"شموع ومديح واحتفال وسياحة في القيروان"... ذكرى المولد النبوي في تونس

الاثنين 18 أكتوبر 202103:32 م

تحتفل تونس، كجلّ الدول الإسلامية، بذكرى المولد النبوي، في 12 ربيع الأول من كل سنة هجرية، والذي يصادف هذا العام 18 تشرين الأول/ أكتوبر من السنة الميلادية. ولئن تعددت طرق الاحتفال بهذه المناسبة، من بلد إلى آخر، فإن هذا الحدث له طابع خاص ومميّز في تونس، حيث يُعدُّ له قبلها بأيام في الوسط العائلي، وعلى مدى أشهر على المستوى الوطني.
تختلط في "عيد المولد" الطقوس الدينية بالعادات والتقاليد المتوارثة جيلاً تِلْوَ جيل. كما تُولِي الدولة التونسية اهتماماً كبيراً بهذه المناسبة، لما لها من أبعاد روحية، وأخرى اقتصادية. وتتجلى مظاهر الاحتفال خاصةً في محافظة القيروان التي تستقبل سنوياً آلاف الزوار الذين يتوافدون على جامع عقبة بن نافع، أحد أقدم المعالم الدينية في تونس وإفريقيا.

القيروان قِبلة المحتفلين

تتزين شوارع القيروان، سنوياً، بأبهى حلّة أضواءٍ وشموع وأعلامٍ تفرز مشاهد احتفالية متناسقة تسرّ الناظرين، وتنسجم مع تعالي الأذكار والمدائح النبوية، للتعبير عن حب الرسول محمد، والاحتفال بذكرى مولده. مظاهر احتفال عريقة تجعل من القيروان الوجهة المفضلة للتونسيين والأجانب في هذه المناسبة. فيتوافد مئات الآلاف من الزوار على مدينة الأغالبة، لإحياء ذكرى المولد النبوي، والاستمتاع بالأجواء الروحانية، والتقاليد الموروثة.
أضواء وشموع وأعلام تفرز مشاهد احتفالية متناسقة تسرّ الناظرين، وتنسجم مع تعالي الأذكار والمدائح النبوية. كيف تحتفل تونس بعيد المولد النبوي؟ 
وتشهد القيروان، تزامناً مع الاحتفالات بالمولد، حركة اقتصادية، وتجارية، وسياحية، تعود بالنفع على تجار المنطقة، فتقام المعارض في "دار الطابع"، تُعرض فيها منتوجات تقليدية ذات طابع قيرواني، على غرار الأواني النحاسية، والفخّاريات، والمفروشات القرويّة "المرقوم"، والحلي المرصع بالعنبر، بالإضافة إلى عرض أنواع مختلفة من الحلويات القيروانية، أشهرها "المقروض".
ويكشف رئيس مهرجان المولد النبوي الشريف، علي بن سعيد، أن برنامج الدورة الرابعة للمهرجان يتمثل في فقرة دينية يتم فيها إعداد مسابقات لتلاوة القران، ورفع الأذان، ورواية السيرة النبوية، وتقديم محاضرات دينية، بالإضافة إلى عرض الخرجة الصفاقسية، والخرجة القروية، ومعارض اقتصادية، وأخرى للمخطوطات القيروانية، إلى جانب تنظيم سهرات لأربع فرق صوفية كبرى، وتنشيط السياحة بفرق فلكلورية.

تلاوة القصيدة الهمزية
ويرى بن سعيد، أن يوم المولد النبوي يوم سياحي بامتياز، يقام في قلب ساحة المدينة "ساحة الاستقلال"، بالتنسيق مع العديد من وكالات السفر التي تؤمن رحلات إلى القيروان، مقدراً أن عدد الوافدين سيكون محترماً.
كما يلفت في حديثه لرصيف22، النظر إلى أن إدارة المهرجان أخذت الإذن بإحيائه، يوم 22 تموز/ يوليو الماضي. و"نظراً إلى ضيق الوقت، تم إعداد برنامج سريع، لكنه يتماشى مع حجم الحدث"، مبيّناً أن "الإعداد للمهرجان يتطلب أشهراً عدة، لأنه دولي، ويتم فيه استدعاء فرق من بلدان شقيقة، الأمر الذي يتطلّب وقتاً كافياً لتحضير التذاكر، وتأشيرات السفر".
تزامناً مع الاحتفالات التي تقام في القيروان، يُنظّم في جامع الزيتونة موكب احتفالي ديني، تُقرأ خلاله قصيدة "الهمزية في مدح خير البرية"، للإمام البوصيري، كما يستعرض إمام الجامع قصة ميلاد الرسول، ويواكب هذه الاحتفالات عادةً الرؤساء الثلاثة.
ويعد جامع الزيتونة، أو الجامع الأعظم، وهو ثاني جامع بُني في إفريقيا، وثاني أكبر جامع في تونس، بعد جامع عقبة بن نافع الذي تم تشييده سنة 699م، كما أنه من أقدم الجامعات في العالم.

"عصيدة الزقوقو"

تنفرد تونس بعادة طهي "عصيدة الزقوقو"، في المولد النبوي الشريف، وهي حلويات تتكون أساساً من الصنوبر الحلبي، تم توارثها جيلاً بعد جيل، مع إضفاء لمسات عصرية عليها.
اعتادت الجدة حليمة، جمع أحفادها، ليلة ذكرى المولد النبوي، لطهي "عصيدة الزقوقو" بمعية أحب الناس إلى قلبها، فلقد انطلقت في التحضير لهذه المناسبة منذ ما يزيد عن أسبوع، لما تتطلّبه هذه الحلويات من وقت ومراحل عديدة تتمثل أساساً في تنظيف الصنوبر الحلبي من الشوائب، وغسله، وطحنه في الرّحى، وغربلته ليصبح جاهزاً للطهي.
وتحكي الجدة لنا عن هذه التقاليد الضاربة في التاريخ، قائلةً: "إعداد ‘عصيدة الزقوقو’ في المولد النبوي، عادة دأبتُ عليها منذ عقود. فبعد أن أطحنه وأغربله في الرّحى، أضيف إليه الدقيق، والماء، والسكر، وأطهيه حتى يتماسك، ثم أضعه في صحاف بلورية، وأعد ‘القشدة’، وهي خلطة من البيض والسكر والحليب والنشا، وأضعها فوق العصيدة، لإضفاء جمالية ولذة على طعمها، ثم يأتي دور التزيين".
يحافظ التونسيون على طقس الاحتفال بعيد المولد النبوي منذ قرون. ما بين عصيدة الزقوقو والأجواء العائلية تتزين البيوت والمدن التاريخية كالقيروان للاحتفال بالذكرى 
تقول الجدة حليمة، ذات الـ66 سنة، والمقيمة في محافظة بن عروس، إن أحب مرحلة إلى فلذات أكبادها، هو تزيين صحاف العصيدة بالفواكه المجففة "لوز وجوز وفستق"، وقطع الحلوى المختلفة ألوانها وأشكالها. وتضيف أن حضور الأطفال، خلال مرحلة التحضير، يذكّرها بأبنائها في صغرهم، ويضيف نكهةً خاصة على العيد.
أما الخالة زهرة، المتحدرة من محافظة الكاف، فهي متشبثة بتقاليد منطقتها، والمتمثلة بالأساس في إعداد "عصيدة الزقوقو"، إلى جانب ما يُطلق عليه اسم "العصيدة البيضاء"، وهي عبارة عن خلطة للدقيق والماء تُطهى حتى تتماسك، ثم يضاف إليها زيت الزيتون، والعسل، والتمر، لتزيينها، ولتكتسب مذاقاً حلواً، وفوائد أكثر.
وتضيف الخالة: "يمثّل المولد النبوي الشريف في تونس، بصفة عامة، وفي الكاف بصفة خاصة، مناسبةً لإحياء صلة الرحم، من خلال تبادل الزيارات بين العائلات. وتمثل العصيدة الطبق الرئيسي الذي يُقدَّم للضيوف، كما أنها مناسبة للقيام بحفلات الخطوبة، و"الموسم"، وهو عبارة عن هدية يقدّمها الخطيب لخطيبته.
ولكل عادة من العادات سياق تاريخي وُلدت فيه. فمثلاً، أصبح الصنوبر الحلبي يُستعمل في إعداد "الزقوقو" منذ "سنة 1864، أي إبان ثورة علي بن غذاهم، التي امتدت سنواتٍ طويلة، وتزامنت مع قحط أصاب البلاد مما اضطر السكان إلى مجابهة المجاعة، من خلال العودة إلى الغابة، واستعمال الصنوبر الحلبي، عوضاً عن الدقيق، لتحضير العصائد"، وفق ما يؤكده المؤرخ للتراث زاهر كمون.
ويضيف كمون في حديثه لرصيف22، أن "’عصيدة الزقوقو’ كانت قوت الفقراء والمضطهدين، ويتم إعدادها بطريقة بسيطة جداً، ومع مرور الزمن، وبفعل تطور التراث الغذائي، أضيف إلى تركيبتها العديد من المواد، كالسكر، والدقيق، والفواكه، لكن لا وجود لقرينة تثبت ارتباطها بذكرى المولد النبوي".

تشبث بالتقاليد على الرغم من الغلاء

بسبب الإقبال الكثيف عليه، يشهد سعر كيلوغرام "الزقوقو" سنوياً، ارتفاعاً ملحوظاً، ليبلغ هذه السنة 36 ديناراً (نحو 13 دولاراً)، وبالإضافة إلى سعر الفواكه المجففة، ولوازم التزيين، فإن كلفة "عصيدة الزقوقو" تتجاوز 150 ديناراً (53 دولاراً).
وعلى الرغم من تكلفته الباهظة التي تزامنت مع مقدرة شرائية متدهورة للمواطن التونسي، بسبب الأزمة الاقتصادية الأخيرة، إلا أن المستهلك يُقبل عليها سنوياً، ويعدّها تقليداً راسخاً لا سبيل إلى الاستغناء عنه، حتى أن دعوات حملات مقاطعة شرائها، لم تأتِ أُكُلها في السنوات الأخيرة.
ويعزو رئيس منظمة الدفاع عن المستهلك، سليم سعد الله، ارتفاع سعر هذه المادة، إلى استعمالها من قبل بعض التجار، وتحويلها إلى بعض المواد الغذائية، بالإضافة إلى أن موسم الصنوبر الحلبي في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، والمنتوج المعروض حالياً يعود إلى السنة الماضية.
هكذا يظل طقس ذكرى المولد راسخاً في الثقافة الشعبية التونسية، وفرصة للاحتفال والفرح، على الرغم من كل حال.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard