يكتشف الجاذبية من حركة الأجسام نحو الأرض، ويقترب من علم الفلك حين يتأمل في الأجرام السماوية، وهي كلها عناوين فصول داخل الرواية.

إن الغاية التي كتب من أجلها ابن طفيل قصة حي بن يقظان، هي التوفيق بين العلوم والفنون في فطرية الإنسان. أراد أن يبين بالتحليل كيف وصل الإنسان إلى المعرفة العلمية، ولكنه أيضاً رغب بأن يجعل من معرفة الله والتديّن منشأ فطرياً

الإيمان بالله طبيعة فطرية، بحسب ابن طفيل

إن الغاية التي كتب من أجلها ابن طفيل قصة حي بن يقظان، هي التوفيق بين العلوم والفنون في فطرية الإنسان. أن يبين بالتحليل كيف وصل الإنسان إلى المعرفة العلمية، ولكنه أيضاً يرغب بأن يجعل من معرفة الله والتديّن منشأ فطرياً.

لذلك، لا يلبث أن يصل حي بن يقظان بالتفكير العقلي إلى وجود الروح: "نظر إلى سائر الأجسام من الجمادات والأحياء، فرأى أن حقيقة وجود كل واحد منها مركبة من معنى الجسمية. ومن شيء آخر زائد على الجسمية، فلاحت له صور الأجساد على اختلافها، وهو أول ما لاح له من العالم الروحاني، إذ هي صور لا تدرك بالحس وإنما تدرك بضرب ما من النظر العقلي". وبعد الروح، يفكر بالفاعل الأول للوجود، فلا بد من محدث لكل ما حدث، ولابد أن يكون أسمى من أين يكون مادياً، وإلا لكان هو مُحدثاً أيضاً.

يصل دين الأنبياء الصالحين إلى جزيرة قريبة من جزيرة يقظان النائية، ومن بين شبابها يتأثر "أبسال" بالدين الجديد، ويبغي العزلة للتأمل، ليصل إلى جزيرة يقظان ويعثر عليه: "فشرع أبسال في تعليمه الكلام أولاً بأول، كأن يشير إلى أعيان الموجودات وينطق بأسمائها، ويكرّر ذلك عليه حتى علّمه الأسماء كلها، ودرّجه قليلاً قليلاً حتى تكلم في أقرب مدة. فجعل أبسال يسأله عن شأنه ومن أين صار إلى تلك الجزيرة، فأعلمه حي أنه لا يدري لنفسه ابتداءً ولا أباً أو أماً أكثر من الظبية التي ربته، ووصف له شأنه كله وكيف ترقى بالمعرفة حتى انتهى إلى درجة الوصول. لم يشك أبسال في أن جميع الأشياء التي وردت في شريعته من أمر الله".

وفي النهاية، وبعد أن يتعرف يقظان على دين الله وأحكامه، يتعجب من ابتعاد الناس عن الدين، ويصل اليأس من مخاطبتهم والتحدث إليهم في أمور الهداية: "فلما فهم أحوال الناس وأن أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق، علم أن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل ووردت به الشريعة، لا يمكن غير ذلك، ولا يحتمل المزيد عليه، فلكل عمل رجال، وكل ميسر لما خلق له".

كاسبر هاوزر: عشرون عاماً معزولاً عن التواصل

قصة "كاسبر هاوزر" حكاية حقيقية، عثر عليه وهو في سن العشرين في مدينة نوربنرج الألمانية عام 1828، ولكنه لم يكن قد عاش الحياة الانسانية والاجتماعية والثقافية على الإطلاق، بل إنه لم يكن يتحدث أية لغة إنسانية تمكنه من التفاهم مع الآخرين.

لقد عاش السنين العشرين الأولى من حياته في كهف، مقيداً إلى الأرض بالسلاسل الحديدية. منذ ولادته لم يتواصل مع إنسان، لم يكن يعرف الكلام، ولا القراءة أو الكتابة، ولم يكن قد رأى بشرياً إلا من يضع له الطعام بين الفترة والأخرى، هذا الشخص يعتقد أنه من أخرج كاسبار حين بلغ 20، وتركه في منتصف القرية مع الرسالة التي تشرح أنه ابن لأب يملك 10 أولاد، ولا يملك الوقت والمال للاهتمام به.

لكن مقتله بعد خمس سنوات أعاد الشكوك حول صحة الرسالة، وبقيت حكاية ظهوره واختفائه لغزاً، ومن هنا يأتي عنوان فيلم المخرج ويرنر هيزوك حوله، بعنوان "لغز كاسبار هاوزر، 1974"، كما ألهمت الحكاية سابقاً المخرج الفرنسي فراسنوا تروفو في فيلمه "الطفل البري، 1970"، الذي ركّز على صعوبة تربية صبي عاش فترة طفولته بعيداً عن المجتمع الإنساني.

صعوبات التعليم والتفكير

وخلال الفترة التي عاشها كاسبر هاوزر، اكتسب اللغة والحياة الاجتماعية على يد نفر من المدرسين الذين تطوّعوا لتلقينه اللغة والعادات الاجتماعية. في البداية لم يكن قادراً إلا على نطق بضع كلمات، ولم يكن عنده أي تصوّر عن هذا العالم. كان يدعو كل إنسان "آدمي"، وكل حيوان "حصان"، ولم يكن يفرق بين الليل والنهار.

ولا بين الشمس والقمر، حتى النار لم يكن يفهمها، فكان يمسك نار الشموع. لكنه تالياً تمكن من أن يكتب يومياته، يمكن قراءة قصيدته الأولى بمثابة رسالة من الأطفال السوريين لمن يقدم لهم المساعدة: "اليوم احتفل في شكر ومحبة وبعد طول حرمان مشقة، بقدرتي على تحقيق آمالي في حياة هنية، وأشعر الآن بسعادة غامرة فهذا هو عامي الأول.

وعندي أشياء كثيرة سوف أنجزها مثل تعلم الكتابة والرسم وكذلك الحساب بالأعداد. لقد أراد الله لي أن أتبصر العالم وأقرأ ما في الكتب. وأزرع حوضاً في حديقتي، وسوف يمنحني الله القوة في شبابي لأفيد من أهل العلم والحكمة. والآن، عليّ أن أعد نفسي على طريق التطور لتحقيق خطوة في كل يوم، مهما كانت الخطوة قصيرة، ولكنها ستقود إلى طريق البصيرة".

الطفولة المعزولة رمز للبراءة والنقاء

وكما هو حي بن يقظان، فإن كاسبر هاوزر أيضاً يُلقّن وجود الله، نقرأ ما تقول في هذه النقطة شخصية "توخر" من مسرحية "مصرع كاسبر هاوزر" لديتر فورته: "قال لي مرة بأنه منذ تعلمت في درس الدين أن الله موجود وهو يرى ما تخفي الصدور، أشعر بالراحة لأن لي أباً في السماء، مع أن أمنيتي الأولى كانت أن أعرف أبي في هذه الدنيا.

"كل إنسان لنفسه والله ضد الجميع"

ولا يهمني بعد ذلك كون أبي من الفقراء والمستضعفين. وأنا لا أفكر مثل الناس في هذه النقطة". وتكلمت شخصية أخرى في المسرحية عن قدرته على إدراك الجمال: "قال لي ذات مرة أنه يعتقد أن العالم مفعم بالجمال، وانه كان يشعر بالأسى لأنه عاش فترة طويلة دون أن يتمتع بذلك الجمال".

كان فيلم "لغز كاسبار هاروز" لهيرتوغ، والذي يحمل عنواناً فرعياً "كل إنسان لنفسه والله ضد الجميع"، هو أول من تناول حكاية الطفل غير المتصل والمتعلم بالحضارة بطريقة مفارقة، فقد جعل من كاسبر هاوزر بين المحيطين من البشر، الإنسان الوحيد، الإنسان البريء الطاهر بين مجموعة من المذنبين الفاسدين. أراد المخرج من خلال مقارنته بين كاسبر وبين المحيطين به، أن يقول إننا نعيش في عالم قائم على الأكاذيب والخداع والسعي وراء المظاهر وتكديس الأموال.

لكن كيف يمكن للطفولة بدون اتصال بالحضارة الإنسانية أن تتعلم الأخلاق وتتلمّس الجمال؟ بالمقابل، الكاتب المسرحي الألماني ديتر فورته يؤيد فكرة أن الطفولة غير المتصلة بالحضارة هي البراءة، وهذه نماذج مما تقوله الشخصيات في مسرحيته:

هورلاخر: نعم. لقد حضر إلى هذا العالم بروح نقية خالية من الخرافات لكنه كان تقياً وكان يتحدث عن الله في خشوع.

بندر: في بادئ الأمر كان يمتلك بالفعل إحساساً صادقاً بالحقيقة، ولم يكن يطيق كذبة صغيرة. لكن الثناء والرياء من كل جانب تسببا في إفساده.

فويرباخ: كانت نظرته للأمور فاحصة ودقيقة ولم يكن يبالي بالأحكام المسبقة على الأشياء من أهل الثقة. كان يعتمد على تقديره الشخصي للأمور. لم يعرف عقله حدوداً للمعرفة وكان يريد إشباع رغبته في المعرفة على الدوام. لم يكن يشعر بالخوف ولا بالخجل من الناس، فالجميع كانوا طيبين بالنسبة له، والعالم الذي كان يمتد عبر الأفق وهو ينظر إليه من نافذته، كان بالنسبة له مثل واجهة محل جميلة ومزركشة.

يمكن سماع الطفولة السورية في المستقبل تردد ما جاء على لسان كاسبر هاوزر: "ليت أحدهم قتلني قبل أن أعرف ما هي الحياة"

لكن ما نفع البراءة دون المعرفة والعلوم؟ في الحقيقة، إن الأدب لا يحاول الإجابة عن مصير جيل كامل متسرب من الثقافة والتعليم، لأن الجواب حاسم ومعروف من علم الاجتماع: الجهل = الكارثة. ومهما كنا متفائلين بحسب رؤية ابن طفيل لحي بن يقظان، فإن كل الحكايات السابقة أكدت الصعوبات التي تواجهها الطفولة غير المتصلة بالتعليم وبالحضارة، كما أكدت على وسيلة وحيدة للتواصل معها، ألا وهو التعليم.

وحتى ذلك الحين، فإنه يمكن سماع الطفولة السورية في المستقبل تردد ما جاء على لسان كاسبر هاوزر: "ليت أحدهم قتلني قبل أن أعرف ما هي الحياة. هذا شيء مرعب. كان يمكن لأي انسان أن يقتلني قبل أن يتولد عندي الشعور بالحياة، هناك حيث كنت أعيش محبوساً في سجني، الآن يريد البعض أن يحرمني من الحياة القصيرة التي حصلت عليها. الحياة أصبحت محببة إلى قلبي إلى درجة كبيرة. يوجد الكثير من الناس الطيبين من حولي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard