خاضعون ومغامرون... أفكار وهواجس الشباب العربي بين الوظيفة والعمل الحر

الخميس 19 سبتمبر 201906:49 م

جفَّ حَلْقُ لطيفة، معلمة مغربية (26 عاماً)، من كثرة التردد والخوف، لطالما حلمت بالوظيفة الحكومية التي تؤمِّن حياتها حتى الممات، ويقع التدريس في بلدها المغرب، ودول عربية أخرى، على قمة هرم الأمان الوظيفي للشرائح المتواضعة اقتصاديا من الطبقة الوسطى، وخريجي التخصصات الأدبية.

"أنا حذرة، مستقبلي المهني يشوبه الغموض، وقد أطرد من وظيفتي في أي وقت" تقول لطيفة لرصيف22.

لا تحبّذ لطيفة العمل في القطاع الخاص، ترفض أجواء الضغط والتوتر وانعدام اليقين الخاص بالمستقبل، وشروط العمل "المجحفة"، والخرق في قوانين العمل، كلها أسباب تراها مقنعة لترفض وظائف هذا القطاع.

جهد عضلي وأنشطة شاقة

عن ظروف العمل بمصانع القطاع الخاص، تحكي لطيفة: "اضطررت للعمل في المصانع، عمل يطبعه الجهد العضلي والبدني والأنشطة الشاقة، في البداية واجهتُ صعوباتٍ في التواصل والاندماج مع هذه المهنة، بحكم أنني شابة متعلمة وحاصلة على إجازةٍ جامعيةٍ، لم أستسغ أن أعامل بشكل منحط أو أتعرّض لمضايقات الكابران (المسؤول عن العمال)، ساعات العمل غير محدّدة ويتم خرقها من قبل المشغّل، وأيضاً التعويض عن الساعات الإضافية، إذ تبدأ من الساعة السابعة صباحاً إلى حدود منتصف الليل، مع ساعة واحدة كاستراحة لتناول الغداء".

"لم أستمر في هذا الوضع، لم أعد أحتمله لأنه عمل غير مؤمَّن بالنسبة لي"، تردف لطيفة.

ما قالته لطيفة تؤكّده دراسة تحت عنوان "الوجه الخفي لغياب الأمان الوظيفي"، أجراها باحثون من جامعات أوروبية، إذ أفادت بأن القطاع الصناعي المنتمي للقطاع الخاص حول العالم، بما فيه أعمال البناء وكل الأنشطة ذات الطابع البدني، يتأثر بنظام عملٍ غير مؤمَّن للعامل.

وتضيف الدراسة، بأنَّ هذا القطاع معرض لأن يكون محفوفاً بالمخاطر بشكل خاص، بسبب الطبيعة الموسمية للأعمال، وقابليتها للتأثر في أوقات الركود الاقتصادي.

لكن مهن هذا القطاع "شرّ لابد منه"، على حد وصف معظم المغاربة، في ظل شحِّ وظائف القطاع العام، وازدياد الطلب عليها.

حرية وعدم استقرار

على نقيض لطيفة، غادر محمد، كاتب صحفي ومترجم مستقل تونسي (34 عاماً) الوظيفة الحكومية،  كأستاذ لمادة الشعر الفرنسي بإحدى جامعات تونس.

أحب محمد التدريس في قطاعات حكومية، إذ توفر له الأمان من جهة، ومن جهة أخرى هو شغف بهذه المهنة، يرى أنه وُلد ليكون معلماً، لكنه صُدم بالظروف المعيشية الصعبة، وفقدان الوظيفة لمعناها بالنسبة إليه.

"كنت أحس بنفسي أحرث البحر، خاصة عندما أصحح أوراق الامتحانات"، يحكي محمد عن تجربته المهنية.

بوضح محمد في حديث لرصيف22: "ما يزيد الأمور سوءاً هو كره الطلبة للمادة وضعف تفاعلهم معها، كانت تلك الفترة من السنة الجامعية بمثابة قطعة من العذاب، إذ أحسستُ بعبثية كل الجهد الذي بذلته، ويصيبني الإحباط مما يكتبه الطلبة، حتى أنني كنت أتساءل عن الجدوى من مواصلة التدريس رغم أن هذه المهنة كانت حلمي منذ الطفولة".

يشير ديفيد غرابر، الأنثروبولوجي الأمريكي، في طرحٍ راديكالي حول الوظائف البيروقراطية الحكومية، وحتى كثير من مهمّات العمل الحر، إلى أن طبيعة العمل فقدت الكثير من معناها، يرى بأن الشكل الرأسمالي الحالي المسيطر على آلية العمل في العالم يعمل بطرق عديدة لخدمة السلطة السياسية، وبعضه عديم الفائدة، ولا يهدف إلى "الإنتاجية المثمرة"، ولكن يمتص الفراغ الذي يشكل خطراً ووبالاً على الطبقة الحاكمة وهي، أي السلطة، تستثمر في خطاب أخلاقي غايته إقناع عامة الناس أن "الإنسان الذي لا يسخر كل طاقاته وإمكاناته من أجل عمل يقضي فيه أغلب وقته لا يستحق مقابلها أي قيمة داخل المجتمع".

أحبَّ محمد التدريس في قطاعات حكومية، إذ توفر له الأمان من جهة، ومن جهة أخرى هو شغف بهذه المهنة، يرى أنه وُلد ليكون معلماً، لكنه صدم بالظروف المعيشية الصعبة وفقدان الوظيفة لمعناها بالنسبة إليه.

يعمل محمد حالياً في مجالات الكتابة الصحفية، و الترجمة، و تحرير المحتوى الإلكتروني، هو لا ينكر صعوبات هذا القرار من الناحية الاقتصادية المرتبطة بمعيشته ومدخوله المادي، فالعمل المستقل له طائلته، مؤسسات تتأخر في إرسال المستحقات، و أخرى لا تنتظم، و ثالثة تنهار إما بسبب مشاكل في التمويل أو ما شابه ذلك، يحاول أن يعالج الأمر بمزيد من المرونة و التوازن من خلال التعامل مع أكثر من جهةٍ و مؤسسةٍ، و خلق علاقات أكثر متانة مع أهل المجال، لكن هذا لا يمنع من حضور –بين الفينة و الأخرى- أمور شخصية يصفها بـ"المعقدة".

"مهما كان مدخولك من عملك كفري لانسر فهو غير كاف، وقد تمر بأشهر من الرخاء وأخرى من الشدة والنقص"  

"مهما كان مدخولك من عملك كفري لانسر فهو غير كاف، وقد تمر بأشهر من الرخاء وأخرى من الشدة والنقص، لذا يجب عليك أن تضمن حداً أدنى من المستحقات شهرياً، وأن تتعلم كيف تدّخر وتقسم الدخل على أشهر، وهذا ليس بالهين، فهناك وسائل إعلام ومواقع ووكالات تتأخر في دفع المستحقات وأخرى تصرفها كل بضعة أشهر وليس شهرياً، كما أن العديد من وسائل الإعلام تجد نفسها مجبرة على غلق أبوابها إما لتفاقم عجزها المالي، أو لأن الجهات الممولة قررت التوقف عن التمويل لسبب أو لآخر"، يقول محمد.

أدخلت التكنولوجيا وثورة الاتصالات "ثقافةً غريبةً" للعمل لا تتبنّى النظام الهرمي، أو مواعيد ثابتة، تتعامل مع أشخاص لا تراهم، أحياناً يكون غريباً أن تحدد مسمى وظيفتك.

يحكي محمد: "عندما يسألني أحد ماذا تعمل؟ عادة ما أتردد في الإجابة: هل أنا مترجم أم صحفي أم محرّر محتويات إلكترونية؟ أم كل هذا وذاك؟ وبعد الإجابة عن السؤال الأول عادة ما يأتيني الثاني: أين تعمل؟ والإجابة هنا أصعب، أعمل في البيت أمام التلفاز، وأحياناً في الشرفة، وأحياناً في المطبخ، وعندما أَضجر من البيت أحمل حاسوبي إلى المقهى أو قرب البحر أو أي مكان آخر".

"لا أمان وظيفي بدون بيروقراطية"

في الوقت الذي تتمسّك فيه لطيفة بالوظيفة بالقطاع الحكومي وتناضل من أجل الحصول عليها كحق يكفله الدستور المغربي، يعتقد محمد بأن الوظيفة تعتبر بمثابة "سجن" رغم ما توفره من استقرارٍ مهني.

يشدّد محمد على ما يقدمه له العمل من امتيازات، والأهم من ذلك، الحرية والمرونة قياساً بالعمل المؤسساتي الذي يطبعه النمط البيروقراطي والصرامة واحترام شكليات العمل.

يعي محمد تمام الادراك بأن العمل المستقل هو مرادف لعدم الاستقرار وللقلق المستمر وللحسابات المرهقة ذهنياً، وهي أمور قد تجعله أحياناً يفكر في الرجوع لمهنة التدريس الحكومي أو أي عمل ثابت.

رغم ما يقدمه عمله من حرية محفوفة بالمخاطر، إلا أن ذلك لن يمنعه من الرجوع إلى الوراء، الأمر بات مرتبطاً بنمط حياته اليومي.

يقول محمد: "من الصعب التخلي عن وضعية تسمح لك بالعمل وأنت تلبس تبانا (شورت)، وتجلس في مقهاك المفضل"

"من الصعب التخلي عن وضعية تسمح لك بالعمل وأنت تلبس تبانا (شورت)، وتجلس في مقهاك المفضل".

"العمل كفري لانسر يخلّصك من التبعية ومن الاضطرار لتحمّل المديرين والزملاء، ويمكنك من الكتابة في مواقع قريبة من أفكارك ومواقفك، وأن تختار متى وأين ومع من تكتب وتترجم وتنسق"، يقول محمد.

حديث محمد هذا، يعكس تغيرات نفسية واجتماعية تضرب العالم كله بسبب التكنولوجيا، تنبأ بها قبل سنوات المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه "الثقة، الفضائل الاجتماعية و دورها في خلق الرخاء الاقتصادي" بأن "الثورة التكنولوجية ستأذن بنهاية المؤسسات التراتبية السلطوية على اختلاف أنواعها، سياسية كانت أو حتى اقتصادية أو اجتماعية".

والأكثر من ذلك، يرى فوكوياما أن مركزية السلطة "ستفكّك وتوزع على الناس العاديين، ومن تم تحرر الجميع من قيود المؤسسات التراتبية الاستبدادية التي عملوا بها وانضووا تحت لوائها ردحاً من الزمن"

كلام فوكوياما يوجز فكرة دمقرطة العمل واعتمادها مبدأ التشارك، ويوحي بأن البيروقراطية إلى زوال مع مرور الزمن.

 زملائي العاملون في هذه المؤسسات صامتون على السوشال ميديا، لأن هناك جهاز رقابي، واحتمال أن يتم فصلهم عن العمل، ونحن المستقلون (الفريلانسرز) نعمل، و نعبر عن مواقفنا،لكننا ندفع ضريبة حريةٍ مشوبةٍ بالمخاطر"

"البطء والحرية والوضوح"

وضع ماجد، اسم مستعار، كاتب حرّ سوري مقيم في مصر (32 سنة) يجسَد ما كتبه فوكوياما، إذ بات يرى في الثورة التكنولوجية نعمة،بفضل تحرّره من سلطة الإدارة التراتبية (مثل زميله محمد)، و ما تقدمه من فرص عمل كما يريد وفقاً لأفكاره، و قضاياه التي تشغله، و تفتح له باب الانتشار في أن يكون كاتباً معروفاً على المستوى المحلي، و الإقليمي دون النظر لنشاطاته السياسية السابقة،أو مواقفه الفكرية.

يقول ماجد لرصيف22: "لا أعتبر نفسي ناشطاً سياسياً، وإنما كاتب أتاح له العمل الحر –رغم مساوئه- أن يشعر بأنه حي، ويشارك الناس همومهم، وقضاياهم، وآلامهم، وأن يخوض في مواضيع متنوعة وجريئة يصعب عليه أن يتناولها في مؤسسات تقليدية".

في المقابل، ينتقد ماجد نسق المؤسسات التقليدية التي يراها بأنها "مُتكلّسة"، وتكرّس لفكرة "الامتثال الكلي لأدبياتها و قوانينها".

يقول ماجد: "عندما تعمل ببطء و تعمل بشكل حر تكتب بشكل واضح وصادق، لكن عندما تعمل في مؤسسة بيروقراطية لن تستطيع أن تعبر عن رأيك، يجب عليك أن تحابي دوماً نظام المؤسسة، وأن تكون حذراً  فيما تقوله عبر السوشال ميديا".

يوجز ماجد وضع العمل بين الحر و المؤسساتي: "النتيجة أن زملائي العاملون في المؤسسات هنا، صامتون على السوشال ميديا، لأن هناك جهاز رقابي، واحتمال أن يتمّ فصلهم عن العمل بسبب آرائهم، هم يدفعون ضريبة الأمان الوظيفي، ونحن المستقلون (الفريلانسرز) نعمل، ونعبر عن مواقفنا كما نريد، لكننا ندفع ضريبة حريةٍ مشوبةٍ بالمخاطر".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard