الرجل الذي يشبه قصر الملك عباس

الاثنين 11 أكتوبر 202106:12 م
"شبه قصر الملك عباس"، أحد الأمثال الشعبية الشائعة لدى المصريين من بدو سيناء، ويقصد به قصر الخديوي عباس حلمي الأول، الذي يرتفع على أحد جبال سانت كاترين الشاهقة.

قصر مهيب، لم يكتمل بناؤه، لذا إذا سمعت هذا المثل يقال هناك في حق شخص ما، فهو يعني أن عمل هذا الشخص الذي يشبه قصر الملك عباس مشوب بالنقص وعدم الاكتمال، وبمعنى أقرب للمثل المصري المعروف: "زي اللي رقص ع السلم، لا اللي فوق شافوه ولا اللي تحت سمعوه".

هكذا كان حال بناة قصر الخديوي عباس حلمي الأول، كمن رقصوا على السُلم، أعوام من العمل على مد الطرق وتمهيد الجبل لتسهيل حمل الرخام والغرانيت للأعلى والتخطيط لبناء القصر من طابقين، ثم بناء الطابق الأول من القصر مع ما يصاحب ذلك من صعوبات شديدة، ثم يأتيهم فجأة خبر موت الخديوي الذي كان قد أمر ببناء القصر، وهو مات على نحو غرائبي وقصره بقي ناقصاً على نحو غرائبي أيضاً، بحسب روايات سمعتها من السكان هناك.


موسى نصر من قبيلة الجبالية، وهي إحدى أقدم القبائل في هضبة كاترين، لديه تاكسي يعتمد عليه في جلب الرزق عن طريق نقل السياح الوافدين لزيارة الدير الشهير أو الراغبين في الذهاب لتسلق جبل موسى أو النزول لوادي التلعة وغير ذلك من الأماكن التي تميز المكان وتمنحه فرادة شديدة، إلا أن توقف حركة السياحة منذ تفشي وباء كورونا أطاح مصدر رزقه، مثله مثل الكثيرين من أبناء الوادي المقدس (سانت كاترين).

القبائل التي تسكن سانت كاترين، لا يرددون المثل المصري "زي اللي رقصت على السلم"، يستبدلونه بـ"الرجل الذي يشبه قصر الملك عباس" فما سر سطوة هذا المكان على سكانه؟

لكنه مع ذلك كان أفضل حظاً من أقرانه، إذ يصحو مبكراً كل يوم لا لنقل السياح هذه المرة، وإنما لأداء بعض المهام الروتينية بالمشفى الوحيد الموجود بالمدينة، وهناك يعرج في طريقه على أحد المقاهي القليلة بالمدينة الصغيرة، التي اكتسبت على مدار الزمن قداسة روحية وتاريخية معاً، يتبادل التحية على طريقة بدو سيناء مع ابن عمه رمضان الجبالي، الحاجب الأيمن بالحاجب الأيمن مع قبلة في الهواء.

قد يجلس معه لتناول كوب صغير من الشاي البدوي المغلي المضاف إليه بعض الأعشاب السيناوية الصحية والمحسنة للمزاج، ومن المؤكد في كل الحالات أن عينه ستقع أثناء ذلك على قصر الملك عباس أعلى الجبل المواجه للمقهى، بجلاله الكامل ونقصه المهيب.


رؤية القصر عادة

ليس موسى نصر هو الشخص الوحيد الذي اعتاد رؤية منظر القصر كل يوم، فبإمكان أي شخص من قبائل الوادي المقدس رؤية المبنى المعلق أعلى الجبل من أي مكان في هضبة كاترين، ومنذ عام 1854 حين توقف بناء هذا المبنى مع وصول خبر وفاة الخديوي (أو مقتله)، لم يتوقف القصر عن أن يكون جزءاً من الحياة اليومية للسكان المحليين.

رجب الجبالي هو أفضل شخص يمكنه أن يخبرك عن قصر الخديوي، هكذا أخبرني موسى، رجب الذي يعتمد عمله على الخروج في رحلات السفاري إلى معالم كاترين المختلفة التي من بينها قصر الملك عباس بطبيعة الحال، كان قد أخبر رصيف22 عن بعض المعلومات التاريخية المختلطة بالمعتقدات الشعبية لقبائل سانت كاترين عن القصر.

أساطير القصر

بحسب الجبالي، فإن الخديوي عباس حلمي الأول كان قد أمر ببناء هذا القصر على إثر مرضه بالقلب (أو بمرض الربو)، فنصحه الأطباء باختيار مكان يتميز بنقاء جوه لعله يساعده على التعافي من مرضه، وكان الاختيار قد وقع على هضبة كاترين أنقى الأماكن جواً في بر مصر. وهناك وجّهه رهبان دير سانت كاترين لأحد الجبال البعيدة نسبياً عن الدير، حتى لا يؤثر قرب القصر على حياة الزهد والتعبد التي اختارها الرهبان لأنفسهم، وهكذا بدأ جنود الخديوي في تمهيد الطريق وصولاً لأعلى الجبل، واستغرقت تلك العملية 10 سنوات، إلا أن الخديوي وافته المنية قبل أن يكتمل بناء القصر عام 1835، ما نتج عنه توقف أعمال البناء إلى غير رجعة.

تقول الرواية الشعبية إن أطباء الخديوي كانوا قد أجروا تجربة بدائية لاختيار أفضل الأماكن في مصر من حيث نقاء الجو، فوضعوا قطعاً من اللحم النيء في أماكن متفرقة في أرجاء القطر، ثم اختبروا الزمن الذي تتخذه كل منها حتى تفسد، وهناك في هضبة كاترين وأعلى الجبل الذي يقع عليه القصر المهيب غير المكتمل، كانت أطول مدة تبقى فيه قطع اللحم صالحة، وهي قصة أشبه بقصة قرأتها عن أحد أشهر الأطباء والعلماء بالتاريخ الإسلامي أبو بكر الرازي، الذي استخدم الطريقة ذاتها لاختيار مكان يتسم بنقاء الهواء يصلح لبناء مستشفى ببغداد.

على أحد جبال "سانت كاترين"، وفي منطقة تتسم بالهدوء والروحانية، والعامرة بالرهبان، قرر الملك عباس، الموصوف بالغامض، والمصاب بالشك أن يبني قصره هناك، ولكن البناء لم يكتمل، وتختلف روايات الأهالي عما يقوله المؤرخون

قصة بناء القصر التي يعرفها موسى نصر ورمضان ورجب الجبالي وغيرهم من بدو كاترين ويحكونها بإجماع على أغلب التفاصيل مع بعض الاختلافات الطفيفة، هي في النهاية قصة تعبر عن المخيال الشعبي حين يختلط بالحقيقة التاريخية، لكنها ساهمت في منح القصر بعداً روحياً وغرائبياً يناسب طبيعة المكان الذي بني عليه.

قصة تتناسب مع طبائع قبائل كاترين الهادئة، أولئك الذين يؤمنون بالقوة الروحية الشافية التي يمنحها الوجود في جبال كاترين، فالرجل ذهب إلى هناك وأمر ببناء قصر للاستشفاء، أما الرواية التاريخية فهي ترجح أن عباس حلمي الأول شرع في بناء القصر لميله للعزلة وخوفه المرضي من أعدائه السياسيين.

وخلاصة الرواية الشعبية إن الأقدار لم تمهل عباس حلمي باشا حتى يكتمل بناء مشفاه المهيب أعلى الجبل، لو كانت الأقدار قد أمهلته عاماً إضافياً كان سيذهب إلى القصر ويحصل على الشفاء التام، أما الرواية التاريخية فتقول إن عباس حلمي مات مقتولاً على يد "عبدين" من "عبيده" عام 1854.


ما رواه المؤرخون

تقول المؤرخة المصرية سهير حلمي في كتابها "تاريخ أسرة محمد علي" متحدثة عن شخصية عباس حلمي الأول: "أما نشأته فكانت عثمانية منغلقة، وعانى طويلاً من مرض الصرع، فكان دائم الشك، يؤمن إيماناً شديداً بنظرية المؤامرة التي كان يتوقعها دائماً من أفراد أسرته، فازدهرت في عهده الجاسوسية".

وبحسب سهير حلمي، فإن عباس باشا الأول كان أحد أكثر حكام الأسرة العلوية غموضاً، وصف الغربيون مدة حكمه القصيرة باعتبارها عصراً للرجعية، وعلى عكس جده محمد علي صاحب الإنجازات التقدمية والتوسعية، كان عباس حلمي يميل للعزلة والانكماش داخل عالمه، إذ قلص علاقات مصر مع فرنسا وطرد الخبراء الفرنسيين من مصر، ورفض مشروع حفر قناة السويس في عهده، وهو ما قد يفسر كره المؤرخين الفرنسيين له، لكنه بطش كذلك بالعديد من أفراد الأسرة الحاكمة من بينهم ولي العهد نفسه (عمه محمد سعيد باشا).

كان يميل لبناء القصور في أماكن بعيدة عن مركزية الحكم المعتادة في القاهرة.

وإلى جانب ذلك كان يميل لبناء القصور في أماكن بعيدة عن مركزية الحكم المعتادة في القاهرة، من بينها قصر العباسية، حينما كان حي العباسية صحراء جرداء خارج أسوار القاهرة، وهو ما يرجح أن هضبة كاترين النائية كانت أحد الأماكن التي اختارها لغرض العزلة والابتعاد من أعدائه السياسيين، لكن القدر لم يمهله في هذه الرواية أيضاَ، إذ اغتيل قبل أن يكتمل بناء القصر، ليتولى من بعده عمه سعيد خديوية مصر.

يقول ناعوم بك شوقير في كتابه "تاريخ سيناء وجغرافيتها" عن عباس حلمي الأول وقصره: "شرع في بناء قصر جميل على جبل طلعة غربي جبل موسى، وشرع في مد طريق من مدينة الطور إلى القصر، لكن عاجلته المنية قبل أن يتمه".

في صباحاتهم الهادئة على هضبة كاترين وبين جبالها الجليلة، حيث يؤمنون أن في هذه البقاع وهذا الجو النقي المعطر بروائح البعثران والحبق شيئاً ساحراً يشفي الأجساد والأرواح، ربما سيختار موسى نصر ورمضان ورجب الجبالي وغيرهم من قبائل الوادي المقدس في كل مرة روايتهم هم لا الرواية التاريخية.

وأياً كان قدر الاختلاف في الروايتين يظل القصر غير المكتمل جزءاً من تراث السكان المحليين ومخيالهم وأمثالهم الشعبية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard