"لا داعي لفتح عينيّ الطفل"... التربية الجنسيّة وأدب الأطفال في الداخل الفلسطيني

السبت 30 يناير 202104:43 م

منذ طفولتي، ورغم شُح كتب الأطفال بخاصّة والكتب بعامّة في بيئتي في تلك الفترة، وأنا أبحث دوماً عن مصادر كتبٍ للقراءة. بدأت المغامرة لديّ في جيلٍ صغير، كنت في الصّف الرابع الابتدائي، ولا انترنت أو حواسيب في قريتنا، لفتني معرضٌ للكتاب أقيم في المدرسة، فبدأت رحلة البحث عن كتبٍ أخرى. أصبحتُ لاحقًا من روّاد المكتبة العامّة في القرية، حيث كانت الملاذ الآمن في طفولتي وحتى اليوم. ومع ذلك، لم أقرأ، ولم يقرأ مجايليّ، أدب أطفال محليّ كونه لم ينشأ سوى قبل نحو ثلاثة عقود.

واجه أدب الأطفال في الدّاخل الفلسطيني أزمات مركبة منذ نشأته قبل ما يقارب 30 عاماً، ولا يزال يواجه الأزمات حتّى اليوم. هذا ما يؤكده الباحثون في المجال. ذلك كون أدب الأطفال في الدّاخل الفلسطينيّ مرّ ويمرّ بصعوبات عديدة نتيجة قصر عمره وإهمال تطوّره ومواكبته للأدب الذي يُنتج عربيّاً. فمن الطّبيعيّ جدًا أن تكون الإصدارات في مجال التّربيّة الجنسيّة للأطفال خجولة ومتواضعة ولا تتجاوز مجرد محاولات لترسيخ قيمة التّربية الجنسيّة في مجتمعٍ يرفضُ، بمعظمه، طرح مثل هذه المواضيع أمام أطفاله.

"إن سألوا نجيب على قدر السؤال"

يقول لؤي وتد، الباحث في مجال ثقافة الأطفال والشّباب، لرصيف22: "موضوع التربية الجنسية بحاجة إلى وعي عميق ومعرفة تربوية عند الأهالي والمربين، وكذلك عند دور النشر والمؤلفين. لهذا، أظن أن العوائق المركزية في الكتابة حول التربية الجنسية، هي في كون المجتمع يتعامل مع التربية الجنسية على أنّها تقتصر على العملية الجنسية والجنس الذي يعتبر "تابو" مجتمعي. والحديث فيه، بالذات مع الصغار، يشكّل تجاوزاً لخط أحمر. هذا التعامل الضيّق مع التربية الجنسية يجعلها موضوع يخشى الأدباء الخوض فيه. بدورها، لا تقوم دور النشر بتشجّعهم أو دعمهم في تطويره ودراسته وتوظيفه في المجال التربوي".

أدب الأطفال في الدّاخل الفلسطينيّ مرّ ويمرّ بصعوبات عديدة نتيجة قصر عمره وإهمال تطوّره ومواكبته للأدب الذي يُنتج عربيّاً.

قد يجيء أدب الأطفال، إن استُهلك في البيت، مكمّلاً لدور الأهل. فالتربية الجنسية كما يشير وتد تقوم على دورهم أيضًا. تقول نادية نعامنة بنا لرصيف22: "سوف أتحدّث عن تجربتي كأم لأطفال يبلغون اليوم 16 و10 و6 سنوات. كنت أشعر بأنّ ثمّة عائقاً ما عندما بدأت ابنتي الكبرى بالسؤال، كنت صغيرة ولم أدري آنذاك كيف أجيبها حول أسئلتها المتكررة. لكن بعد ذلك عرفت أهمية تمرير هذه القيم بشكل تدريجيّ من خلال أدب وسينما الأطفال، بحيث تجيب القصص والأفلام على أسئلتهم بشكلٍ غير مباشر نظراً عمرهم الصّغير. ومن المهم أن يتوافق هذا التمرير مع تطوّرهم النّفسي والعاطفي والذّهنيّ، وبالذّات في سنّ صغيرة، حين يبدأ الطفل في اكتشاف نفسه واكتشاف الآخر".

"الأدب يساعد في توصيل الفكرة. عندما يبدأ الطفل في استكشاف جسده، من المهم أن نبدأ بتعرفيه بجسده واختلافه عن الجنس الآخر. أفضل بالتأكيد أن أبدأ مع الطفل في معرفته باختلافه، فالطفل يدرك بشكلٍ فطريّ أن هناك ما يسمى بالعيب أو الاختلاف. ومن خلال تجربتي مع ابنتي الكبرى، بسبب حديثي المفتوح معها، أعطيتها المساحة لتتمكن من السؤال بشكلٍ مريح، ولكن لا أفضل التّطرق بشكلٍ مفصّل للموضوع في جيلٍ صغير، فمن المهم أن يكتشف الطّفل كيف تجري العلاقات بين الجنسين بحسب جيله وعمره"، تقول كاملة لرصيف22، وهي أمّ لأربعة أطفال.

تتحفّظ الأم سلوى (اسم مستعار) من الموضوع وتوافق مسألة عدم شرح الموضوع بتفاصيله، فتقول لرصيف22: "ليست هناك ضرورة لفتح مثل هذه المواضيع مع الأطفال. إن سألوا نجيب على قدر السؤال. لكن من المهم وجود ثقة بين الأهل والطفل مما يفتح المجال لمثل هذه الأسئلة الحساسة. أما عن توعيته فيجب أن تتم بطريقة غير مباشرة من خلال قصة مثلاً. أما إذا لم يهتم الطفل، فلا داعي "لتفتيح عينيه" على هذه المواضيع".

أمّا الكاتب إياد برغوثي، فيقول لرصيف22: "هو موضوع مهم ومثير للتفكير ولا توجد أمامنا أجوبة جاهزة. لكن عموماً أجد أن هذا الموضوع موضوع إشكالي، فمن غير الصّحيح بنظري التّعامل مع أدب الأطفال كوسيلة تثقيفيّة، ولكن أجد أنه يجب أن يكون عبارة عن مساحة جمالية وفنية وفيها تجربة غنية وأدبية للطفل. اليوم يتم التعامل مع قصص الأطفال كقصص علاجية، وهذا أمر مُقحم بنظري على الأدب. وللإجابة على سؤال التربية الجنسيّة، فأنا أرى أنه من المهم إطّلاع الأطفال على هذه المفاهيم منذ جيلٍ صغير ومن خلال التّوجه إلى مختصين الوالدية والعلاقات الزوجية، فمعظم المشاكل الّتي يواجهها الجيل اليوم تعود في الأساس لعدم الانكشاف على هذه المفاهيم في جيل مبكر، بل نتجنب الحديث عنها والانكشاف عليها. في عصرنا الانكشاف الرقمي يُشبع الطفل بالإجابات دون أن نشعر، فمن المهم جدًا معرفة كيفيّة تمرير هذه المفاهيم في الوقت المناسب وبشكلٍ تدريجيّ".

مجتمعات مأزومة وأدب أطفال مأزوم

في عام 2018 صدرت قصّة للكاتبة المحليّة ميسون أسدي بعنوان "هل الأولاد يعرفون؟" تحكي القصة عن تجربة العائلة في التعامل مع أسئلة أطفالهم عندما تُصبح أسئلة "صعبة". وهي أسئلة تدور حول مواضيع طبيعية في العلاقات بين الجنسين والطريقة التي يأتون فيها إلى الحياة، إلا أنّ المجتمع يتعامل معها على أنها خادشة للحياء. في القصة يحاور الطفل وسام، ابن العشر سنوات، أمه، في الطريق إلى بيت والديها في السيارة. يسأل وسام أمه عن معنى الزواج والحب والعلاقة بين الجنسين، لكنّ والدته تجد صعوبة في إجابته، وتتملص من إعطاءه إجابة عن هذه الأسئلة. يستمرّ وسام بدوره في السّؤال، رغبةً منه في الحصول على إجابة منطقيّة. بعد مرحلة معينة من الأسئلة تغضب والدته، وتقرر إخباره بكيفيّة حدوث العلاقة، فتقول له: "سأخبركَ كيف يتزوّجون، في البداية يخلع الرجل والمرأة ملابسهما، ولا يخجلان من بعضهما، ثمّ يدخلان إلى الحمام للاستحمام بالماء والصّابون جيدًا، ويتعطّرن وبعدها يتعانقان في السّرير، وهناك سائلٌ منوي صغير ينتقل من الرّجل إلى بويضة في رحم المرأة" وقد أحدثت هذه القصّة ضجّةً إعلاميّة كبيرة علت فيها أصوات منتقدة لأسلوب القصّة وجرأتها.

"لا أفضل التّطرق بشكلٍ مفصّل للموضوع في جيلٍ صغير، فمن المهم أن يكتشف الطّفل كيف تجري العلاقات بين الجنسين بحسب جيله وعمره"

يقول وتد في نقد القصّة من خلال مقالٍ نُشر في موقع حكايا، بأنّ مشكلة القصّة لا تكمن في شرح العلاقة الجنسيّة بين الأهل، بقدر ما تكمن في الأعمار الموجّهة لها القصّة، فقد كتب عليها بأنها للأجيال 4-6 بينما هي في الواقع تناسب أجيال 12 عامًا. هذا التّصنيف الخاطئ جعل القصّة تتعرض لنقدٍ شديد، ومطالبات جادّة من لجان الأولياء بمنع إدخالها ضمن المناهج التّدريسيّة، حتى إنّ بلديّة مدينة أم الفحم منعت تواجدها في مكتباتها.

يقول وتد لرصيف22 في مسألة أدب الأطفال في الدّاخل وعلاقته بالثّقافة الجنسيّة: "في معظم الأحيان، يكون أدب الأطفال انعكاساً لمرآة المجتمعات التي تكتبه. المجتمعات الحيويّة تحكي أدب أطفال حيويّ، بينما تحكي المجتمعات المحافظة أدب أطفال محافظ. المجتمعات المأزومة تحكي أدب أطفال مأزوم، وهكذا. للأسف الشديد، في حديثنا عن المجتمع الفلسطيني في الداخل، فهو أقرب للمثال الثالث، وأزمة أدب الأطفال تتمثّل في كافة الأصعدة، بما يشمل الصعيد التربوي".

مبادرات تحاول ردم الهوّة

انطلقت بعض المبادرات في الداخل الفلسطنيني ساعيةً لتطوير هذا الحقل، منها "دفيئة حكايا" يقودها الكاتب علاء حليحل رفقة الباحث لؤي وتد. يقول وتد: "تسعى دفيئة حكايا لتوسيع أكنافها لتحتضن جميع المبدعين في حقل أدب الأطفال، بما يشمل الكتابة والرسم والنقد والدراسة، من خلال الورشات السنوية التي نقدمها. بالإضافة إلى كونها تؤمن بشكل مطلق بإمكانية النهوض في مجال أدب الأطفال وثقافتهم عامة. وهناك حاجة كبيرة لدعم الأهالي والمربّين في إيصال ونقل هذا الانتاج للأطفال، فالمسؤوليّة التي تقع عليهم كبيرة في تثقيف أطفالهم".

ويضيف وتد: "أمّا عن تطوير الجانب التربوي، فأظن الاشكالية هي ليست في اقناع الجمهور بأهميته، إنما بتأهيل الأدباء ودور النشر في التعامل معه. حيث يبحث الكثير من الأهالي والمربّين عن الأدب التربوي فتقع بين أيديهم النصوص الوعظيّة، وشتان بين الثرى والثريا. أرى أنه على دور النشر التّعامل بمسؤولية أكبر مع إصداراتهم، بما يشمل استشارة مختصّين في التربية إلى جانب مختصين في الأدب".

ومن خلال تجربتي في إحدى الورشات التي قدمت العام الماضي، فإنّ القائمين عليها يهتمون بتطوير الثيمات التي يتحفّظ المجتمع من الحديث عنها، كالتربيّة الجنسيّة. آخذين بالحسبان أن يتم التّطرق لمثل هذه المواضيع بشكلٍ تدريجي، قياساً بجيل الطّفل واستيعابه لهذه المواضيع.

من جهتها، تقوم مبادرة "كن أنت" بإشراف معلّمة التربية الخاصّة إسماء أبو إسماعيل، بتنسيق دورات للأمهات للتّوعيّة في كيفيّة التّصرف مع الأطفال عند بدء السّؤال حول العلاقات والجنس والجنس الآخر: "لدى الأمهات الصّغيرات وعي حول أهميّة امتلاك إجابات جاهزة لأسئلة الأطفال الفضولية، وأيضًا لدى الأمهات الأكبر قليلًا في السّن. وهناك تنوّع في الإقبال على الدّورات التّسجيل مفتوح للدورة القادمة. ما لفت نظري هو توجّه نساء متعلّمات في مجال الطّفل، اللاتي أكدنّ على أنّ المؤسسات التّعليميّة لا تمنح الأدوات للتّعامل في مثل هذه المواقف".

"يبحث الكثير من الأهالي والمربّين عن الأدب التربوي فتقع بين أيديهم النصوص الوعظيّة، وشتان بين الثرى والثريا"

افتقار لبنية تحتيّة للأدب

انعقدت قبل فترة وجيزة جلسة برلمانية دعا إليها النائب عن القائمة العربيّة المشتركة د. يوسف جبارين، تكريماً لذكرى الراحلة د. حنان جرايسي، الباحثة البارزة في مجال أدب الطفل، حيث استضاف فيها العديد من الباحثين الفلسطينيين في الدّاخل، والذين أكّدوا على شحّ المصادر المموّلة لأدب الأطفال، وعلى كونه يعتبر نوعاً حديثاً من الأدب ولا يلقى الاهتمام اللّازم سواءً من الحكومة أو من المجتمع. 

خلال الجلسة، أشارت الباحثة نبيلة إسبانيولي، مديرة مركز الطفولة، إلى أهميّة البحث عن سُبلٍ حقيقيّة لإنقاذ أدب الأطفال، وللدفع به خطواتٍ إلى الأمام، ومن ضمن الاقتراحات القائمة بناء مركز لأدب أطفال وإيجاد حلول للتّحدي الأهم وهو في تمويل دور النّشر، كون جميع دور النّشر العربيّة المحليّة هي مؤسسات نشر غير حكومية، مما يخلق تحدياً أمام الكاتب للخروج من مساحات الثيمات التي تهمّ دار النشر. كما أنّ أحد أهم مؤسسات النّشر الّتي تُصدر أدب أطفالٍ للمجتمع العربيّ هي يهوديّة، ولا يعمل فيها أشخاص عرب، مما يجعل المحتوى غير ملائم للمجتمع العربيّ.

تُلحظ كذلك جودة الكتب الصّادرة في اللّغة العربيّة، بسبب عدم وجود مراكز دعم أو مراقبة على ما يصدر من أدب، فإنّ جودة ما يصدُر يقلّ بكثيرٍ عن إصدارات أدب الأطفال في الدّول العربيّة، مما يجعلنا متأخرين عن المجتمعات العربيّة في هذا المجال.

لا يزال المجتمع الفلسطينيّ في الداخل يُعتبر مجتمعاً محافظاً، ويرفض التّحدّث في مواضيع "تمسّ" بالمسلّمات "والتابوهات" المجتمعيّة، كالجنسانيّة. فما زلتُ أذكر أنّ مدرستي الإعداديّة استقدمت محاضرة لتخبرنا عن كيفيّة التّصرف إذا ما باغتتنا "العادة الشّهريّة"، فقامت بإخراج الأولاد للعب في السّاحة بينما أُقيمت المُحاضرة للفتيات حصرًا. في هذا المجتمع الّذي يرفض الحديث في الثّقافة الجنسيّة من النّاحية العلميّة ومن أجل اكتساب المعرفة، يفتقر أدب الأطفال لديه، بطبيعة الحال، إلى إصداراتٍ في هذا الموضوع، وقد يقوم المجتمع بنفي الشّخص الّذي يكتب حول هذه الثّقافة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard