عن الانتماء الذي ينسجم مع زمن الفاجعة

الخميس 19 أغسطس 202112:38 م
عُرض فيلم "صعيدي في الجامعة الأمريكية" عام 1998، ليشكل نقطة انطلاق لبطله محمد هنيدي، وليفتح المجال أمام بقية أبطال العمل، ليصبحوا نجوم الصف الأول في مصر، والمقصود تحديداً أحمد السقا، وهاني رمزي، وغادة عادل، ومنى زكي، ولاحقاً فتحي عبد الوهاب. يحكي الفيلم قصة "خلف الدهشوري خلف"، الشاب المنحدر من صعيد مصر، والحاصل على منحة خاصة للدراسة في الجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي كان مقرها في تلك الفترة بالقرب من ميدان التحرير الشهير. يصطدم خلف باختلاف الثقافات، والمستويات الاجتماعية، والهويات أيضاً، إذ لا تسود اللغة الإنكليزية في الجامعة، لأنها أمريكية فحسب، بل لأنها "ستايل العصر الجديد"، والأزياء كذلك، وأسلوب الحياة. كل شيء مختلف عن الريف الذي جاء منه خلف.

من القضايا التي ناقشها الفيلم، قضية الانتماء، وتوغل الثقافة الأجنبية، والأمريكية، بين صفوف الشباب المصري خصوصاً، والعربي عموماً، وتأثير هذا الأمر على قضايا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن العربي ككل. بدا الأمر جلياً من خلال المشاهد التي ناقشت موقف هنيدي وزملائه من إسرائيل، واحتلالها الأراضي الفلسطينية، والعربية، من قلب الجامعة الأمريكية نفسها، وحديث الأب مع ابنه في لحظات ضياعه. بالإضافة إلى خطاب هنيدي الأخير الذي جاء فيه: "كان نفسي يكون معايا 60 مليون دعوة عشان كل مصر تبقى معايا"، و"احنا مش متخلفين"، و"اسمحولي أتكلم بالعربي".

سنسأل شاباً سورياً اعتُقل في سجون نظام الأسد، عن الانتماء، وحبه العميق لبلاده التي حلم، لأجلها، بمستقبل أفضل، قبل أن يُنسف حلمه، لعشرات الأسباب التي نعرفها جميعاً، والتي ربما لا نعرفها أصلاً؛ كيف ستكون ردة فعله؟ 

كانت هذه المشاهد تثير مخيلتي، طفلاً في الثانية عشر من عمره، شاهد الفيلم بعد مشاهدته عشرات المجازر، في قانا، وفلسطين، وغيرهما، عبر شاشات التلفزيون، وارتفع الأدرينالين في جسده مع سماعه أغنية "الحلم العربي"، التي أُطلقت في العام نفسه. كان الحل دائماً هو القتال حتى تحرير الأرض. جسدت هذه المشاهد هذا الحلم، ولو بطريقة غير مباشرة. بالطبع لم أمتلك يومها المعرفة، ولا التحليل، لقراءة الواقع. لم أملك سوى الحلم، ولا شيء آخر.

كان الحديث عن الانتماء والهوية، في تلك الفترة، مباحاً، إذ كانت البلاد العربية عموماً، بالإضافة إلى جانب الفساد، والرشاوى، والمحسوبيات، والقمع، تعيش جموداً سياسياً داخلياً واجتماعياً، ربما تُستثنى منه القاهرة، لوجود منظمات مجتمع مدني، ومحاولات المعارضة المستمرة لخلق مناخ سياسي أفضل. كذلك ينسحب الأمر على العراق الذي كان يعاني الأمرّين، بعد غزو الكويت، والحصار الدولي، وغيرهما.

منذ فترة قصيرة، دخلت في جدال مع أبي حول دمشق، بعد أن عاتبني على منشور على صفحتي في "فيسبوك"، قلت فيه إن دمشق ليست مدينة جميلة، وإن الناس لا يحبونها سوى لذكرياتهم فيها. وإذا ما قورنت بمدن أخرى، ستسقط في هذا الامتحان. حزن أبي بالطبع من هذا الكلام. لا يريد لأحد أن يتحدث عن مدينته التي قضى ما يقارب من نصف عمره خارجها. دخلنا في دوامة جدلية حول دمشق نفسها، ثم انتهى الحديث بقولي: "أحببتم دمشق بسبب نزار وفيروز".

لنفترض جدلاً أننا سنسأل شاباً سورياً اعتُقل في سجون نظام الأسد، عن الانتماء، وحبه العميق لبلاده التي حلم، لأجلها، بمستقبل أفضل، قبل أن يُنسف حلمه، لعشرات الأسباب التي نعرفها جميعاً، والتي ربما لا نعرفها أصلاً؛ كيف ستكون ردة فعله بعيداً عن العاطفة التي نوصم بها، نحن شعوب هذه المنطقة؟ أو لو سألنا شاباً لبنانياً عن الانتماء، في ظل الأزمات التي لا تنتهي في بيروت، والتي تمس أساسيات الحياة الإنسانية الطبيعية، ما الذي سيقوله؟ لربما سيضرب صاحب السؤال عادّاً أنه يهزأ به، أو ربما سيبّلغ عنه مستشفى الأمراض العقلية، (في حال كانت هناك إمكانية لحضور سيارة الإسعاف من المشفى في ظل أزمة الوقود أصلاً).

دأبت الأنظمة العربية على إنتاج أغانٍ وطنية، لترسيخ الانتماء إليها، لا إلى الأوطان. هنا لب الحديث، ولب المشكلة. كيف أشرح لابنتي مثلاً ماذا تعني أغنية "أنا سوري آه يا نيالي"؟ هنيئاً لي على ماذا؟ على المنفى، أم على القهر الذي نعيشه يومياً؟ وكيف أقنعها بأنها سورية، و"تنتمي" إلى بلاد لا تعرف منها سوى اسمها فحسب، وقد تحولت إلى لعنة على أبنائها؟

على الانتماء إلى قضية الإنسان أن يكون الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها، لبناء البلاد من جديد، لا على عاطفة استغلها الزعماء لقمع شعوبهم

أعتقد أن الفاجعة التي تمر فيها سوريا، ومثلها لبنان، والعراق، ودول عربية أخرى، تفتح الباب لتغيير مفهوم الانتماء الضيق المبني على شعارات أُفرّغت من مضمونها، وجُرّدت من أهميتها؛ أن ينتقل الانتماء من حدود صُنعت لظروف سياسية، وعسكرية، لا يملك فيها سكان اليوم من شعوب المنطقة، يداً، إلى انتماء لقضايا تمس مستقبله، ومستقبل أبنائه، في حال فشل من الخروج من هذه البقعة الجغرافية التي سمّاها السياسيون الشرق الأوسط.

وبمعنى أوضح، على الانتماء إلى قضية الإنسان، أن يكون الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها لبناء البلاد من جديد، لا على عاطفة استغلها الزعماء لقمع شعوبهم، من دون رحمة، ولنسف تاريخ كامل قبلهم، وقمع أي فرصة للانطلاق، والتطور، والنجاح، على المستويات كلها، السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية.

هل يعني هذا نسف أي أفكار قومية، أو دينية؟ لا ليس بالضرورة. ليس هذا المقال دعوة إلى أي فكر سياسي، ولا إلى تبني شعارات أي حزب، وكذلك الأمر ليس دعوة لنصبح أصحاب فكر أوروبي؛ "هيا لنصبح جزءاً من الاتحاد الأوروبي". أوروبا نفسها تعاني من أزمات العنصرية، وصعود اليمين، والانتماء الضيق. الولايات المتحدة الأمريكية أوصلت دونالد ترامب إلى سدة الحكم. هي الدول والمجتمعات تتغير، وتخطئ، وتصيب. بريطانيا خرجت من الاتحاد الأوروبي، وهناك دعوات مماثلة في إيطاليا، ووعود لمرشح الانتخابات الرئاسية الفرنسية فلوران فيليبو بتنفيذ مشروع "بريكست"، وخروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي.

لا يزال الفيلم يُعرض على القنوات الفضائية. شاهدته بمنظور ذكريات الطفولة، لكنني سألت نفسي محاولاً الإجابة بصدق: "هل يصح الحديث عن الانتماء اليوم؟". وبالعودة إلى الفيلم اللطيف، انتشرت أخبار، قبل مدة، عن مشروع لتنفيذ جزء ثانٍ منه، مع الأبطال أنفسهم، على الأقل بوجود منى زكي. نأمل أن يكون الفيلم لطيفاً، في جزئه الثاني، وأن يقدم معادلة جديدة للانتماء والهوية، تلائم زمن ما بعد الفاجعة، وانكشاف الحقائق القاسية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard