"أهم محرك لرفاهيتنا ولطول العمر"... ماذا يحدث عندما نفقد الشعور بالانتماء؟

الثلاثاء 14 سبتمبر 202105:08 م

لدى البشر حاجة غريزية للانتماء، فمن الناحية التطورية، أدى التعاون والعلاقات الاجتماعية إلى تعزيز فرص البقاء على قيد الحياة.

واللافت أن عالم النفس الأميركي الشهير إبراهام ماسلو، وجد بأن الانتماء الاجتماعي أمر بالغ الأهمية لرفاهيتنا، لدرجة أنه صنّفه مباشرة تحت الاحتياجات الفيزيولوجية، مثل الطعام والماء والحاجة إلى الأمان.

ما أهمية الشعور بالانتماء؟ وماذا يحدث عندما نفقد هذا الشعور في حياتنا؟

الارتباط الحيوي

الانتماء هو الشعور بالترابط مع مجموعة معيّنة والمشاركة في الأحداث الاجتماعية، انطلاقاً من إيماننا بأننا ركن أساسي في المجتمع، فنشعر بأننا متصلون وقريبون ومقبولون تماماً من قبل الآخرين، لكن الانتماء هو أبعد من مجرد كوننا جزءاً من مجموعة ما، بحيث يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية الاجتماعية، والتي هي عبارة عن مجموعة من المعتقدات أو المثل العليا المشتركة.

في كتابه Happiness Hypothesis، أطلق جوناثان هايدت على الانتماء مصطلح "الارتباط الحيوي"، معتبراً بأنه شبكة من العلاقات والشعور بالمجتمع الذي نشعر فيه والارتباط بالنشاط والتقاليد والمجموعة نفسها: "أن تكونوا محاطين بكائنات بشرية أخرى لا يضمن الشعور بالانتماء. يتعلق الانتماء في الواقع بتحديد الهوية كعضو في مجموعة والتفاعلات عالية الجودة التي تأتي من ذلك"، منوهاً بأن هذه التفاعلات هي التي تدعمنا كبشر مع مرور الوقت.

وجدت دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أننا نتوق إلى التفاعلات في نفس المنطقة من أدمغتنا التي نتوق فيها إلى الطعام، وأظهرت دراسة أخرى أننا نشعر بالإقصاء الاجتماعي في نفس المنطقة من دماغنا التي نشعر فيها بألم جسدي

في الواقع، إن الارتباط بمقدم الرعاية، وتحديداً الأهل، يعتبر بداية حاجتنا الأساسية للانتماء.

فقد أظهرت الدراسات أن الأطفال الذين لم يحققوا ارتباطاً صحياً في حياتهم هم أقل تقديراً لذاتهم، وتكون لديهم نظرة سلبية للعالم من حولهم، كما يمكن أن يكون لديهم تصور دائم بالرفض.

في هذا الصدد، يُعد الاكتئاب والقلق والانتحار من الحالات النفسية الشائعة المرتبطة بفقدان الشعور بالانتماء، ويمكن أن تؤدي هذه الحالات الصحية إلى سلوكيات اجتماعية تعرقل قدرة الفرد على الاتصال بالآخرين، ما يخلق حلقة من الأحداث التي تزيد من إضعاف الشعور بالانتماء.

فقد وجدت دراسة حديثة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أننا نتوق إلى التفاعلات في نفس المنطقة من أدمغتنا التي نتوق فيها إلى الطعام، وأظهرت دراسة أخرى أننا نشعر بالإقصاء الاجتماعي في نفس المنطقة من دماغنا التي نشعر فيها بألم جسدي.

في السياق نفسه، وجد بحث في جامعة كولومبيا البريطانية أنه عندما نعاني من النبذ في مكان العمل، فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى عدم الرضا الوظيفي وبروز المشاكل الصحية.

بمعنى آخر، هناك علاقة مباشرة بين المشاكل الصحية، سواء كانت نفسية أو جسدية، وبين الشعور بالانتماء، بحيث أن بروز بعض الأمراض من شأنه أن يعيق عملية التواصل ويجعل المرء يشعر بالنبذ والإقصاء عن المجتمع، كما أن الرفض من قبل المجتمع من شأنه أن يجعل الشخص المعني يعاني من عدة مشاكل نفسية وسلوكية.

تعزيز السعادة

انطلاقاً من كوننا مخلوقات اجتماعية، فإن الانتماء إلى مجتمع ما قد يكون بمثابة الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، بحيث كان الأفراد عبر التاريخ يعتمدون بشدة على مجتمعاتهم من أجل البقاء على قيد الحياة، ومن خلال التكاتف معاً، تمكنوا من تجميع الموارد، مثل الطعام، ما أدى لزيادة معدلات البقاء على قيد الحياة وإفادة المجتمع ككل، وهذه الحاجة العميقة الجذور للانتماء الاجتماعي لا تزال قائمة في داخلنا.

يمكن تقسيم الشعور بالانتماء إلى أربعة أبعاد رئيسية: تلبية الاحتياجات، التأثير، الاتصال العاطفي المشترك والعضوية.

تلبية الاحتياجات: يشمل تلبية الاحتياجات الفوائد التي يحصل عليها الأعضاء داخل المجتمع لكونهم جزءاً من مجتمعهم. يمكن أن تكون هذه الفوائد ملموسة، مثل الوصول المادي إلى الموارد، أو فوائد غير ملموسة، مثل الدعم العاطفي. غالباً ما تؤدي العضوية الناجحة داخل المجتمع إلى شكل من أشكال الوفاء للأعضاء.

التأثير: التأثير في المجموعة هو قدرة الأعضاء على التأثير على بعضهم البعض. هذا مهم لأنه يحافظ على النظام الاجتماعي من خلال الاعتراف باحتياجات الأفراد وتشجيع الشعور بالتوقعات المجتمعية.

الارتباط العاطفي المشترك: يأتي من التاريخ المشترك والألفة التي تتجلى في التقارب والتعلق. هذا هو "غراء" المجتمع، حيث يربط الناس ببعضهم البعض من خلال التجربة المشتركة.

العضوية: باعتبارها البعد الأخير للمجتمع، هو الشعور بالانتماء الذي يشعر به الأفراد أثناء وجودهم داخل المجتمع. يتم تطوير ذلك من خلال استثمار الوقت والموارد في المجتمع وكذلك من خلال مشاعر الثقة المتبادلة.

وبالنسبة إلى الفوائد التي يمكن أن يجنيها المرء من الشعور بالانتماء، فقد كشفت دراسة عن الصحة والشيخوخة من هارفرد، استمرت 80 عاماً، أن العلاقات الوثيقة هي التي تجعل الناس سعداء طوال حياتهم، مشيرة إلى أن العلاقات التي يبنيها المرء مع العائلة والأصدقاء والمجتمع تساهم في إبعاد الانهيار النفسي والجسدي.

بمعنى آخر، يمكن القول إن الروابط الاجتماعية هي من أفضل مؤشرات التنبؤ عن سعادتنا وطول العمر، مقارنة بالطبقة الاجتماعية أو معدل الذكاء أو علم الوراثة.

مخاطر خسارة الانتماء

الانتماء هو إحساس بالقبول والترحيب في مكان أو جماعة أو منظمة.

بعد النتائج التي توصلت إليها دراسة هارفارد، من المرجح أن يعني الانتماء المجتمعي المنخفض سعادة أقل، صحة أقل وحياة أقصر.

وبالتالي فإن السؤال الذي يطرح نفسه: إذا كان الانتماء هو أهم محرك لرفاهيتنا، فكيف نفعل بعد مرور أكثر من عامين على العزلة الاجتماعية، الخوف، عدم اليقين والتوتر الاجتماعي؟

ما لا شك فيه أن هناك أسباب مقنعة وإيجابية للغاية لتعزيز الانتماء، ولكن هناك أيضاً خطر حقيقي من خسارة هذا الشعور: نظراً لكوننا كبشر مجبرين على التواصل الاجتماعي، فإننا نتوق إليه ونبحث عنه، وإذا لم نجده في مجتمعنا، فإننا نبحث عنه في مكان آخر.

يُظهر التاريخ أن هذه الديناميكية يمكن للقوى الحاقدة أن تستخدمها لمصلحتها: هتلر هو مجرد مثال واحد على خلق شعور قوي بالانتماء عن طريق تشويه صورة الآخرين وتجريدهم من إنسانيتهم.

وفي غياب القدرة المتصورة للنجاح والمساهمة، قد يبحث الناس عن طرق أخرى للعثور على الانتماء، أو قد يناصروا قضايا معيّنة بغية أن يشعروا بأنهم جزء من شيء أكبر من أنفسهم.

بمعنى آخر، نحن كبشر بحاجة إلى الانتماء الإيجابي القائم على الفرص لتحقيق إمكاناتنا وتجنب تكرار أسوأ اللحظات الإنسانية.

لقد نظر الناس تقليدياً إلى المؤسسات الاجتماعية لبناء الانتماء، بما في ذلك الجماعات الدينية والفرق الرياضية والمنظمات والحكومات، ولكن لدى الشركات أيضاً فرصة واضحة لبناء الانتماء، ومن خلال القيام بذلك، فهي تساهم في إنشاء روابط عاطفية قوية بين العلامة التجارية والموظفين/ات، بخاصة وأن الشركات قادرة على منح الأفراد فرصاً للمساهمة بمهارات ومواهب فريدة، والعثور على النجاح، مما يعزز الشعور بالانتماء.

من هنا، أوضح الأخصائي في علم النفس والباحث الاجتماعي محمد الطناوي، أنه في ظل أزمة كورونا فقد الكثير من الناس وظائفهم، "وهذا قطعاً يودي بالشخص إلى الشعور بالاغتراب وعدم الانتماء"، على حدّ قوله.

وأضاف لرصيف22: "هي لفتة تطرق إليها ماركس، فأشار إلى أنه في ظل النظام الرأسمالي ارتبط شعور الاغتراب بالعمل، فكلما زاد العامل من طاقته الإنتاجية زادت قيمته وبالتالي شعوره بالانتماء، وكلما قلت تلك الطاقة انحدرت قيمته الإنسانية، وبالتبعية تعمق شعوره بالاغتراب وعدم الانتماء".

الانتماء إلى مجتمع ما قد يكون بمثابة الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، بحيث كان الأفراد عبر التاريخ يعتمدون بشدة على مجتمعاتهم من أجل البقاء على قيد الحياة، ومن خلال التكاتف معاً، تمكنوا من تجميع الموارد، مثل الطعام، ما أدى لزيادة معدلات البقاء على قيد الحياة وإفادة المجتمع ككل

وأشار الطناوي إلى أن هناك بعداً آخر فيما يتعلق بمسألة كورونا، أو أي كارثة كونية بصفة عامة، هو تعرض الناس إلى أزمات وجودية يترتب عليها الشعور بالاغتراب عن العالم: "هذا يستدعي جهد المثقفين للتعافي من تبعات الكارثة بإعادة تشكيل المنظومة القيمية والثقافية، مثلما حدث بعد الحرب العالمية الثانية، فتلى انحسارها ظهور عدد من الفلسفات، في مقدمتها الوجودية، لمعالجة شعور الفرد بالاغتراب وعدم الانتماء للعالم".

باختصار، إن الشعور بالانتماء هو أهم محرك لرفاهيتنا ولطول العمر وهو أمر أساسي وحيوي للطريقة التي تنظم بها البشرية نفسها، والا لغرق الناس في العزلة القاتلة، هذا ولا يمكننا فصل أهمية الشعور بالانتماء عن صحتنا الجسدية والنفسية، فالروابط الاجتماعية التي تصاحب الشعور بالانتماء هي عامل وقائي يساعد في إدارة التوتر: عندما نشعر بأننا نحظى بالدعم وبأننا لسنا وحدنا، فإننا غالباً ما نتعامل بشكل أكثر فاعلية مع المراحل الصعبة في حياتنا، وبالمثل فإن التعامل مع المصاعب بشكل جيّد قد يقلل من التأثير الجسدي والنفسي السلبي لهذه المواقف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard