"كنا نشبه الأغنام أو القطط الخائفة"... ذكريات أول يوم دراسي في الجزائر

الأحد 19 سبتمبر 202106:34 م

"أجواء فرحة غير عادية خيمت على بيتنا الصغير تلك الأيام، التي سبقت أول أيام لي في المدرسة، كنت أتردد على السوق رفقة أمي بشكل يومي لاقتناء كسوة الدخول المدرسي، فهي شبيهة بالأيام التي تسبق العيدين، عيد الفطر وعيد الأضحى".

يقول وليد، شاب جزائري في العقد الثالث من عمره، وهو أب لطفلتين، عن ذكريات بداية دخوله الدراسة.

يتابع وليد، خريج كلية الحقوق، والابتسامة ترتسم على وجهه: "في اليوم الذي سبق دخولي المدرسة، عكفت والدتي على تحضير كميات لا تعد ولا تحصى من 'الخفاف' أو 'السفنج'، وهي في الأصل حلوى تصنع في الجزائر وتونس والمغرب، ولكن تختلف طريقة تحضيرها من دولة لأخرى، تباع كثيراً في الجزائر في محلات خاصة بصناعة حلويات تقليدية جزائرية مثل الزلابية وقلب اللوز ومقيرط والقطايف، وغيرها من الحلويات المطلوبة بكثرة في شهر رمضان".

أكل الحلوى

وتعتقد أمهات جزائريات أن تحضير هذه الفطائر التقليدية عشية ذهاب الطفل إلى المدرسة لأول مرة فأل خير، ويؤمنّ أيضاً بأن تلك الطقوس من شأنها أن تجعل التعليم أكثر متعة وسهولة.

ومن المرتقب أن يلتحق أكثر من 10 ملايين تلميذ جزائري في الأطوار التعليمية الثلاثة يوم الثلاثاء 21 أيلول/ سبتمبر بمختلف مدارس المحافظات، التي يتجاوز عددها 20 ألف مؤسسة تعليمية.

وللعام الثاني على التوالي، فرضت السلطات الجزائرية تدابير احترازية مشددة، إذ يضطر المعلمون والعاملون في المدارس إلى ارتداء الكمامات، واحترام مسافة التباعد الاجتماعي في الفصول والساحات.

يتذكر وليد إصرار جدته على أكل كميات كبيرة من هذه الحلوى التقليدية، رغم عدم شهيته لها، كانت تقول له: "فلتأكل منها حتى تصبح خفيف العقل، قادراً على الحفظ والتذكر بسهولة".

ويتذكر وليد كيف وزعت والدته تلك الحلوى على الجيران والأطفال الصغار، وهي ترقص فرحاً بأول يوم له في المدرسة، أما هو، فيقول متحدثاً عن مشاعره: "أحاسيس مناقضة لما كانت والدتي تحس به، فالمشاعر كانت تتضارب بداخلي، ومئات الأصوات والسيناريوهات ترتسم، قضيت الليلة بأكملها أتقلب في فراشي، أنتظر بزوغ الشمس على أحر من الجمر".

"لأول مرة اشتقت إلى منزلي وإخواني، مدرستي كان يخيم عليها جو من الكآبة والحزن، وقلت لأمي أنا لا أحب المدرسة، أحب اللعب، وأفلام الكرتون"

"كانت الساعة تشير إلى السادسة والنصف صباحاً حينما دق منبه هاتف أمي، استيقظ كل من في المنزل، أما أنا فهممت مسرعاً إلى المرحاض، ومن ثم تناولت حليبي، وارتديت كسوة الدخول المدرسي والمئزر الأبيض، الذي يسقط الطبقية التي تلاحق التلاميذ داخل المدارس، فالجميع سواسية في هذا اليوم"، يقول وليد.

"بعد ربع ساعة من المشي وسط جو من البهجة والاحتفال، وصلنا أنا ووالدتي إلى المدرسة التي لطالما حدثتني عنها، شاهدت في الخارج صبيان وبنات من عمري، وبوابة ضخمة حديدية سوداء اللون، تشبه كثيراً بوابات السجون، مثل تلك التي شاهدتها بعد ذلك في المسلسل الأمريكي الشهير 'الهروب من السجن' أو 'بريزن بريك'. دقَ الجرس، فتدافع التلاميذ إلى وسط الفناء حيث سارية العلم، والمدير يمسك بعصاه الخشبية، ويصرخ بين الحين والآخر".

ويتابع وليد: "بقيت أنا التلميذ الوحيد أمام الباب الحديدي، رفضت مفارقة والدتي التي تحجرت الدموع في عينيها العسليتين، وبعد برهة من الزمن ساقني حارس المدرسة المسنّ إلى حجرة قضيت فيها ست سنوات كاملة من عمري".

"أتذكر مدرّسة الصف الأول، وأذكر أنها أعطتني حبة حلوى لإسكاتي، وبدأت تنشد لنا أغانٍ عديدة مثل مدرستي الحبيبة، إلى أن دق الجرس، وعدنا أدراجنا إلى البيت، حينها قابلتني أمي، وقلبها مثقل بالشوق، وشفتاها الرقيقتان لا تكفان عن طرح الأسئلة".

أما رمزي، شاب جزائري في العقد الثالث من عمره، موظف حكومي، فيعتبر أول يوم له في المدرسة "نقطة تحول" كبيرة في حياته لأنه انفصل عن محيطه العائلي، وبالأخص والدته التي لم يكن ينفصل عنها إطلاقاً.

ولا ينسى رمزي، سليل قسنطينة التي تعرف بمدينة الجسور المعلقة، وتبعد حوالي 400 كيلومتر عن العاصمة الجزائر، الألم الذي أحسَ به عندما فارق منزله.

يقول رمزي لرصيف22: "في تلك الليلة أعدت جدتي مشلوش القسنطيني الجزائري، وهو عبارة عن حلوى جزائرية تقليدية برزت لأول مرة في محافظة قسنطينة تحضر بالعسل والمكسرات، ووزعته على الأطفال الصغار والجيران والأقارب".

أجواء الكآبة والحزن

لا يزال رمزي يتذكر لحظة فراق والده وهو طفل لم يكمل السنة السادسة من عمره، ووالدته كانت تنصحه بالذهاب إلى المرحاض حتى لا يتبول على نفسه أمام زملائه، والإكثار من شرب الماء، وحتى الأكل وقت الاستراحة.

"عانيت كثيراً إلى أن عدت للمنزل"، يتذكر رمزي تفاصيل هذا اليوم جيداً، كيف كان أستاذه يتجول بين الصفوف، حاملاً عصاه المخيفة، التي لازمته طيلة الموسم الدراسي، ونبرة صوته الغليظة والمبحوحة.

سأل المعلم كل طفل عن اسمه، ووظيفة أبيه، يقول: "هذا السؤال ظلَ يلاحقنا إلى أن أتممنا الدراسة في الطور الثانوي، فهذا النوع من الأسئلة يكرس الطبقية والفوارق الاجتماعية داخل المدارس".

"انتهى اليوم الدراسي الأول، وأتت أمي لاصطحابي من المدرسة، ظلت طول الطريق تسألني كيف كانت المدرسة، وهل أغرمت بها؟ إجابتي كانت صادمة يومها لأنني أبلغت أمي أنني لا أرغب في الدراسة، وأفضل البقاء في البيت، ومشاهدة الرسوم المتحركة على التلفاز، ولعب كرة القدم مع أقراني".

"لأول مرة، اشتقت إلى منزلنا الصغير الدافئ وإخواني، فمدرستي كان يخيم عليها جو من الكآبة والحزن".

وعلى عكس رمزي، كانت بيسان، طبيبة أطفال في العقد الثالث من عمرها، متلهفة للالتحاق بمقاعد الدراسة، فلم تشعر بالوحدة مطلقاً لأن بنات حارتها وشقيقيها الكبيرين كانوا يدرسون معها بنفس المدرسة.

"وزعت علينا الحلوى... كانت شبيهة بحلوى العيد، أحسست أنها كانت طعماً خاصاً لإرضائنا، كنا نشبه الأغنام أو القطط الخائفة"

تقول بيسان لرصيف22: "لم أخف أو أبكي فالمدرسة كانت تحتوي على كل شيء، ملعب صغير لكرة القدم، وآخر لممارسة الطائرة والسلة، وحتى مكتبة صغيرة ومزدحمة بالكتب والقصص".

ما أثر في بيسان كثيراً، الحلوى التي وزعتها معلمتها، تقول: "كانت الأستاذة تفعل ما بوسعها حتى لا نذرف دموعاً، ووزعت علينا الحلوى كلما حفظنا سورة أو النشيد الوطني، كانت شبيهة بحلوى العيد، أحسست أنها كانت طعماً خاصاً لإرضائنا، كنا نشبه الأغنام أو القطط الخائفة".

"حلَ المساء وعدت إلى حياتي العادية"، تقول بيسان أنها كانت مدركة إلى أن تغييراً كبيراً قد طرأ على حياتها، والدها صار يجبرها على النوم مبكراً، لتستيقظ الساعة السادسة صباحًا، وهو ما سبب لها اضطراباً في مزاجها، وتخبطت في شعور دائم بالحزن، فهي لم تعد تجالس أبويها كما السابق، لقد كبرت الآن، وتجاوزت تلك المرحلة الوادعة من العمر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard