من الدعوة للحوار إلى "المواجهة"... حزب النهضة الإسلامي يغيّر إستراتيجيته

الخميس 7 أكتوبر 202102:45 م

بعد أن دعت حركة النهضة إلى الحوار الوطني، أكثر من مرة، في محاولة لامتصاص الآثار السلبية لقرارات الرئيس قيس سعيّد بحل الحكومة، وتجميد عمل البرلمان، يبدو أن الحركة تتجه نحو تغيير إستراتيجيتها في التعامل مع الرئاسة. بين التصعيد السياسي، واللجوء إلى ضغط الشارع، يأمل حزب النهضة، وهو الخاسر الأكبر من تجميد عمل البرلمان الذي كان يحظى بغالبية مقاعده، بالعودة إلى الواجهة السياسية، من خلال خيار "المواجهة" مع الرئاسة.

البرلمان قائم

في حركة تصعيدية، أعلن رئيس مجلس نواب الشعب، ورئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، "أن مكتب المجلس في حالة انعقاد دائم"، وأن قرارات رئيس الجمهورية المتعلقة بتجميد اختصاصات هياكل مجلس نواب الشعب، ثم تعليقها، كلها باطلة، داعياً إلى استئناف الدورة النيابية الثالثة.

قرار أعلن عنه الغنوشي، بعد سلسلة من التصريحات التي أكد فيها أنه متشبثٌ بصفته النيابية، ورافض لقرارات 25 تموز/ يوليو، وتعليق العمل بالدستور، محذراً في أكثر من مناسبة، من مغبة الحكم الفردي المطلق، والانقلاب على الشرعية الديمقراطية، ومكتسبات الثورة.

بعد تراجعها سياسيا وجماهيريا تحاول حركة النهضة العودة إلى الساحة السياسية التونسية من خلال نهج استراتيجية "المواجهة" مع مؤسسة الرئاسة

التصريحات والبيانات الشديدة اللهجة التي أعلن عنها قياديون في النهضة، تثبت وجود تحوّل واضح في إستراتيجية الحركة التي لطالما أعربت عن استعدادها للقيام بتنازلات، في حال تمت العودة إلى الديمقراطية، وعن حرصها على نهج الحوار مع الأطراف جميعها، وفي مقدمتها رئيس الجمهورية، من أجل إنجاز الإصلاحات الضرورية.

ولعل الدافع الأساسي لانتهاج حركة النهضة سياسة المواجهة، هو انخراط العديد من الأحزاب الأخرى، على غرار "حزب التيار الديمقراطي"، و"حزب العمال"، و"الحزب الجمهوري"، في رفض الإجراءات الاستثنائية الجاري العمل بها، وتالياً لم تعد في مواجهة ثنائية مع رئيس الجمهورية، بل هي مواجهة حساسيات سياسية عدة للرئاسة، على الرغم من أن أحزاباً عدة رفضت التنسيق مع النهضة في هذا الاتجاه.

عزلة النهضة

على الرغم من أن حركة النهضة تلتقي مع العديد من الأحزاب في نقاط عدة، أهمها الحرص على العودة إلى الشرعية، ومواجهة الحكم المفرد، فإنها تواجه عزلة سياسية، وإقصاء من قِبل الأحزاب جميعها التي تعدّها المسؤول الرئيسي عما آلت إليه الأوضاع.

وقد أكد أمين عام حزب التيار الديمقراطي، غازي الشواشي، خلال إعلانه عن تكوين "تنسيقية القوى الديمقراطية الرافضة لقرارات 25 تموز/ يوليو"، أن التنسيقية منفتحة على القوى الديمقراطية والأحزاب جميعها، ما عدا حزب حركة النهضة، وحلفاءها. كما دفعت العزلة الخانقة التي تضيّق على النهضة، إلى استقالة أكثر من مئة عضو من قيادييها الذي عدّوا أن عزلة الحركة في المشهد السياسي، كانت نتيجة لسياساتها.

"بيانات حركة النهضة، وتصريحات رئيسها راشد الغنوشي، هي مجرد تصريحات هلامية، وصرخات استغاثة". بعد أن أصبحت تعيش عزلة سياسية هل تحول النهضة استراتيجيتها نحو التصعيد؟

بدوره أعلن رئيس حركة الشعب زهير مغزاوي، في تصريح صحافي، عن اعتزام رئيس الجمهورية قيس سعيد الدعوة إلى حوار، بعد الإعلان عن تركيبة الحكومة، مبيناً أن حركة النهضة جزء من المشكلة، ولن توجه إليها دعوة للحوار.

العزل والإقصاء لم يثنيا الحركة عن الدعوة لتنسيق الجهود، للتصدي للقرارات الرئاسية، إذ دعت في بيان لها "كافة الأطراف الرافضة للانفراد بالحكم، والانقلاب على الدستور، والاستحواذ على السلطة، والتعسف في استعمالها، إلى تنسيق الجهود في التصدي السلمي والمدني لهذا التماشي المنذر بإنهاء المسار الديمقراطي، ومزيد من تأزيم الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة، والإضرار بعلاقات تونس الإقليمية والدولية".

برلمان مرفوض شعبياً؟

لئن توالت الدعوات المنادية بالعودة إلى الشرعية، واستئناف المؤسسة التشريعية لأشغالها، فإن قرار تجميد البرلمان ما زال ساري المفعول، على الرغم من توقيع عشرات النواب على عريضة استئناف العمل البرلماني، واتجاه بعضهم إلى التظاهر أمام مبنى البرلمان، للمطالبة بالعودة إلى نشاطهم، لكنهم كانوا عرضة للاعتداء من قبل محتجين على أداء البرلمان، وموالين للقرارات الرئاسية.

ويرى المحلل السياسي والدبلوماسي السابق، عبد الله العبيدي، أن نشاط البرلمان عملياً، لا يمكن أن يتواصل، خاصةً وأن الاجتماع داخل المبنى ممنوع، وقد تم حجب الموقع، والعديد من النواب محل محاكمات، حتى أن البعض منهم في السجن، وتالياً يتعذر على أعضاء البرلمان أن يكونوا فاعلين.

ويضيف العبيدي، في تصريح لرصيف22، أن بيانات حركة النهضة، وتصريحات رئيسها راشد الغنوشي، هي مجرد تصريحات هلامية، وصرخات استغاثة، مذكّراً بأن حركة النهضة شهدت موجة استقالات كبيرة سببها الغنوشي، وفق تصريحات غالبية المستقيلين.

كما أشار المتحدث إلى أن البرلمان مرفوض شعبياً، ومنبوذ على مستوى الرأي العام، وأكبر دليل على ذلك هو الاعتداء على النواب الذين طالبوا باستئناف عملهم، وتم "تهريبهم"، حفاظاً على سلامتهم، مبيناً أن البرلمان لم يعد له وجود، وتعليقه مجرد مناورة؛ "كيف الحديث عن برلمان، في ظل تعليق العمل بالدستور، واعتزام تغيير القانون الانتخابي؟".

ويتوقع العبيدي أن تعاد الانتخابات التشريعية، في ظل دستور، وقانون انتخابي جديدين، معرباً عن أمله في أن تتم في وقتها (2024)، لأن تغيير القانون الانتخابي، والتحضير للانتخابات، يستغرقان وقتاً، وفق تعبيره.

البرلمان فقد قيمته القانونية!

مع تجاوز مدة تجميد عمل البرلمان الشهرين، طفت جملة من التساؤلات على السطح، حول مآل البرلمان، وهل تم تجميده، أم حله نهائياً؟ كما تواترت الدعوات المنادية بتقديم خريطة طريق توضح ملامح المرحلة المقبلة، والخروج من الحالة الضبابية التي من شأنها أن تضرّ بمصالح تونس، في الداخل والخارج.

من جانبه، يرى الباحث في القانون الدستوري رابح الخرايفي، أن البرلمان فقد قيمته القانونية، لأنه وفق الأمر 117، والأوامر الرئاسية السابقة، في عداد الانعدام القانوني، كون العلاقة القانونية بين النائب والدولة قد انتهت، وتم حجب منح النواب، وعُلّق نشاط البرلمان، وعُلّقت حصانة النواب، وفُقد المكان الذي يمارس فيه أعضاء مجلس نواب الشعب، أشغالهم.

ويضيف الخرايفي، في تصريح لرصيف22، أن تصريح حركة النهضة الذي عدّت فيه أن البرلمان في انعقاد دائم، جاء بعد انتهاء العطلة البرلمانية، متسائلاً: "كيف له أن يسيّر أعماله القانونية التي يجب أن تُختم من قبل رئيس الجمهورية؟ كيف سيتم الرجوع إلى العمل، في ظل فرار بعض النواب، وسجن البعض الآخر؟ هذه فوضى، ولا يمكن العودة إلى سير الأمور العادي للبرلمان".

ويصف المتحدث تصريح حركة النهضة، بأنه مجرد حدث سياسي لجلب الانتباه، وأنه طالما التصريحات سلمية، فمن حقها التعبير عن رأيها، عادّاً أنه لا خيار الآن إلاّ في استفتاء تشريعي، أو انتخابات تشريعية تتم عبر قانون انتخابي جديد.

بدوره، أكد نائب عن كتلة حركة النهضة رفض الكشف عن اسمه، في تصريح لرصيف22، أنه لم تعد تربطه أي صلة، لا بالبرلمان، ولا بالكتلة، عادّاً أن أمر كتلة النهضة ولَّى وانتهى، وأن البرلمان صفحة طُويَت، قائلاً: "عدت إلى مزاولة عملي، وتخليت عن صفتي كنائب".

يلاحظ المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، أن حركة النهضة تتجه تدريجياً نحو تغيير أسلوبها في التعامل مع رئيس الجمهورية قيس سعيد، على مستويين: "الأول هو رهانها على استعمال الشارع، لمحاولة ممارسة ضغط مباشر على رئاسة الجمهورية، والثاني تمسكها بشرعية البرلمان، لأن الرئيس مُصِرٌّ على عدّه من الماضي. وفي هذه النقطة، يلتقي مع العديد من الأحزاب التي تقر بأن أداء البرلمان سيء، لكنه شرعي"، وفق تعبيره.

وبيّن الجورشي، في حديثه لرصيف22، أن حركة النهضة تعيش عزلة سياسية من قبل الأحزاب جميعها، حتى التي تلتقي معها على مستوى تقييم الوضع في البلاد، والتمسك بالشرعية، ورفض الإجراءات الاستثنائية، وذلك حسب تقديره، لأن هذه الأحزاب ترى أنها لو مدت يدها إلى حركة النهضة، فسيكون الأمر على حساب شعبيتها، وستعرّض نفسها للمحاسبة الجماهيرية، خاصةً وأن الشارع تمرد على الحركة، ويحمّلها مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية. كما رجّح المتحدث أن تكون حركة النهضة قد أجرت اتصالات مع أحزاب أخرى، مستبعداً إمكانية انخراطها في جبهة للدفاع عن الدستور.

هذه العزلة المضروبة على الحزب، قد تدفع به نحو اتخاد خطاب أكثر صدامية، للعودة إلى الواجهة، ولو إعلامياً، في انتظار اتّضاح صورة البلاد التي أصبحت بوصلتها بين يدي الرئيس قيس سعيد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard