من صديق مقرب للخميني إلى خائن في الجمهورية الإسلامية... من هو بني صدر؟

الأحد 10 أكتوبر 202112:37 ص

أعلنت عائلة أول رئيس جمهورية لإيران بعد الثورة الإسلامية أبوالحسن بني صدر في بيان يوم 9 تشرين الأول/أكتوبر العام الجاري عن وفاته في مستشفى سالبترير في باريس عن عمر ناهز الـ88 عاماً، وبعد صراع طويلٍ مع المرض.

وجاء في هذا البيان: "بأسف بالغ وقلب مليء بالأسى نبلغ أمة إيران الكريمة وأتباع ونشطاء طريق الاستقلال والحرية عن وفاة أبو الحسن بني صدر بعد صراع طويل مع المرض".

وأعلن البيان أن بني صدر "بصفته الرئيس المنتخب للشعب الإيراني بعد ثورة فبراير 1979، دافع عن الحريات ضد الاستبداد والقمع الجديد باسم الدين، كما دافع عن وحدة أراضي إيران كقائد أعلى بعد غزو العراق".

من هو بني صدر

ولد بني صدر عام 1933 في مدينة هَمَدان، شمال غرب إيران. كان والده نصر الله بني صدر، رجل دين بارزاً وثرياً، ومن المقربين من روح الله الخميني الذي قاد الثورة الإسلامية الإيرانية.

درس بني صدر حتى الثانوية في مدينة همدان، وعارض والده الذي كان يطالبه بالذهاب إلى المدرسة الدينية (الحوزة العلمية) لكي يصبح رجل دين مثله. فدرس بني صدر البكالوريوس في الاقتصاد والقانون الإسلامي في جامعة طهران. وبعد تأسيس معهد الدراسات والأبحاث الاجتماعية في طهران من جانب فرح، زوجة شاه إيران، محمدرضا بهلوي، في عام 1958، عمل بني صدر لمدة 4 سنوات في هذا المعهد.

تزوج عام 1960 من ابنة مدينته عذراء حسيني، وأنجبا ابنتين وولد. تزوجت ابنته فيروزه من مسعود رجوي، زعيم منظمة مجاهدي خلق المعارضة الإيرانية، عندما كانت في الـ18 من عمرها، لكنها انفصلت منه بسبب خلافات بين رَجوي ووالدها.



كان بني صدر من محبي وأنصار محمد مصدق رئيس الوزراء الإيراني الأسبق الذي أمم النفط في إيران، وكان ينتمي إلى حزب الجبهة الوطنية. خلال فترة دراسته في جامعة طهران كان مسؤولاً للمنظمة الطلابية لحزب الجبهة الوطنية، وكان ممثل طلاب كلية قانون جامعة طهران في مؤتمر حزب الجبهة الوطنية عام 1962.

كان يعتقد منتقدو بني صدر في الأيام الأولى للثورة الإسلامية أن الخميني فتح المجال أمام بني صدر وأعطاه صلاحيات كثيرة، لكن بني صدر نفى هذا الأمر

كان يعتبر ممثل الطلاب المعارضين للشاه، ودخل السجن مرتين لهذا السبب. شارك في تظاهرات 5 تموز/يوليو 1963 التي نظمت احتجاجاً على إلقاء القبض على الخميني بعد إلقائه خطاباً غاضباً هاجم فيه الشاه محمد رضا بهلوي، وأُصيب في هذه التظاهرات.

كان بني صدر من الطلاب الإيرانيين الذين ذهبوا في خريف عام 1963 إلى العاصمة الفرنسية باريس للدراسة ‏بمساعدة إحسان نراقي، رئيس معهد الدراسات والأبحاث الإجتماعية. ويقال إن والده الثري وذا النفوذ كان له دور في إرسال بني صدر إلى باريس لإبعاده عن السياسة ومشاكلها.

بدأ بني صدر الدراسة في ‏فرع الاقتصاد في جامعة سوربون في باريس، واستمر فيها حتى حصل على شهادة الدكتوراه في ‏الاقتصاد. كان يتقن اللغة الفرنسية والعربية، وكتب العديد من الكتب والمقالات. ‏

التقرب من الخميني

خلال فترة إقامته في فرنسا، استمر بني صدر في نشاطاته السياسية ضد الشاه. كانت تربطه علاقات عائلية وثيقة ‏بالخميني؛ فعندما كان في الـ38 من عمره التقى في مراسم تشييع جثمان والده في النجف عام 1971 بالخميني، وأصبح بعد ذلك من أصدقائه المقربين ومن محبيه.

أثناء إقامة الخميني في باريس كان بني صدر يُعتبر أحد أقاربه ومستشاريه، وساعده كثيراً خلال تلك الإقامة. بعد عودة الخميني إلى إيران في 3 شباط/فبراير 1979 وقبل أيام من انتصار الثورة، عاد بني صدر معه إلى طهران، وأصبح أحد المقربين منه.



يقال بأن علاقة بني صدر القريبة بالخميني والدعم المتبادل بينهما أدى إلى صعوده سلم التقدم في الأيام الأولى للثورة الإسلامية في إيران وتقلده مناصب عالية في الجمهورية الإسلامية في بداية أيامها، وكان يعتقد منتقدو بني صدر في الأيام الأولى للثورة الإسلامية أن الخميني فتح المجال أمام بني صدر وأعطاه صلاحيات كثيرة، لكن بني صدر نفى هذا الأمر في مقابلة مع قناة بي بي سي الفارسية، وقال إن الخميني لم يدعمه أبداً.

بني صدر بعد انتصار الثورة

بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتولي الحكومة المؤقتة مقاليد الحكم، عُين بني صدر نائباً لوزير الاقتصاد والمالية، ثم وزيراً للاقتصاد والمالية، كما أصبح عضواً في مجلس الثورة. كان بني صدر من معارضي اقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز الرهائن فيها على عكس كبار الثورة الإسلامية.

بعد وقت قصير من استقالة الحكومة المؤقتة الإيرانية برئاسة مهدي بازَركان، التي كان يعتبرها بني صدر حكومةً "غير ثورية"، ترشح للرئاسة بدعم من رجال الدين، وفي 26 فبراير 1980 وبحصوله على 76 في المئة من الأصوات، بنحو 11 مليون صوت، انتخب كأول رئيس في تاريخ إيران بعد انتصار الثورة الإسلامية.

كما أصبح عضواً في مجلس الخبراء الذي كان مسؤولاً عن صياغة دستور الجمهورية الإسلامية من آب/أغسطس إلى شباط/نوفمبر 1979. وبحسب أحد رجال الدين الحاضرين في هذا المجلس، كان بني صدر أحد المعارضين لإدراج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور الإيراني.

بعد شهر من فوزه في الانتخابات الرئاسية، عُين بني صدر بأمر من الخميني في منصب رئيس مجلس الثورة. وتم تعيينه بعد فترة قصيرة القائدَ العام للقوات المسلحة. كانت له خلافات شديدة مع حزب الجمهورية الإسلامية، وقادته منهم محمد بهشتي، وأكبر هاشمي رفنسجاني. ورغم هذه الخلافات وافق على تعيين محمد علي رجائي، رئيس الوزراء رغم معارضته معه.

توترت العلاقات بين بني صدر وبين رئيس الوزراء، والمجلس الوطني (البرلمان) الذي تم تغيير اسمه إلى مجلس الشورى الإسلامي، وحصلت خلافات شديدة بينه ورئيس الوزراء بشأن انتخاب العديد من الوزراء. ورغم أنه كان رئيس تحرير صحيفة باسم "الثورة الإسلامية" لكنه اشتبك مع معظم رجال الدين الكبار في الجمهورية الإسلامية، وعارضهم.

مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في أيلول/سبتمبر 1980، بعث بني صدر برسالة إلى الخميني وصف فيها حكومة رئيس الوزراء بأنها غير كفوءة، وهي "تهديد أكبر من غزو العراق للبلاد". كانت له مواقف تتعارض مع قادة الجمهورية الإسلامية في كيفية التعامل مع الحرب، وكان يدعو إلى تعزيز دور الجيش في الحرب بدلاً من الحرس الثوري.



تدريجياً، نشأت المزيد من الانقسامات بينه وبين رجال الدين في النظام الإسلامي، وخاصة الخميني، وإثر هذه الخلافات، اختبأ لفترة، على الرغم من كونه رئيساً للبلاد.

في ذلك الوقت كانت القوة السياسية الوحيدة التي لا تزال تدعم بني صدر علانية هي منظمة مجاهدي خلق. في 20 يونيو 1981، دعا مسعود رجوي، زعيم مجاهدي خلق وبني صدر الذي كان مختبئاً، الشعب إلى الانتفاضة ودعوا أنصارهم إلى النزول إلى الشوارع ضد الحكومة.

في اليوم التالي، خرجت مظاهرات حاشدة في طهران ومدن أخرى، والتي قُمعت بشدة من قبل الحكومة. في اليوم التالي، صوت مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) بأغلبية الأصوات ضد عدم كفاءة بني صدر لرئاسة البلاد. وعزله الخميني أيضاً من منصب القائد العام للقوات المسلحة.

تدريجياً، نشأت المزيد من الانقسامات بينه وبين رجال الدين في النظام الإسلامي، وخاصة الخميني، وإثر هذه الخلافات، اختبأ لفترة، على الرغم من كونه رئيساً للبلاد

وفي 21 حزيران/يونيو 1981 انتهت فترة تولي بني صدر رئاسة الجمهورية الإيرانية التي كانت قد بدأت في 4 شباط/فبراير 1980. يقال بأن في تاريخ الجمهورية الإسلامية في إيران، لم يكن لدى أي رئيس سلطة صلاحيات مثل بني صدر.

اللجوء إلى فرنسا

بعد ستة أسابيع من تصويت البرلمان، قام بني صدر برفقة مسعود رجوي رئيس منظمة مجاهدي خلق التي كانت قد دخلت في مواجهة مسلحة مع الجمهورية الإسلامية، بالسفر من مطار مِهر آباد في طهران، متنكرين بزيّ مختلف على متن طائرة كان يقودها بِهزاد مُعزّي، قائد طائرة محمد رضا شاه. وغادر بني صدر إيران ولجأ إلى فرنسا.

في فرنسا، شكل بني صدر مع مسعود رجوي، وعدد من قوى المعارضة الإيرانية الأخرى، المجلس الوطني للمقاومة، لكن عام 1984 وبسبب خلافات مع قيادة منظمة مجاهدي خلق، منها انتقال المنظمة إلى العراق، غادر هذا المجلس.

بقي بني صدر حتى وفاته في مدينة فرساي القريبة من باريس تحت حماية الحكومة الفرنسية. في فرنسا، استمر بني صدر بنشر صحيفته "الثورة الإسلامية" لكنه غير اسمها إلى "الثورة الإسلامية في الهجرة" إلى جانب تأليف كتب حول مختلف القضايا. واستمر في معارضة النظام الإيراني طيلة العقود الأربعة الأخيرة، وكان يعتبر قطباً للمعارضة الإيرانية في المنفى.

استمرار المواقف ضد النظام الإيراني

أطلق بني صدر خلال سنوات المنفى، مواقف وتصريحات عديدة ضد النظام الإيراني. دعم الحركة الخضراء عام 2009 والاحتجاجات بعد الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي فاز فيها محمد أحمدي نجاد لولاية ثانية. وقال في مقابلة عام 2018 مع إذاعة "فَردا" الفارسية بمناسبة الذكرى الأربعين لثورة 1979: "سقوط الجمهورية الإسلامية ليس غير محتمل، إنه مؤكد".

كما كان يدعو إلى مقاطعة الانتخابات ويعتبرها "ليست فقط غير حرة بل إنها تذل الناخبين لأنه لا حرية فيها في الترشح ولا في التصويت".

أدلى بني صدر بشهادته ضد الجمهورية الإسلامية في قضية محكمة ميكونوس التي اتُهمت فيها الجمهورية الإسلامية باغتيال زعماء المعارضة الكردية في مطعم ميكونوس في برلين عام 1992، وأخبر المحكمة أن عمليات الاغتيال صدرت بأمر شخصي من علي خامنئي، وعلي أكبر هاشمي رفسنجاني.

طلية السنوات الماضية، أطلق عليه أنصاره لقب "الفكر الهادي" و"فكر القرن العظيم"، ووصفته الجمهورية الإسلامية بأنه "خائن" و"خارق للقانون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard