محاكاة لحدائق الفردوس وعدن... جولة بين الحدائق الفارسية في شيراز

الثلاثاء 5 أكتوبر 202105:19 م

لتصبح الحديقة الفارسية ثيمة جمالية في الأدب والفن لاسيما الفن المعماري، مرّت عصورٌ كثيرة، وإذا بها ملهمة لفنانين وأدباء شرقيين وعالميين، فكثير من الكتب ألّفت عنها لتضمّ نصوصاً وتعاريف وصوراً. في الحديث عن الحديقة الفارسية يقال إن الهدف من إنشائها كان محاكاة حدائق الجنة الموعودة، كما يقال إنها محاكاة لحدائق عدن الأسطورية. أثر تصميم الحدائق الفارسية في تصميم الحدائق في الهند والاندلس، وفي مخيلة الشعراء والفنانين على مستوى العالم.

"هنا وفي كلّ مكان/ أمضي من توهُّمِ الوحدة/ الأزهارُ/ تَفْتُكُ بالنائم"... نوري الجراح

هندسة الحديقة الفارسية تتميز بعناصر ثلاثة؛ وقوعها على طريق انسياب الماء من الينابيع، وانحصارها بين أسوار عالية، ووجود عمارة وحوض ماء في وسطها.

تذكرتُ وأنا أسير في هذه الحدائق في زيارتي الأخيرة إلى مدينة شيراز ديوان الشاعر نوري الجرّاح الذي عنونه بـ"الحديقة الفارسية" (2004). بعثت له صوراً من حديقة "إِرَم"، فإذا بنا نتحدث هاتفياً ويستذكر نوري حضوره فيها، ويقول: "كنتُ في هذه الحديقة الرائعة وصورتُها كثيراً".

هكذا يفتتح نوري ديوانه الجميل: "هنا/ وفي كلّ مكان/ أمضي من توهُّمِ الوحدة/ الأزهارُ/ تَفْتُكُ بالنائم". وفي الفصل الذي عنوانه "في بستان خير الدين الأسدي" يقول إن هذه القصائد حصيلة اشتباك بين حالة نفسية طاغية وقراءة لقصائد خير الدين الأسدي، كما أنها "لأرواح سعدي وحافظ وجلال الدين الرومي من فارس وقونية، الحاضرين كزهرات في روح هذه الأنشودات". وهكذا هو الحال ونحن نسير في هذه الحدائق: كأننا نيامٌ، وكأن أطياف شعراء فارس القدامى ترافقنا.

في الحديث عن الحديقة الفارسية يقال إن الهدف من إنشائها كان محاكاة حدائق الجنة الموعودة، كما يقال إنها محاكاة لحدائق عدن الأسطورية

في هذه الجولة نتعرف إلى أهمّ الحدائق الفارسية في مدينة الشعر والأدب، شيراز، ونمتّع أنظارنا بجمال ضاربٍ في القَدم ومغروس في هذه الحدائق وفي حدائق الشعر؛ إذ كثيراً ما تغنى الشعراء الإيرانيون من أمثال حافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي بالحدائق والأزهار، ومعروف حبُّ حافظ لمدينته لدرجة أنه لم يكن يستطيع مغادرتها والسفر.

حديقة إرَم

أشجار حديقة إرَم التي تتكون من أشجار الكرْم والنارنج والسرو تُعرف بـ"بنات شيراز"، كما أن هذه الحديقة تضمّ أنواعاً مختلفة من النباتات والأزهار تزهو جنباً إلى جنب المعمار الفارسي.


يعود بناء هذه الحديقة إلى فترة السلاجقة (القرن الخامس والسادس للهجرة)، ثم رُمّمت في فترة حكم الزندية (القرن الثامن عشر للميلاد)، أما العمارة التي تقع حالياً في هذه الحديقة فقد بنيت في عهد ناصر الدين شاه القاجاري (القرن التاسع عشر) على موقع العمارة الإيلخانية القديمة.


تشتهر حديقة إِرم بتنوع النباتات فيها ولذلك دخلت حيز جامعة شيراز. تقع هذه الحديقة في شارع "إرَم"، وهو من أجمل شوارع مدينة شيراز.



عفيف آباد

حديقة عفيف آباد أو گُلشن، هي واحدة من أقدم الحدائق في شيراز، والتي تم بناؤها خلال الفترة الصفوية وكانت واحدة من المنتزهات الرئيسية لملوك إيران. تم شراء هذه الحديقة من قبل ميرزا ​​علي خان قوام الملك خلال فترة قاجار وبعد ذلك قام ميرزا ​​علي خان قوام الملك بشرائها وترميمها وقام ببناء قصر كبير من طابقين في وسطها تجري من حوله المياه.

يحتوي هذا القصر على نحو 30 غرفة وقاعة وهو لا يزال قائماً في حديقة عفيف آباد. وإلى جانبه تتكون عفيف آباد من حمام تقليدي ومقهى وحديقة مليئة بالأزهار والأشجار.


مع وصول حكومة بَهلوي إلى السلطة عام 1925، امتلكت العائلة البهلوية هذه الحديقة، وفي عام 1961 نجح الجيش الإيراني في شراء هذه الحديقة خلال مزاد. ولا تزال حديقة عفيفة آباد في حوزة الجيش الإيراني لكنها مفتوحة لزيارة الجميع.

قام الجيش الإيراني عام 1991 بتأسيس متحف عسكري في قصر حديقة عفيف آباد، ليصبح هذا القصر المتحف العسكري الثاني في البلاد ومن أكبر متاحف الأسلحة في الشرق الأوسط وفيه أسلحة أثرية قيمة مثل بندقيات فتح علي شاه، وناصر الدين شاه، ومظفر الدين شاه من الفترة القاجارية، ورضا شاه ومحمد رضا شاه من العائلة البهلوية، ورشاش رئيس علي دِلواري بطل مدينة بوشهر الواقعة جنوب إيران.


نارنجستان

تتضمن مجموعة "نارنجستان قوام" من حديقة وعمارات تاريخية متبقية من الفترة القاجارية. تم إحداث هذه المجموعة بين عامي 1878 و1888 أثناء فترة حكم ناصر الدين شاه القاجاري، و بأمر من علي محمد خان قوام الملك المقرب من العائلة الحاكمة ومن العائلات الشيرازية الثرية في تلك الفترة.


تعود تسمية نارنجستان أي حديقة النارنج إلى كثرة أشجار النارنج فيها. وتتكون هذه الحديقة من جزئين؛ الجزء الخارجي، وهو متحف نارنجستان، والجزء الداخلي الذي يسمى ببيت زينة الملوك. ويتصل الجزءان بواسطة نفق. تم استخدام المبنى في البداية من جانب حاكم شيراز كمقر لإدارة الشؤون السياسية والعسكرية ولقاء ممثلي الدول الأجنبية، كما أنه كان محل إقامة الحاكم وعائلته.

عام 1967 تبرع أحد أعضاء عائلة قوام الملك بالمبنى لجامعة شيراز والتي تشرف عليه حتى الآن. كما أنه كان يستخدم لمقر المعهد الآسيوي التابع للجامعة البهلوية في شيراز، تحت إشراف البروفيسور الأمريكي آرثر أوبهام بوب، العالم الشهير المختص بإيران، خلال عامي 1969 و1979.

وتتميز نارنجستان قوام بفنون معمارية رائعة مثل التبليط الهندسي، والنحت على الألواح الخشبية والحجر والشبابيك الزجاجية الملونة، وزخرفة المرايا، والرسوم التقليدية.


عمارة شاپوري

تمّ بناء هذا المجموعة التي تتضمن حديقةً وقصراً، منذ عام 1931 إلى 1936، خلال الفترة البهلوية وبإشراف المهندس المعماري الشهير أبو القاسم المهندس، وكانت من ممتلكات عبد الصاحب شاپوري، أحد أعظم تجار شيراز. وحتى أوائل التسعينيات، عاشت عائلة شاپوري في هذا القصر لكنها قامت بإخلاء المبنى. وفي عام 1999 اشترت منظمة التراث الثقافي في محافظة فارس هذه الحديقة من عائلة شاپوري، وسجلتها ضمن التراث الثقافي الإيراني.


يتكون المبنى من طابقين بمساحة 840 متراً على أرض مساحتها 4635 متراً وقد بني على الطراز التقليدي للعمارة البهلوية الأولى. وتزين عمارة شاپوري أشجار السّرو والتين والرمان والبرتقال والنارنج، والنخيل.


خريطة هذا القصر مميزة خاصة بالنسبة للمباني المعاصرة له؛ فعلى سبيل المثال في هذا المبنى تم استخدام الدرج والذي لم يكن موجوداً في أي من المباني في ذلك الوقت. كما أن الوصول إلى القصر لا يتأتى من المحور الرئيسي بل يجب تغييراً بزاوية 90 درجة نحو الجهة الشمالية للوصول إليه.


باغ دِلگُشا

تقع حديقة دلگُشا قرب مقبرة الشاعر الإيراني سعدي الشيرازي، ويقال بأن تاريخ هذه الحديقة وعمرها يعود إلى قبل ظهور الإسلام والحكم الساساني. كما يقال إن الحديقة خلال فترة حكم تيمور جوركاني على بلاد الفارس، شهدت ازدهاراً ملحوظاً لدرجة بادر تيمور إلى تشييد حديقة كبيرة على غرارها في مدينة سَمرقند، مسقط رأسه. وكانت هذه الحديقة أيضاً مشهورة جدا ومزدهرة في الفترة الصفوية، حيث في الكتابات واللوحات التي تركها السائحون الأوروبيون في ذلك الوقت تم ذكر اسم هذه الحديقة. وبين فترة سلطة نادر شاه القاجاري ووصول السلالة الزندية إلى السلطة، تعرضت هذه الحديقة لأضرار كبيرة وأعيد احياؤها في عهد كريم خان زند مؤسس الدولة الزندية. كما بنيت في هذه الحديقة مباني ذات فنون معمارية جميلة في الفترة القاجارية.


تبلغ مساحة الحديقة سبعة هكتارات ونصف، وغالبية أشجارها من أشجار النارنج والبرتقال، كما تمر منها المياه التي تتدفق من ينبوع مقبرة سعدي الشيرازي، وفيها مبنى تراثي وحوض كبير يقع جنوب المبنى.


أصبح مبنى الحديقة التراثي اليوم متحفاً تحفظ فيها مختلف القطع الأثرية وعدد من الأجهزة القديمة، كما أنه فيه نسخة من القرآن يرجع تاريخها إلى العهد السلجوقي، وهي نسخة فريدة من نوعها، إلى جانب الكثير من المسكوكات النقدية والملابس والخرائط. 


حديقة نظَر (باغ نظر)

تُعرف حديقة نظر في شيراز الآن باسم متحف بارس ويعود بناءها إلى فترة الزندية، حيث بناها مؤسس الدولة الزندية، كريم خان زند الملقب بـ"وكيل الرعايا" (1705 - 1779م)، وبنى فيها قلعة ومحكمة ومباني أخرى، والتي كانت مكانا لاستقبال الضيوف والسفراء الأجانب وإقامة الاحتفالات والمهرجانات المختلفة. 


على مر التاريخ تمت إضافة أجزاء إلى هذه الحديقة وتم تقليص أجزاء أخرى منها، والآن لم يبق سوى قصر يتوسطها، والذي أصبح يُعرف باسم "متحف بارس"، بعد تأسيس هذا المتحف عام 1936. ومتحف بارس باعتباره أقدم متحف في محافظة فارس، يحتوي على قطع أثرية قيمة من الأشياء المعدنية والفخار والعملات والأختام المختلفة من الألفية الرابعة قبل الميلاد إلى العصر الحاضر.


بعد وفاة كريم خان زند، وحسب وصيته، دفن جثمانه في الجانب الشرقي للقصر، ومنذ ذلك الحين أطلق على هذا القصر اسم "قبر الوكيل". بعد وصوله إلى السلطة، أمر آقا محمد خان القاجاري وبسبب كرهه من كريم خان، بإخراج جثة كريم خان ونقل عظامه إلى قصر كلستان في طهران، لكن تمت إعادة العظام إلى هذا المكان في عهد رضا شاه البهلوي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard