"أنا على باب الله"… أن تعمل ما تهوى وتحب بلا عائد مجزٍ أو منتظم

الأربعاء 13 أكتوبر 202106:15 م

أن تفضل ممارسة هوايتك دون البحث عن عمل آخر ليس أمراً سهلاً على الإطلاق، تحديداً إذا كنت تنعم بهواية غير مربحة، وأمام أعباء ومسؤوليات الحياة قد تظل الهواية مجرد هواية، لأنها لا توفر لك الدخل الثابت الذي توفره الوظيفة ذات الراتب الشهري المنتظم، لكن إذا استطعت مع هذا كله أن تحول هوايتك إلى عمل تتكسب منه فهذا أمر رائع، لكن مع بعض التنازلات.

ولكن ماذا تفعل أو تفعلين إن ضاقت بك اختياراتك، أو اتسع حبك لهوايتك، ولم ترغب أن يكون لها شريكاً؟

الكتاب بالنسبة لي عمر

سارة حسن (38 عاماً)، ليسانس آداب تاريخ، بائعة كتب، وتهوى القراءة منذ الصغر، تربت هي وأخواتها على حب القراءة، لكنها الوحيدة من بينهن التي قررت أن يظل الكتاب رفيقها طوال حياتها. قالت: "بعد تخرجي كان والدي يرغب أن أحصل على وظيفة ثابتة كمُعلمة في مدرسة، لكني كنت رافضة أن أعمل لدى شخص يستنزف مجهودي دون تقدير، وترسخت هذه الفكرة لدي عندما اشتغلت بوظائف مختلفة".

وأضافت: "العمل في بيع الكتب متعب ذهنياً وبدنياً، إلى جانب أنه في البداية لا يؤمن إلا القليل من المال، وإن زاد مع الوقت، فيظل غير ثابت، فأنت على باب الله".

فكيف تعاملت سارة مع الأمر؟

تقول سارة: "الكتاب في حد ذاته له أهمية كبيرة لدي، يمكن أن أحرم نفسي من أي شيء حتى أستطيع شراء كتاب، قد تمر سنة كاملة لا أشتري فيها ملابس جديدة، وقد أذهب إلى مكان سيراً على الأقدام من أجل توفير المال لاقتناء الكتب، إلى جانب أن جميع لقاءاتي مع الأصدقاء كانت بهدف البحث عن الكتب، أو لصنع الأحاديث عن الكتب".

هذا نفسه ما اتبعته سارة في عملها في بيع الكتب منذ عام 2016، وهو أنها كانت تعطي الكتاب قدره، وكأنها عملت في بيع الكتب من أجل إعطاء الكتاب قيمته دون انتظار المقابل، هذا ما يفسر رفضها في البداية العمل في بيع الكتب، وقبولها للأمر فيما بعد. قالت: "عندما اقترح عليَّ أحد الأشخاص الذين يعملون في بيع الكتب الأمر لما لدي من خبرة بالكتاب، اعتبرت العرض إهانة، فالكتاب هو ابني، كيف لي أن أبيعه؟ ولكن تقبلت الأمر، عندما رأيت أني سأمارس شيئاً أحبه، فأجلس وسط الكتب فترات أطول، خاصة أني أعمل تحديداً في بيع الكتب القديمة، وأعنى بترميم الكتب ومعالجتها قبل بيعها. قبلت المهنة بمتاعبها إذ ليس لدي وظيفة ثابتة براتب ثابت، قد أبيع كتب فتأتيني أموال وقد لا".

"اعتزلت الناس الآن، وأجرت شقة أعيش فيها وسط الكتب، فاكتفيت بالكتب، وأتمنى من الله أن أظل وسط الكتب إلى أن أموت"

وأكملت: "العمل في الكتب متعب لأقصى حد، فقد أتحرك مسافات بعيدة، وأنا أحمل ما يقارب الأربعين كيلوغراماً من الكتب، ومع تأثر العالم بالوباء العالمي، الذي بدوره أثر على حركة البيع والشراء، وكان الأكثر تأثراً من هم مثلنا لا يملكون وظيفة ثابتة، وقد أبيت أياماً وأنا مُدانة ببعض الأموال لكن الكتاب كان دوائي".

وفسرت سارة: "مررت بأحداث مُوجعة كان الكتاب دواءها، الكتاب هو الجليس الوحيد الذي لا يؤذيك أبدًا، فقد اعتزلت الناس الآن وأجرت شقة أعيش فيها وسط الكتب، فاكتفيت بالكتب، وأتمنى من الله أن أظل وسط الكتب إلى أن أموت".

شغفي في الفن

ليست سارة وحدها من تعيش "على باب الله" إنما استخدمت نادين خالد (26 عاماً)، ممثلة مسرحية، التعبير نفسه. قالت: "ناس كتير بتنصحني وبتقولي أن الفن غدار، لأن يوم بيبقى في فلوس وشغل، و10 لأ، وأنه لازم يكون في وظيفة ثابتة أصرف من خلالها".

نادين، حائزة ليسانس ألسن، تعمل ممثلة مسرح، وفي عام 2017 قررت أنها لن تعمل إلا في الفن، فماذا عن أعباء الحياة؟ أجابت: "أعمل في المسرح منذ كنت في الجامعة، فأنا أحب العمل الفني، وأجد شغفي الحقيقي فيه، ومع الوقت أصبحت أعمل في عروض خارج الجامعة وأتقاضى عنها أجراً ضئيلاً لكنه يُلبي متطلباتي التي هي ليست كثيرة، أحتاج فقط لأجرة المواصلات، وطعامي اليومي حيث أقضي وقتاً طويلاً خارج المنزل، خلال الأيام التي أعرض فيها ليلًا".

وأضافت: "معنديش مشكلة أن في يوم اتغدى في مطعم كبير وأنا معايا فلوس، وفي يوم تاني أكل سندوتش كفتة ب 10 جنيه، في يوم اخرج وأسافر لو معايا، وفي يوم اقعد في البيت".

ما هي أسباب إصرارها على العمل الفني رغم أن المقابل غير مجزٍ وليس مضموناً؟ قالت: "أنا شايفة أني اتخلقت عشان اشتغل في الفن، ومعنديش استعداد أشتغل في وظيفة تقتل الفن فيا، كل لحظة من حياتي بهديها للفن، لو قاعدة في البيت بتفرج على فيلم، أو بسمع مزيكا، أو بمثل مع نفسي".

الفن بالنسبة لنادين أولوية قبل أي شئ آخر في حياتها، حسبما قالت.

أحببت المخاطرة

"اشتغلت كذا شغلانة وأنا في الجامعة، عشان اعرف بس أكمل في الفن لكن ما اعتمدتش على أي شغلانة منهم، عشان تكون شغلانتي الأساسية"، قال محمود طنطاوي (29 عاماً) ليسانس آداب، مخرج مسرحي.

لا يمتهن محمود أي عمل آخر سوى عمله في الفن، يعيش من خلاله، ومن أجله. قال: "أنا كنت بشتغل في الفن، وأنا مش مستني منه فلوس، وكنت بدفع من جيبي عشان أطلع عروض، وأنا شغال كنت بدعي ربنا أنه يرزقني منه، عشان أجيب فلوس من الحاجة اللي بحبها".

وأضاف: "بعد مرور فترة من العمل كمخرج مسرحي، بدأت تتولد لدي أفكار أني لو عملت في أي مهنة أخرى إلى جانب الفن، قد تبعدني هذه المهنة عن الفن، خاصة أن العمل الفني مُرهق جداً، أيام يوفر المال وأيام لا، لكن السعي المستمر قد يجعل هذه الهواية تتحول إلى عمل يوفر دخلاً ما".

ماذا تفعل إن كانت هوايتك، في تمثيل المسرح أو كتابة المقالات، لا تدر لك دخلاً ثابتاً أو منتظماً، هل ستجمع بينها مع وظيفة ثابتة مجزية، أم تتفرغ لها، يقول فنان مسرحي: "لقد أحببت المخاطرة"

وبالطبع سيأتي يوم ويصبح مسؤولاً عن بيت، وأسرة، فكيف سيتعامل مع الأمر؟

أجاب محمود: "الآلاف متزوجون ولديهم أسر مسؤولون عنها، ومهما كانوا يتكسبون من عملهم في المجال، فهو غير مضمون، فالمال قد ينفد، إذا ظللت فترة لا يأتيك عروض تقدمها، أو طلبات تصوير، فعليك بالسعي طوال الوقت، ورغم إرهاق العمل الفني، وضغطه المستمر، له متعته، متعة المخاطرة. في أحد الأيام سأخاطر بوجود شخص يصبح مسؤولاً مني، وأنا أعمل في الفن ليس غيره، وأتحمله بكل ما فيه من عيوب ومميزات".

"مش فارق"

"الماديات مهمة طبعاً، لكن بالنسبة لي الكتابة أهم، يعني ممكن أشتغل بفلوس أقل، وأبقى بمارس هوايتي اللي بحبها". عبرت هويدا أبو سمك (٣٤ عاماً)، صحافية (فري لانس) عن مدى حبها للكتابة، وإصرارها على العمل بها رغم أنها لا توفر لها دخلاً ثابتاً، قائلة: "الكتابة قادرة على تفريغ الطاقة السلبية وشحناتها، فعدم تفريغ هذه الشحنة قد يُسقط صاحبه في فخ الاكتئاب، خاصة لو كان الشخص معتاداً على الكتابة".

وعن تجربة الوظيفة الثابتة، قالت: "أنا من محافظة كفر الشيخ، بعد تخرجي من كلية الآداب قسم الإعلام، تركت قريتي وجئت إلى القاهرة بهدف البحث عن عمل في مجال دراستي، لكن الحال لم يسر كما يجب، وكنت وقتها مسؤولة عن نفسي مادياً. فعائلتي لم تكن مؤيدة قرار سفري لكنها أيضًا لم تمنعني، لذلك كنت أسعى للاعتماد على نفسي".

ورغم محاولات هويدا أن تظل الكتابة هوايتها في المقام الأول، وعملها كذلك التي تتكسب منه لكنها اضطرت إلى العمل في وظيفة سكرتارية في إحدى الشركات، حتى تحقق بعضاً من الاستقرار المادي، وبالفعل آمنت الوظيفة لها بدل إيجار شقتها، كما وفرت زادها، وما يعينها على المعيشة. قالت: "خلال السنة التي عملت بها في هذه الشركة، كنت أعاني بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شعرت أني كالضائعة التي تركت حلمها من أجل لقمة العيش، ولم يكن أمامي حل آخر فما باليد حيلة، إلى أن جاءت لي الفرصة واستطعت ترك وظيفة السكرتيرة، وعدت للكتابة مرة أخرى".

تعمل الآن هويدا صحافية بلا دوام، وبالطبع دخلها ليس ثابتاً. وتعليقها على هذا: "مش فارقلي الدخل الثابت، الأهم أعمل حاجة بحبها بشكل يتناسب مع ظروفي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard