شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
سعدي الشيرازي في بيروت وبرغْمان في مسقط.. المدنُ حين ترتدي النّصوص

سعدي الشيرازي في بيروت وبرغْمان في مسقط.. المدنُ حين ترتدي النّصوص

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رود تريب

السبت 27 أكتوبر 201801:19 م

أهمّ بالذّهابِ إلى مكانٍ ما، فأطيل اختيارَ الثّياب المناسبة، سواء كان المكان المقصودُ مقهى أم بيتًا لصديقةٍ حميمةٍ أم مستشفى أم شارعًا قصدتُه للمشيِ فقط. بتأنٍّ وأغنيةٍ تناسب لحظاتِ المغادرة أنظر في الخزانة والثياب المعلّقة هنا وهناك، لأختار ما هو الأنسبُ كي يغطّيني. وقد يكون ذلك هو السبب الرئيسيّ في تأخّري الدائم والمخجِل في بعض الأحيان.

وكما أنّ لكلّ مكانٍ ثوبًا ولكلّ لحظةٍ أغنيةً أو مقطعًا موسيقيًّا، فلكلّ مدينةٍ كتابٌ أيضًا. وإن تعدّدت زياراتها، فلكلّ رحلةٍ، كتابُها أو كتبُها. كأنّنا نضع أنفسَنا-أرواحَنا في المدينة الذاهبون إليها قبل أن نصل! هكذا كنتُ ملحّةً في اليوم الأخير في طهران، وقبل سفري الأخير إلى بيروت، أن يكون معي ديوانُ سعدي الشيرازيّ. ذهبتُ إلى الشارع الرئيسيّ القريب من بيتي والمليء بمحالّ بيع الكتب لأقتنيَ نسخةً من "غزليات سعدي"، تكون خفيفة وبخطٍّ يروقني، دون أن أفلح.

ذهبتُ إلى المطار ببعضِ الخيبة والحسرةِ، وبعضِ الأمل أن أجد في مطار طهران الدوليّ، وفي محلِّ الهدايا المعهود الذي يبيع دواوين كبار الشعراء الإيرانيين نسخةً لسعدي تناسبني. كانت من المرّات القليلة التي يحالفني الحظُّ فيها، فوجدتُها. لم تكن المثاليةَ بالنسبة لي، لكنّها كانت مناسبة.

في الطّائرة قضيتُ الساعاتِ الثلاثَ بين نومٍ وقراءةِ سعدي. حاولتُ خلالها أن أقرأ وأفهمَ أيضًا بعضَ سطورِ ديوان "جاك بريفير" بفرنسيّتي التي ثقتي فيها عند القراءة أكبرُ بكثيرٍ من معرفتي، وهو الآخر الذي شعرتُ أنّني بحاجةٍ إلى أخذه معي إلى بيروت هذه المرّة. هل رومنسية متوقّعة في بيروت حثّتني على مرافقةِ بريفير أم ماذا؟!

في كثيرٍ من الأحيان، دون أسبابٍ واضحةٍ نقتني الكتبَ من مكتباتنا ونحن ذاهبون إلى المدن. كأنّه ضربٌ من الحدس أو نوعٌ من التكهّن الممتع. جميلٌ أن يصدق حدسُنا، وليس مخيّبًا كثيرًا ألّا يصدق! كذلك جاء اختياري للمذكّرات الشخصية لأحد مخرجيّ المفضّلين "إنغمار برغمان"، وأنا ذاهبة إلى مسقط لحضور مهرجان سينمائيّ؛ وديوان "نوري الجرّاح"، وأنا ذاهبة إلى روسيا. فكان من الممتع بعد رحلة مشيٍ على امتدادِ نهرِ "نيفا"، أن أستلقيَ في الغرفة، وأقرأ: "كأنّني أريدُ الكلامَ لكنّني لا أتكلّم/ لكنّني/ أومئُ/ فقط/ ليقيمَ الهواءُ في شراعي."

في كثيرٍ من الأحيان، دون أسبابٍ واضحةٍ نقتني الكتبَ من مكتبتنا ونحن ذاهبون إلى المدن. كأنّه ضربٌ من الحدس أو نوعٌ من التكهّن الممتع
يرى الفيلسوف والکاتب الألمانيُّ والتر بنيامين أنّ المدينةَ مثل نصٍّ. تشبيه عبقريّ! جعلني منذ أن عرفتُه، أتلذّذ دائمًا بالتناصّ الممتع بين المدن والكتب
وكذلك كان خيارُ سعدي لبيروت صائبًا إلى درجةٍ تبلغ السّماء؛ ففي الطّرق القصيرة بين المدن، وأمام البحر، وخلال الطّبخ كان معي، وحين كنتُ أشعر بتلك الأحاسيس التي أقول فيها لنفسي: أنا في منتهى السعادة، كنتُ أتمدّد على بلاطِ بيت صديقتي الجميل والبارد، وأضع الكتابَ أمام وجهي، وعشوائيًّا أفتحه، وأقرأ. بعضُ الخياراتِ قبل السّفر تكون صحيحةً حدّ الجنون، كما هذا الخيار، وأخرى قد لا تكون ملائمة لرحلتِك، كما أتذكّر ذات مرةٍ، قبل بضع سنوات، وكنتُ ذاهبة في الهواءِ والسماء، بعد نهايةِ حبٍّ وشكّ!، فأخذتُ معي مجموعةً قصصيّة لكاتبٍ إيرانيّ (غلام حسين ساعدي- المضطرِبون المُحالفُهم الحظّ)، لكنّني نسيتُه في الطائرة، ولم ينزل الكتابُ المدينةَ معي.

أحيانًا تعرف الطبيعة كيف تسيّر الأمور! هكذا أبرّر نسياني وإضاعتي الأشياء. وأحيانًا وأنت تزور مكانًا جديدًا، يذكّرك كلّ شيء بكتابٍ ما، فتتمنّى لو كان معك، وتخطّط لجلبِه معك في الزيارة المقبلة. هكذا حدث وأنا أزور "ديرَ القمر" في لبنان لأوّل مرة في العام الماضي. فكّرتُ كم هو جديرٌ أن أجلبَ قريبًا "النّفّري" معي، وأبدأ بترجمتِه إلى الفارسية بشكلٍ جدّيّ من هنا! فكان ذلك في الرّبيع، وترافقتْ وتجانست لثلاثةِ أيّامٍ أطيافُ النّفّريّ، حبيبي من بين الناثرين في التصوّف، وكلَّ ما في "بيت القمر" من صمتٍ وجبالٍ وسماءٍ وصَخر!

في رحلة مسقط تلك، كان معي "الأعمال الصوفية الكاملة" للنفَّري أيضًا. والتقيتُ هناك بإنسانٍ فاضلٍ وجميلٍ جدًّا من نقّاد السينما، ولا أعرف كيف أخذَنا الحديثُ إلى النّفّريّ وحبّي له، ففاجأني قائلًا: "كتابُه يرافقني أينما أذهب." وبين شغفي بقوله وحديثنا الممتع عرفتُ أن ثمّة كتبًا تصلح لكلِّ المدن! يرى الفيلسوف والکاتب الألمانيُّ والتر بنيامين أنّ المدينةَ مثل نصٍّ. تشبيه عبقريّ! جعلني منذ عرفتُه أتلذّذ دائمًا بالتناصّ الممتع بين المدن والكتب المحبّبة؛ هكذا ترتدي الحياةُ أفضلَ ثيابِها أو تظنّ أنها ارتدتْ، قبل أن تبدأ بالسّير في الطّرق وفي المتاهات!

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard