من تغيير مصير العالم إلى قبعة الصوف الإيرانية على رأس ستالين... مؤتمر طهران 1943

الثلاثاء 1 ديسمبر 202003:40 م

يتداول الإيرانيون هذه الأيام مقطع فيديو ملوّناً بعد أن كان أصله بالأسود والأبيض، يظهر فيه قادة الحلفاء أيام الحرب العالمية الثانية، أي كلّ من رئيس وزراء بريطانيا، ونستون تشرشل، ورئيس الولايات المتحدة فرانكلين روزفلت، ورئيس الاتحاد السوفياتي، جوزيف ستالين، في طهران، عام 1943.

طهران، المدينة التي لم تكن إلا بلدة صغيرة قبل أن تصبح عاصمة لإيران عام 1795 حينما نقل الملك القاجاري ومؤسس السلسلة الملكية القاجارية، آغا محمّد خان (1742-1797) العاصمةَ إليها من مدينة شيراز، بعد أن كانت هذه المدينة عاصمة بلاد فارس في فترة حكم السلسلة الزندية (1751–1794).

ومنذ أن أصبحت طهران العاصمةَ، بدأت بالاتساع وإضفاء مزيد من المعالم المدنية والحداثية إليها، بما في ذلك تعريض الشوارع وإنشاء مبانٍ وعمارات حديثة على غرار المدن الغربية والذي أُكّد عليه خصوصاً منذ العشرينيات من القرن العشرين الميلادي.

شهدت المدينة مؤتمراً تاريخياً هاماً يدعى "مؤتمر طهران"، وهو الاجتماع الأول للقادة الرئيسيين لقوات الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية، والذين كانوا يعرفون بالقادة الكبار حينذاك، تشرشل وروزفلت وستالين.

عقدت دول الحلفاء ثلاثةََ مؤتمرات خلال أيام الحرب العالمية الثانية (1945-1939) في كلّ من طهران، ويالتا، وبوتسدام، بعد مؤتمر القاهرة، لتتوصّل بعد ذلك إلى خطط ونتائج متَّفق عليها حول آليات الحرب والإستراتيجات العسكرية والملابسات الناتجة عن الحرب العالمية الثانية بعد انتهائها، بالإضافة إلى تقسيم البلدان من حول العالم إلى مناطق نفوذ لها.

بعض هذه الاتفاقيات والخطط لم تُنفّذ إلا بعد انتهاء الحرب، وبعض آخر منها أدى إلى سوء الفهم وخلافات وضعت الحجر الأساس للخلافات السياسية بين تلك الدول والتي أدت إلى بداية الحرب الباردة، وفتح معسكر جديد في غرب أوروبا، وانقسام العالم إلى قطبين؛ المعسكر الغربي (الرأسمالي) بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي (الشيوعي) بقيادة الاتحاد السوفيتي.

انعقد المؤتمر في 28 نوفمبر 1943 في طهران، بعد مرور أربعة أعوام على انطلاق الحرب العالمية الثانية، ولمدة أربعة أيام (28 نوفمبر إلى مطلع ديسمبر)، لتستضيف طهران النقاش حول أهمّ حدث يشهده العالم بعد الحرب العالمية الأولى.

لماذا طهران؟

"بعد أن قرّر ستالينُ أن يتّجه نحو بريطانيا، لم تعد الولايات المتحدة قد دخلت خضمّ الحرب بشكل مباشر بعد. ولكنها، بعد الهجوم الياباني على القاعدة البحرية الأمريكية في ميناء بيرل هاربر، عام1941، قرّرت الانضمام إلى الحلفاء، وخوض الحرب بشكل رسمي."؛ هكذا صرحت الباحثة في تاريخ إيران المعاصر، فَرزانه إبراهيم زاده، لرصيف22 في معرض حديثها عن هذا المؤتمر.

كان يريد القادة أن يعقد الاجتماع في نقطة يملكون السيطرة عليها، فلم تكن إلا "إيران" التي كان قد تمّ احتلالها من قبَل قواتهم قبل عامین رغم إعلان عدم تحيّزها

وعن سبب اختيار طهران لهذا الاجتماع الهام قالت بأن القادة الثلاثة، ومن أجل وضع حدّ للهجومات والتوسعات النازية في العالم، أرسل برسالة إلى كلّ من روزفلت وستالين طالباً عقد اجتماع بينهم، ليروا ما يمكنهم فعله من أجل ردح توسعات هتلر. كان يريد القادة أن يعقد الاجتماع في نقطة يملكون السيطرة عليها، فلم تكن إلا "إيران" التي كان قد تمّ احتلالها من قبَل قواتهم قبل عامین رغم إعلان عدم تحيّزها.

إذاً كانت طهران تدار آنذاك من قبل الحلفاء، بالإضافة إلى أن "موقع إيران الإستراتيجي، وتحويلها إلى ممرّ لنقل السلاح نحو الاتحاد السوفيتي عبر سککها الحديدية، ما جلب لإيران في ما بعد لقب "جسر الانتصار"، إضافة إلى غناء إيران بالكثير من المصادر البترولية، كانت الأسباب الأهم لاختيار القادة طهرانَ مكاناً لاجتماعهم" وفق ما قالت إبراهيم زاده.

كانت أوروبا وقتذاك مشتعلة بنيران الحرب، فيستحيل عقد اجتماع على أراضيها؛ الاتحاد السوفيتي كان في معركة مع هتلر من جهة الحدود الغربية، ويصعب على ستالين أن يترك البلد لفترة طويلة، فطلب أن يكون محلّ الاجتماع في الاتحاد السوفيتي، إلا أن تشرشل وروزفلت لم يرغبا بالذهاب إلى هناك.

كان ستالين يخاف الطيران، ويسافر عادة بقطارٍ أخضر، فكان لابدّ أن يكون المكان قريباً، وكانت طهران أقرب مدينة آمنة بالنسبة له. إ ضافة إلى ذلك كان الجواسيس الألمان قد عرفوا بأمر القادة الثلاثة وقرارهم لعقد اجتماع بينهم، وكانوا يخططون لاغتيالهم. إذاً كان عليهم أن يختاروا مدينة في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحلفاء. فاتفق الثلاثة في النهاية على "طهران".

إيران التي كانت على مشارف التحالف مع هتلر خلال حكم رضا شاه البهلَوي (١٩٤١-١٩٢٥)، كانت قد تحولت إلى نقطة اجتماع للقضاء على هتلر وقتذاك، بعد احتلالها ونفيِ رضا شاه إلى جزيرة موريشيوس (معروفة بين الإيرانيين بجزيرة موريس) في المحيط الهندي، وانتقال الحُكم إلى ابنه الشابّ، محمد رضا. ويشير إلى ذلك المراسل الروسي، فالنتين برجلكوف، الذي حضر طهران خلال أيام المؤتمر مترجماً لستالين، وسجل مذكراته في كتاب بعنوان "مؤتمر قادة الدول الكبار".

أين في طهران ولماذا؟

السؤال الآخر الذي طُرح بين الحلفاء هو: في أي مكان من طهران؟ ولم يكن عسير الجواب إذ اقترح ستالين أن يكون محلّ اللقاء السفارة السوفيتية في هذه المدينة، والسبب الرئيسي يتعلق طبعاً بالقضايا الأمنية بالنسبة لأرواح القادة.

السفارة السوفيتية كانت مقاماً آمناً جداً لهم. لماذا؟ في الردّ على هذا السؤال قالت الصحفية إبراهيم زاده لرصيف22: "انتقلت السفارة السوفيتية عام 1936 إلى حديقة تسمى "بارك أتابك"، في وسط طهران، بعد أن كانت في منطقة "بامَنار" جنوب هذه المدينة، حتى ذلك العام، وكانت الحديقة هذه قد تمّ احتجازها من قبل المصرف السوفيتي قبل بضع سنوات، وقد مرّت بمراحل تاريخية غريبة."

وفق ما ذُكر في كتاب "سيرة شارع" لمؤلفته الإيرانية مريم ميرزائي، كان أمين السلطان، الصدر الأعظم لثلاثة من ملوك القاجار، قد أنشأ العمارة الواقعة في هذه الحديقة، وقد أسماها "بارك" بعد رحلته إلى أوروبا، وخصصها للاحتفالات والاجتماعات الرسمية.

كان من المقرّر أيضاً أن تستضيف هذه الحديقة قسماً من الاحتفالات الخاصة بالعام الخمسين للحكم الملكي لأشهر ملك القاجار، ناصر الدين شاه (1831-1896)، إلا أنه قُتل قبل أن يشهد ذلك.

في السنوات اللاحقة مرّت الحديقة بأحداث تاريخية كثيرة منها إقامة المستشار الاقتصادي الأمريكي، مورغان شوستر، فيها، وأول عرض مسرحي خاص بالنساء.

یظهر في المقاطع التصويرية حفل تقديم بعض الهدايا الإيرانية إلى تشرشل، منها صينية نحاس مصنوعة في إصفهان، وفي مشهد يهدي رجلٌ ستالين قبعة صوف إيرانية، يضعها رئيس الوزراء البريطاني على رأسه لثوانٍ

إلى أن عادت بيد الروس، وشهدت حريقاً عام 1922، ليعيد بناء العمارة فيها موسيو شومياتسكي، السفيرُ السوفيتي في طهران، وينقل مقرّ سفارة بلده إليها.

وفق الخرائط التاريخية تقع الحديقة شمالَ حديقة السفارة البريطانية في طهران، والشارع الذي كان يفصل هاتين الحديقتين يسمّى "أمين السلطان" حتى عام 1930، حيث أطلق عليه شارع "ناصر خُسرو".

إذاً كان السبب الرئيسي لاختيار هذه الحديقة من قبل تشرشل هو وقوعها بين السفارتين، ما يكفي للأمان والاطمئنان من حفظه. من جانبٍ آخر اقترح تشرشل على روزفلت الذي كان يسير على الكرسي المتحرك بسبب مرضه أن يستقرّ في السفارة السوفيتية بدلاً من السفارة الأمريكية التي كانت بعيدة بعض الشيء لوقوعها في الشوارع المتجهة نحو شمال طهران؛ "اقتراح لم يقبله روزفلت إلا بعد إصرار وإلحاح"، وفق ما ذكرت إبراهيم زاده.


لم يتمّ إبلاغ الحكومة الإيرانية إلا أسبوعاً قبل عقد المؤتمر، ولم تعرف الصحف به إلا بعد مرور ثلاثة أيام من انتهائه.

في الصور ومقاطع الفيديو التي تعرض لقاء شاه إيران الشابّ بالقادة الثلاث يظهر بعضٌ من هذه الحديقة.

"مؤتمر طهران"، بكل ما يحمل من أسماء من"The Big Three In Teheran" إلى "يوريكا" (eureka)، انتهى في مطلع شهر ديسمبر ليغيّّر مصير العالم، وجلس القادة الثلاث أمام الكاميرا ليسجّلوا تلك صورتهم المعروفة:

تشرشل يحتفل بعامه السبعین فی طهران

من الاحتفالات البارزة التي أقيمت خلال هذا المؤتمر كان الاحتفال بعيد ميلاد تشرشل السبعين، وقد أقيم في مقرّ السفارة البريطانية، وقد أعدّ كعكة ميلاد تشرشل، محلّ الحلوى المعروف بطهران آنذاك، "نوشين"، الواقع بداية شارع "لالِه" زار" التاريخي في طهران والقريب من السفارة البريطانية.

یظهر في المقاطع التصويرية حفل تقديم بعض الهدايا التقليدية الإيرانية إلى تشرشل، منها صينية نحاس مصنوعة في إصفهان، ومنمنة إيرانية، وفي مشهد يسبقه يهدي رجلٌ ستالين قبعة صوف إيرانية، يضعها رئيس الوزراء البريطاني على رأسه لثوانٍ، قبل أن يضع قبعته الخاصة.

لم يلتقوا شاه إيران إلا لبضع دقائق

كان اجتماع قادة العالم الكبار أهمّ بكثير من أن يلتفتوا إلى الملك الفتيّ ويلتقوه، ولم يفلح الملك بزيارة الأسياد إلا بعد متابعات بعض المسؤولين ولبضع دقائق فقط. بقي روزفلت على أريكته، واكتفى بحديث بسيط مع الملك، حول قضايا الزراعة والبساتين في إيران.

إيران التي كانت على مشارف التحالف مع هتلر خلال حكم رضا شاه، تحولت إلى نقطة اجتماع للقضاء على هتلر

تشرشل الذي كان قد احتفل بعامه السبعين في الليلة السابقة للقاء، أخذ في نصيحة الملك الشاب. ووحده ستالين الذي كان جزلاً بانتصارات جيوشه الحديثة، أخذ وجوده على محمل الجدّ قليلاً، وأراه السيف الذي كان قد أُهدي إليه: "سيف ستالينغراد". ووحده أيضاً من ذهب في اليوم التالي لتجديد اللقاء بالشاه.


تشرشل يهدي ستالين "سيف ستالينغراد"

من الأحداث البارزة خلال هذا المؤتمر هي أن الملك البريطاني قد بعث بسيفٍ إلى ستالين، ليُهدى إليه على يد تشرشل يوم 29 نوفمبر، تكريماً لبسالة القوات الرّوس في ردح هتلر وهزيمة قواته في ستالينغراد؛ تلك الهزيمة الكبرى لهتلر التي راح ضحيتها الكثير من الجبهتين.

وينوّه الخبير في التاريخ الإيراني، علي بارسا، لرصيف22 بأنه "كانت شركة ويلكِنسون سورد "Wilkinson Sword" البريطانية والشهيرة بصناعة الأدوات المعدنية قد كُلّفت بصناعة هذا السيف من قبل ملك بريطانيا، وكان سيفاً مرصّعٌ غِمدُه بالأحجار الكريمة، على هيئة السيوف الأوروبية والتي يختلف شكلها عن العربية منها، إذ هو سيف مستقيم، دون انحناء، وذو رأسين." ويضيف: "كان مكتوباً على السيف باللغة الروسية والإنكليزية أنه مهدى إلى ستالين تقديراً لبسالة جيشه."

يشير بارسا إلى لحظة طريفة أثناء إهداء هذا السيف؛ "أهدى تشرشل السيفَ إلى ستالين، فقدّمه ستالينُ إلى قائد الجيش السوفيتي آنذاك، فوروشيلوف. فسقط السيف أرضاً من يد المارشال فوروشيلوف بعد أن كان قد مسكه من غمدِه. حُذفت هذه اللحظات من الفيديو إلا أن أثرها باقٍ في المقطع، إذ يظهر قَطع المشهد في الفيديو.



وينوّه أنه في تلك الأيام، وبما أن التلفاز لم يعد موجوداً، فكان بعضٌ من المقاطع الخبرية الهامة تُبثّ في صالات السينما في طهران قبل بثّ الأفلام، ومنها المقطع الخاص بحضور الحلفاء وإهداء السيف إلى ستالين.

تسمية ثلاثة شوارع في طهران بأسمائهم

في ديسمبر عام 1944، خلال احتفال أقيم في طهران في الذكرى الأولى لهذا المؤتمر، أطلق رئيس بلدية طهران آنذاك، أسماءَ القادة الثلاثة على ثلاثة شوارع متعلقة بهذا الحدث، لتتغيّر هذه الأسماء بعد الثورة الإسلامية في إيران (1979)، ويسمّى شارع تشرشل اليوم بـ"نوفْل لو شاتو"، القرية الفرنسية التي أقام فيها آية الله الخميني قبل قدومه إلى البلاد، وحدوث الثورة الإسلامية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard