"بفضلها تعرّف الناس إلى الأردن!"... نبذة عن حال الموسيقى المستقلة الأردنية

الأحد 17 أكتوبر 202103:38 م

خلف جمعٍ محتشدٍ على درج ملوّن بألوان زاهية، ووسط حشد آخر أسفل درج "الكحلة" الشهير، في منطقة وسط البلد، في العاصمة الأردنية عمّان، وعلى وقع أغانٍ عربية كلاسيكية تصاحبها موسيقى الجاز، جلست مجموعة من الشباب، بعد أن نجحوا في إيجاد زاوية فارغة بعيدة عن جموع المحتشدين، وأخرجوا آلاتهم الموسيقية، وضبطوا نغمات أوتارها، قبيل بدء فقرتهم، ضمن فعاليات مهرجان "موسيقى عالدرج 2021".

أولئك الشباب القادمون من محافظة إربد، أملاً بالعثور على مساحة جديدة لهم في عمان، هم أعضاء فرقة "أوكتاف" الموسيقية المستقلة. التقينا بهم، وكانوا يعدّون عدّتهم في انتظار انتهاء فرقة "حجاز"، المستقلة أيضاً، من تقديم عرضها في أول أيام المهرجان الذي امتدت فعالياته على مدار اليومين الفائتين، وحضر رصيف22 عدداً منها.

ويهدف المهرجان، من خلال العروض الفنية التي استضافها لفرق موسيقية أردنية مستقلة، وهو يقام هذا العام بنسخته الثالثة، إلى جعل الموسيقى البديلة في متناول الناس، من خلال تقديم عروض في مساحات عامة، وعلى أدراجٍ في العاصمة عمّان.

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان - تصوير غادة الشيخ

صعوبات جمّة

هروب فرقة "أوكتاف" من محافظة إربد التي أنجبت مواهب الشبان الخمسة، هو إثبات على أبرز الصعوبات التي تعاني منها الفرق الموسيقية المستقلة، أو البديلة، في الأردن.

ومن خلال حديث رصيف22، مع داعمي الأغاني، وجمهورها، والفرق المستقلة الأردنية، اتفقوا على أن أهم الصعوبات التي تمر بها الموسيقى المستقلة المحلية هي غياب الدعم المادي، بالإضافة إلى غياب الدعم المعنوي المؤمن بأهمية هذا النوع من الفن، كما أن الصعوبات التي واجهت "أوكتاف"، وفق ما جاء في حديث أحد أعضائها معنا، وهو العازف أحمد السيلاوي، لها بعدٌ آخر.

"المجتمع هو أكبر عقبة نواجهها، وفرقتنا تعيش في محافظة لا تتقبل وجود شاب بشعر طويل يحمل غيتاراً كهربائياً. قبل أسبوعين، كسّر مجهولون في منطقتي الإستوديو الذي أملكه، واتّهموني بأني من عبدة الشياطين!".

أهم الصعوبات التي تمر بها الموسيقى المستقلة المحلية في الأردن هي غياب الدعم المادي، وغياب الدعم المعنوي المؤمن بأهمية هذا النوع من الفن، إضافة إلى عدم تقبلهم في بعض المناطق

"بعد هذه الحادثة، قلت: بِكفي، باي باي إربد، وسأتوجه إلى عمّان"، أضاف السيلاوي، مستكملاً: "كلمة ‘روك’ بحد ذاتها، تشكل حساسية للكثيرين في المجتمع الأردني، ولا أدري كيف يستسهلون ربطها بعبادة الشيطان. تخيّلي أننا نغنّي أغانٍ تراثية، مثل أغاني الحتة، ونعزف القربة والمجوز في الفرقة، وبالآخر بطلع من عبدة الشياطين!".

وفرقة "أوكتاف"، فرقة مستقلة، تعزف موسيقى الروك، وتدمجها بموسيقى وأغانٍ تراثية. وعن هذا الخيار، يشرح السيلاوي: "أنا بطبعي أحب هذا النوع من الموسيقى، منذ نشأته في الأردن، وأحببت أن أترجم موهبتي من خلاله. ولأنني من محافظة قروية والموسيقى التراثية جزء من حياتنا اليومية، تشجعت لأدمج الشعبي بالروك".

"بالطبع ما حدث لن يوقفني، وسأبقى أعزف في بلدي"، قال في نهاية حديثه، قبل أن يهمّ هو وزملاؤه إلى فقرتهم في المهرجان، وأضاف: "سأبقى أعزف في بلدي، ولن أحقق حلمي بالهجرة إلى أوروبا، قبل أن أرى فرقاً جديدة تقدم اللون الموسيقي ذاته الذي تقدّمه فرقة أوكتاف في البلد. هنا سأطمئن وأتأكد من أن هدفي قد تحقق".

خروج من "الأندرغراوند"

على وقع أصوات فرقة "حجاز" التي كانت تقدّم عرضاً فنياً، ووسط الجمهور الذي جاء خصيصاً لحضور المهرجان، بالإضافة إلى الجمهور الذي مرّ بالصدفة من منطقة وسط البلد، وأُعجب بما يحدث في درج "الكلحة" من عروض موسيقية، تحدثنا مع مديرة المهرجان لمى حزبون، وسألناها كيف تقيم مشهد الموسيقى المستقلة في الأردن اليوم؟ فأجابت: "أوف... وين كنا ووين صرنا".

"في السابق كانت الموسيقى المستقلة في الأردن ‘أندرغراوند’، واليوم خرجت وأصبحت ملء المسارح".

وأوضحت: "إذا قارنّا الحركة الموسيقية المستقلة اليوم في الأردن، مع ما كانت عليه منذ عشر سنين، نجد فرقاً كبيراً. فاليوم ما إن نعلن عن حفل، أو مهرجان لموسيقى مستقلة، فوراً يكتمل عدد الحضور. في السابق، كانت الموسيقى المستقلة في الأردن ‘أندرغراوند’، واليوم خرجت وأصبحت ملء المسارح".

وأشارت لمى إلى أن ما يميّز الموسيقى المستقلة العربية، هو أنها خرجت من رحم الأردن، وأهم الفرق التي شكّلت المشهد الموسيقي البديل، أو المستقل، في الوطن العربي، هي من الفرق الأردنية، مثل جدل، وأوتوستراد، والفرعي، والمربع، وغائم جزئي، وغيرها. وما يميّز هذا النوع من الموسيقى، حسب رأيها، هو أنها تحمل رسائل جادة، سواء أكانت اجتماعية، أو سياسية، أو اقتصادية، وتشعر فئة الشباب بالذات أنها تعبّر عن آرائها.

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان - تصوير غادة الشيخ

ومن أبرز الصعوبات التي تواجه الموسيقى المستقلة، حسب لمى، غياب الدعم المادي، وقلة شركات الإنتاج التي تؤمن بأهمية هذا النوع من الفن، عادّةً أن هذا النوع من المهرجانات، مثل مهرجان "موسيقى الدرج"، قد تساهم إلى حد ما في تسليط الضوء على أهمية الموسيقى المستقلة، وفرقها الناشئة.


"الطريق طويل"

وفي سياق الحديث عما تواجهه الموسيقى المستقلة في الأردن من صعوبات، تحدثنا مع ميرنا خلفاوي، وهي داعمة للفرق المستقلة الأردنية، وتقدّم خدمات ترويجية وتطويرية لها.

اختزلت خلفاوي الصعوبات، بسردها المثال التالي: "من المحزن أن الموسيقي المستقل في بلدي، حلمه أن ينجح في مصر، فهناك يوجد تقدير للموسيقى المستقلة، وانفتاح على الفن. ذات مرة تواصلت مع رئيس تحرير صحيفة يومية رسمية في الأردن، وطلبت منه نشر خبر طرح ألبوم جديد لفرقة بديلة في الأردن. اعتذر، وقال إنه لا يعرف من هي هذه الفرقة، فقاطعته، وقلت له إن الصحيفة نشرت قبل أيام، خبر طرح أغنية جديدة للفنانة اللبنانية نانسي عجرم، فأجابني: نانسي عجرم طبعاً بنشر عنها"، وأضافت: "الطريق طويل لتقبّل دعم الموسيقى البديلة المحلية".

وعن تقييمها لحالة الموسيقى المستقلة في الأردن اليوم، قالت ميرنا: "الموسيقى البديلة في الأردن، هي التي تقود هذا النوع من الفن في المنطقة العربية، ومواهبنا في ازدياد، وأفتخر بأن أقول إن المشهد الأردني للفن المستقل متنوع، وقائد، ففيه الشعبي، والروك، والإلكتروني، والأنواع كلها، حتى أن جمهور الموسيقى البديلة، بفضل هذا التنوع، انقسم، وأصبح موزعاً حسب الألوان التي يقدّمها الفن المستقل المحلي، فهناك جمهور للروك، وآخر للشعبي، وغيرها".

"يكفي أنها غير مقيدة بستايل أو لون، مثل الأغاني التجارية المقيدة بشركات الإنتاج وأذواقها، بالإضافة إلى أنها تقدم لوناً غير مألوف وأقرب إلى الناس، فهي تغني لغة الناس وتحكي عن همومهم من دون أي مبالغات"

"الفرق المستقلة ثورة قومية"

تحدثنا مع شباب من ضمن الجمهور الذي كان في مهرجان "موسيقى الدرج"، عن رأيهم في الفن الموسيقي المستقل، ولماذا يفضلون الأغنيات البديلة عن أغنيات أخرى؟ أجاب الشاب أنس حوراني بقوله: "يكفي أنها غير مقيدة بستايل، أو لون، مثل الأغاني التجارية المقيّدة بشركات الإنتاج، وأذواقها، بالإضافة إلى أنها تقدّم لوناً غير مألوف، وأقرب إلى الناس، فهي تغنّي لغة الناس، وتحكي عن همومهم من دون أي مبالغات".

ودعم جملته الأخيرة بالمثال التالي: "قبل فترة، سمعت جملة من أغنية تجارية تقول: ‘إذا مش عاجبك لون السما، بغيّرها!’. توجد مبالغة فوق الحد هنا. في المقابل، ثمة جملة لواحدة من أغاني فرقة جدل الأردنية تقول: ‘لو قالولي أغزو بلد... بقتل كل من حامل قلم’، تخيّلي حجم العمق فيها وهي تعكس الغزو الثقافي في منطقتنا".

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان

من مهرجان "موسيقى عالدرج" في عمّان - تصوير غادة الشيخ

واتفق معه صديقه الشاب معاذ خليفات، الذي أشار إلى أنه يعدّ نفسه من جمهور الفن المستقل، لأنه "مستقل من ضغوط شركات الإنتاج، فالفرقة البديلة، أو المستقلة، تغنّي كل ما يخطر على بالها من دون قيود، والأهم أنها تعبّر عنا كشباب، وأفتخر بأنني من الجيل الأول الذي اختار هذا النوع من الفن ذائقةً فنية موسيقية، منذ أيام فرقة رم، للموسيقار طارق الناصر، وجدل، وأوتستراد".

"مشكلة الدولة أنها لا تعلم حتى الآن أن في بلدها ثورة قومية اسمها الموسيقى المستقلة"، يقول الشاب راكان حياصات، لرصيف22، وهو أحد منظّمي مهرجان موسيقى الدرج، ويرى أن الفن المستقل في الأردن، لا يقل أهمية عن السياحة والطب، وقال: "تنشيط السياحة في الأردن، لا يجوز أن يكون للترويج للآثار فحسب، بل يجب استغلال قيمة الفن الأردني المستقل، وصيته في العالمين العربي والغربي، على حد سواء".

ويشير راكان إلى أن فرقة جدل الأردنية، "استطاعت أن تنقل موسيقاها وأغانيها، من جبل القلعة في عمّان القديمة، إلى قلب ولاية تكساس في أمريكا. بفضل جدل، تعرّف أناس للمرة الأولى إلى شيء اسمه الأردن!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard