"إيذاء الضحايا"... شبهات تلفّ وثائقيّاً عن تحرير ناجيات أيزيديات من الاستعباد الجنسيّ لـ"داعش"

الاثنين 27 سبتمبر 202104:12 م

تعرض مخرج فيلم "سبايا"، الذي يدور حول محنة الفتيات والنساء الأيزيديات المستعبدات جنسياً من قبل تنظيم داعش الإرهابي، لاتهامات خطيرة بالتلاعب والخداع من بعض الناجيات اللواتي ظهرن في العمل، برغم النجاح الهائل الذي حققه الفيلم.

حصد الفيلم جائزة مهرجان صندانس السينمائي المرموق لأفضل مخرج فيلم وثائقي أجنبي هذا العام، كما اُفتتح به مهرجان أفلام حقوق الإنسان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين الأسبوع الماضي. في كل مناسبة عُرض فيها، حاز "سبايا" إعجاب النقاد وإشاداتهم بمشاهده الواقعية الدراماتيكية الأقرب لفيلم روائي خيالي.

لكن عدة نساء ظهرن في الفيلم، من الأقلية الأيزيدية بالعراق، وكان قد استعبدهن مقاتلو داعش لسنوات، قلن لصحيفة نيويورك تايمز الأمريكية إن حقوقهن انتهكها مخرج العمل هوجير هيروري، لا سيّما حقهن في السيطرة على حياتهن وتقرير إذا كن يرغبن في الظهور في الفيلم.

طلبت الأيزيديات عدم كشف هوياتهن. بعضهن لا يزال يخشى انتقام داعش، والبعض الآخر يخشى من ردود الفعل في مجتمعه المحافظ. وهي نفس الأسباب التي دفعتهن إلى التخوف من الظهور في الفيلم.

ولا تزال النساء اللواتي صورت عمليات إنقاذهن في الفيلم في مخيمات النازحين العراقيين، في بيوت آمنة، أو في دول أخرى. ويخشى أن يمنعهن ظهورهن في الفيلم من المضي قدماً في حياتهن.

يُخشى أن يمنعهن ظهورهن في الفيلم من المضي قدماً في حياتهن… بطلات وثائقي "سبايا" من الناجيات الأيزيديات من الاستعباد الجنسي لداعش يتهمن مخرجه بخداعهن

ولد هيروري، وهو من أصل كردي عراقي، في دهوك بالعراق قبل أن يحصل على اللجوء في السويد حيث يقيم الآن. واستغرق تصويره "سبايا" عامي 2019 و2020 إذ تكررت زياراته لسوريا والعراق، وبشكل خاص مخيم الهول السيّىء السمعة في شمال شرقي سوريا.

إشكالية مهنية وأخلاقية وإنسانية

قال ثلاث من بطلات العمل إنهن لم يفهمن ما خطط له المخرج أو إنه قيل لهن إن الفيلم لن يُعرض في العراق أو سوريا فيما قالت رابعة إنها كانت تعلم أن هيروري يصنع فيلماً، وأنها أخبرته أنها لا تريد أن تظهر فيه.

كذلك أوضحت أسرة طبيبة كردية سويدية نشطت في مجال مساعدة الضحايا الأيزيديات أنها لم تكن تريد الظهور في الفيلم الوثائقي.

وصرّحت إحدى النساء الأيزيديات: "قلت لهم إنني لا أريد أن أُصوّر. هذا غير جيد بالنسبة لي، بل هو خطير". وتابعت أخرى أن المخرج أخبرها أنه كان يصور لاستخدامه الشخصي. وقالت ثالثة إنها أخبرته منذ البداية أنها لا تريد الظهور في العمل مع قادة المجتمع الأيزيدي الذين "تم تصويرهم على أنهم أبطال بينما هم في الحقيقة كذبوا على بعض النساء وأخذوا منهن أطفالهن".

وأكدت إحدى النساء أنها تعرضت لـ"ضغوط" من قبل القادة الأيزيديين للتوقيع على استمارة الموافقة رغم أنها لم تفهم ما فيها. علماً أن الموافقة تمنح صانعي الأفلام حقوقاً واسعة النطاق في ما يتعلق بالقصص والصور والأصوات وحتى أسماء النساء.

وتثير هذه الاعتراضات قضية الموافقة المستنيرة من قبل الناجين/ ات المصابين/ ات بصدمات نفسية على الظهور الإعلامي، وأيضاً المهنية والمعايير المختلفة المتبعة في الأعمال الوثائقية في الدول الغربية.

على الجانب الآخر، رد المخرج هيروري بأنه حصل على موافقة شفهية أو كتابية أو مصورة من جميع النساء اللواتي ظهرن بشكل صريح في الوثائقي، مدّعياً أن "بعض الناس غيروا رأيهم". واستدرك بأن الحالات التي لم توافق فيها النساء على الظهور كتابياً، تم تمويه وجوههن.

تثير الاتهامات للمخرج قضية الموافقة المستنيرة من قبل الناجين/ ات المصابين/ ات بصدمات نفسية على الظهور الإعلامي، وأيضاً المهنية والمعايير المختلفة المتبعة في الأعمال الوثائقية في الدول الغربية

وبيّن هيروري في تصريحات لصحيفة "التايمز" أنه في البداية سجل موافقة شفهية من النساء عقب إنقاذهن عام 2019 أثناء إقامته مع بعضهن في نفس المنزل الآمن الذي نُقلن إليه في سوريا، مضيفاً أنه خطط لأن يوقعن على موافقات مكتوبة لاحقاً، غير أن ذلك تأخر بسبب جائحة فيروس كورونا، ودفعه لإرسال نماذج عبر الإيميل لتوقيعها.

أقرت النساء بتلقي النماذج الإلكترونية، ولكن باللغة الإنجليزية التي لا يفهمنها وبعد عامين تقريباً من تصوير الفيلم وأيضاً بعد عرضه. علاوة على ذلك، طلبت النماذج التي تحمل تاريخاً بعد عرض الفيلم في صندانس، في كانون الثاني/ يناير الماضي، موافقة بأثر رجعي.

القضية الشائكة

عام 2014، إبان سيطرة داعش على مساحات واسعة من العراق وسوريا، شن التنظيم هجوماً وحشياً ونفذ إبادةً جماعية بحق الأقلية الأيزيدية بالعراق في منطقة سنجار. اختطفت وقتذاك نساء أيزيديات من مختلف الأعمار- بينهن طفلات- وجرى بيعهن واستعبادهن جنسياً كسبايا لمقاتلي التنظيم.

يتعقب وثائقي "سبايا" مصير العديد من ضحايا الاستعباد الجنسي من الأيزيديات عقب حملة الإبادة الجماعية التي نفذها داعش وأسفرت عن مقتل نحو 3000 من الأيزيديين وأسر 6000 آخرين.

ويركز على الجهود المبذولة لإنقاذ عدد من الأيزيديات من قبل اثنين من الناشطين وقادة المجتمع الأيزيديين والحراس في مخيم الهول حيث تحتجز قرابة 60 ألف امرأة وطفل منذ سقوط داعش في عام 2019.

من المحتجزات في الهول، المئات من الإيزيديات اللواتي أجبرن على الاستمرار في العيش مع عائلات مقاتلي التنظيم الذين استعبدوهن، حتى عقب مقتل معظم هؤلاء المقاتلين في المعارك.

ويتناول الوثائقي أيضاً القضية الحساسة لفصل الأمهات الأيزيديات عن أطفالهن المولودين من مقاتلي داعش الذين يرفض المجتمع الأيزيدي استيعابهم وترفض الكثير من الأمهات التخلي عنهم. وإن تخلت بعضهن عن أطفالهن ليتمكنّ من العودة لحضن مجتمعهن.

قالت ناجية أيزيدية إنها أخبرت المخرج منذ البداية أنها لا تريد الظهور في العمل الذي صوّر قادة المجتمع الأيزيدي "على أنهم أبطال بينما هم في الحقيقة كذبوا على بعض النساء وأخذوا منهن أطفالهن"

وفي سياق هذه المعاناة المستمرة للأيزيدات، شكك بيتر غالبرايث، السفير الأمريكي السابق بالمنطقة، في أن تكون الناجيات الأيزيديات قدمن "موافقة مستنيرة" على الظهور في الفيلم، مستدركاً بالقول: "حتى لو كن قد فعلن ذلك، فمن المرجح أنهن لم يفهمن التداعيات الكاملة لذلك". ساعد غالبرايث في لم شمل أكثر من 12 امرأة إيزيدية مع أطفالهن الذين سلبوا منهن.

أما ليتا تايلر من "هيومن رايتس ووتش"، فاعتبرت أن "الفيلم يرفع عدداً من الإشارات الحمراء بالنسبة لنا في ما خص المخاوف من ‘إيذاء الضحايا‘. كيف يمكن للنساء المحتجزات في منزل آمن بدون مخرج سهل أن يقدمن موافقتهن؟".

كما أعربت عن قلقها بشكل خاص حيال لقطات مقربة لفتاة تبلغ من العمر سبع سنوات ظهرت في الفيلم. قال هيروري إنه حصل على موافقة ولي أمر الفتاة، لكن الوصي القانوني عليها نفى للتايمز أن يكون قد منح الأب موافقته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard