"المشاعر خلاص البشرية"... كيف نحوّل معاناتنا المشتركة إلى أمل للمستقبل؟

الخميس 9 أبريل 202006:12 م

من الصعب مشاهدة شخص يأكله الهمّ وهو غارق في معاناته، فقد نشعر بدورنا بالألم وتصيبنا حالة من القلق والارتباك ونسأل أنفسنا: ماذا نفعل؟ كيف نتصرف؟ تلك اللحظات المزعجة قد تكون مجرد ثوان إلا أنها تمرّ كالدهر، نظراً لثقلها ووقعها القاسي علينا، الأمر الذي قد يجعلنا نقرر الابتعاد عن الشخص قبالتنا للحفاظ على سلامتنا والمضيّ قدماً في الحياة، إلا أن العالم الذي نعيش فيه اليوم مضطرب إلى حدّ كبير، وهو أشبه بقارب يغرق في عرض البحر، ولا شيء قادر على إنقاذه سوى "ثورة" يقودها التعاطف المشترك، وفق ما ذكرته هيلين رايس، الأخصائية في علم النفس وصاحبة كتاب The Empathy Effect (تأثير التعاطف)، مشددة على أن القدرة على التواصل مع الآخرين والتعاطف معهم، الإحساس بهم، الاهتمام برفاهيتهم والتصرف برأفة، كلها أمور حيوية تساعدنا على التقدم وتحقيق النمو الشخصي، بالإضافة إلى المساهمة في ازدهار المجتمع.

المنظور العقلاني المفرط

إذا فكرتم في أكثر المشكلات التي تواجه العالم حالياً والحلول المقترحة لها، ستجدون أننا نميل غالباً لأن تكون حلولنا قصيرة المدى، لا تتطلب مشاركتنا جميعاً، كما لا نعتبر أنفسنا جزءاً من المشكلة.

واللافت أن طريقة المعالجة هذه تسري على مختلف المشاكل تقريباً، سواء كانت كبيرة أم صغيرة، بسيطة أو معقدة، فقد نتصور مثلاً أن مواجهة مشكلة التغير المناخي تستلزم فقط التحول إلى الطاقة النظيفة، أو أن طريقة معالجة ملف الهجرة تكمن في تنظيم منح التأشيرات ووضع أنظمة جديدة لضبط الحدود، وغيرها من المسائل، بحيث أننا في الغالب نقوم بالبحث عن حلول لمشاكل من خلال منظور خارجي قصير المدى، لا يلزم المشاركة الفردية، أي أننا نميل إلى إبعاد المشاعر عن عملية اتخاذ القرار، مفضلين الحلول التقنية الباردة والمجردة من العواطف.

 العالم الذي نعيش فيه اليوم مضطرب إلى حدّ كبير، وهو أشبه بقارب يغرق في عرض البحر، ولا شيء قادر على إنقاذه سوى "ثورة" يقودها التعاطف المشترك

هذا المنظور العقلاني المفرط قديم ويعود إلى عصر أرسطو، الذي وصف العواطف بأنها حواجز خطيرة، تعترض الطريق الذي يقود لأن يصبح المرء إنساناً كاملاً.

في مقاله الذي ورد في موقع بي بي سي، اعتبر آري والاش، أن هناك حكمة نفعية في طريقة التفكير هذه، مشيراً إلى أن مشاعرنا قد تتأجج من قبل قوى خارجة عن سيطرتنا، فربما يؤدي انفلات العواطف وانتشار المشاعر كالعدوى بين الحشود، إلى قيام البعض باستغلال عواطفنا لإثارة الولاء بين مؤيديهم والعداء تجاه الغرباء، وعليه ترى الحركات العقلانية أن أفضل طريقة لإحداث تغيير إيجابي طويل الأمد، تكمن في إقدام المرء على إجراء حسابات هادئة وبعيدة عن العواطف، لتحديد أقصى خير يمكن تحقيقه عبر الأفعال.

لكن محاولة قمع استجاباتنا العاطفية للظروف الحالية، لا يمكن أن يقضي على الدور الذي تلعبه هذه الاستجابات بالكامل، نظراً لكون مشاعرنا لا تشكل فقط جزءاً لا يتجزأ من إحساسنا بالسعادة والرفاهية الشخصية والاجتماعية والأخلاقية، وإنما تمثل أيضاً أدوات حيوية لحلّ التحديات المعقدة التي نواجهها بشكل فردي، كمؤسسات أو حتى كجنس بشري، وهو ما تؤكده الباحثة في جامعة بركلي، إيميليانا سايمون توماس، بالقول إن العواطف "توفر لنا معلومات جوهرية حول ما هو مهم بالنسبة لنا، وما الذي يجب علينا القيام به، وكيفية القيام به ومع من سنقوم بذلك".

والآن تمرّ الإنسانية في فترة اضطرابات هائلة، وبالنسبة للأفراد والمؤسسات الذين يحاولون تحقيق النجاح والازدهار في هذه الأوقات المضطربة، فإن العقليات والأساليب التقليدية لم تعد تنجح، وبالتالي، أوضح آري والاش، أنه من أجل خلق مستقبل أفضل حيث يمكن للجميع أن يزدهر، فإنه يتعين على القادة والمؤسسات إيجاد طرق للانخراط والتفاعل مع العواطف والمشاعر.

كيفية تسخير العواطف والاستفادة منها؟

خلال العقود الماضية، أعادت مجموعة من الأفكار العلمية تشكيل الطريقة التي ننظر بها إلى العواطف، لا سيما على صعيد كيفية تأثيرها على طريقة تفكيرنا بشأن المستقبل.

والحقيقة أننا تعلمنا أنه بالإمكان تسخير العواطف لإرشادنا نحو تبني خيارات العقلانية والعمل التعاوني، كما يمكن توجيه العواطف نحو التفكير والسلوك بشكل بعيد المدى.

واعتبر آري والاش أنه إذا أردنا أن نغير المسار حقاً وأن نقدم التزامات فردية تسمح لنا ببناء مستقبل أفضل، فإننا بحاجة إلى إيجاد طرق لاستخدام العواطف لصالحنا، بخاصة وأنه "لا يمكن تجاهل المشاعر، بغض النظر عن مدى ظلمها أو عدم امتنانها"، وفق ما قالته آن فرانك، بمعنى آخر، فإن هذه العواطف ستبقى دائماً جزءاً منّا، وبالتالي، يتعيّن علينا أن نتعلم كيفية الاستفادة منها من أجل تحسين أنفسنا ومن أجل خير الأجيال القادمة.

كيف يمكن ترجمة كل هذا على أرض الواقع؟

كنقطة انطلاق جيدة لتطوير عقلية من هذا النوع، يجب على المرء أن يعمل على تطوير مجموعة من المشاعر المعروفة باسم "العواطف الذاتية المتسامية"، التي تشمل الشعور بالتعاطف والامتنان والهلع، والتي تطورت للمساعدة على إدارة العلاقات الاجتماعية مع الآخرين، وتوجيه البشر نحو ما هو أكبر من عالمهم الفردي المحدود.

هذا النوع من المشاعر والعواطف قد نجده في أي عمل جماعي يتطلب من المشاركين التضحية بمكاسب أنانية قصيرة المدى، من أجل العمل معاً لتحقيق المنفعة المشتركة، كما أننا قد نراه أيضاً في تصرفات تتخذ طابعاً حميمياً، كأن يقرر الأجداد مثلاً المشاركة في رعاية وتربية الأحفاد.

وتسمح العواطف الذاتية المتسامية للأشخاص بإدارة المواقف المعقدة دون الحاجة لإرهاق أنفسهم ذهنياً، كما أنها تساعد في تأخير شعورهم بالحاجة لأن يحصلوا على مكافأة أو إشباع فوري تجاه أفعالهم.

واستغلال التعاطف، خاصة التعاطف عبر الأجيال، يمكن أن يساعدنا في اتخاذ قرارات تحمل تأثيراً إيجابياً علينا، الآن أو في المستقبل، قد يشمل هذا الأمر مثلاً، تناول كميات أقل من اللحوم الحمراء، ما يساعد على تحسين الحالة الصحية للقلب والأوعية الدموية لدى المرء من جهة، ويفيد من جهة أخرى النظام البيئي لعقود مقبلة.

وفي السياق نفسه، من شأن التعاطف مع الأجيال المقبلة أن يوفر صدمة عاطفية إيجابية، للتغلب على نزعتنا للمضي في الطريق السهل الذي ينطوي على فوائد قصيرة المدى، بدلاً من تبني سبل أخرى ربما تكون أكثر صعوبة، ولكنها تحقق منافع على المدى البعيد، كأن يفضل استخدام السيارة الخاصة في التنقل بدلاً من وسائل النقل الجماعية، أو يقرر تجنب الانخراط في نقاش شائك وإرجاءه، الأمر الذي قد يجعل السخط يتفاقم لأيام أو حتى لعقود.

تطوير التعاطف

على الرغم من قوّته، فإن التعاطف هشّ أيضاً، وغالباً ما يكون مفقوداً حين نكون بأمس الحاجة إليه، بحيث يجد الناس مثلاً صعوبة في التعاطف مع أولئك الذين يختلفون معهم سياسياً، إيديولوجياً أو في الأصل العرقي.

ومن جهة أخرى، يحدث التعاطف بشكل طبيعي إذا كان لدى المرء القدرة على أن يرصد، بشكل مباشر، الإشارات العاطفية الصادرة من الآخرين، من خلال رؤيته لوجوههم، سماعه لأصواتهم أو الاطلاع على قصصهم. ونتيجة لذلك، يميل الناس إلى التعاطف على نحو أكبر مع القريبين منهم، مكانياً واجتماعياً، لفترة ما، غير أنه، وعلى غرار المشاعر الأخرى، يمكن للأشخاص تنظيم الشعور بالتعاطف مع الآخرين وتوجيهه لمساعدتهم على تحقيق أهداف قد يجدون صعوبة في الوصول إليها.

وتعد تنمية الشعور بالأمان النفسي، خاصة عبر التواصل الوثيق مع الآخرين، من بين الطرق التي تساهم في تطوير الشعور بالتعاطف في دواخلنا، كما أن التفكير في الأشخاص الإيجابيين في تاريخنا، يمكن أن يساعدنا أيضاً على توسيع نطاق شعورنا بالتعاطف مع أشخاص لا يدورون في فلكنا بشكل مباشر.

"لازم نشعر بالآخرين ونلاقي طرق لنعبر فيها على أنفسنا ويكون التواصل مبني على أحاسيس وما نكون فقط أرقام محبوسة بغرفها الفردية"

وفي المقابل، هناك أسباب للاعتقاد بأن الشعور بالعواطف الأوليّة، مثل تذكر التجارب المرعبة، يمكن أن يعزّز فرص إقدامنا على تصرفات تنطوي على الإيثار، فالرعب قد يقلص نزعة المرء للتقليل من شأن حصوله على مكافأة مستقبلية، لصالح المبالغة في أهمية نيله مكسباً آنياً ولكنه محدود، فعلى سبيل المثال، يرتبط غالباً تنامي شعبية الحركات المناصرة للبيئة في العالم، بالرعب الجماعي المستوحى من الصورة الأيقونية "شروق الأرض" التي التقطها رائد الفضاء بيل أندرز، والتي تشير إلى موقع الإنسان في هذا الكون الضخم.

وبالتالي إذا كان هناك عدد أكبر من صناع القرار في العالم يبحثون عن الشعور بالرهبة أو الهلع من صور كهذه، فهل سيكونون أكثر انفتاحاً لاتخاذ الخطوات الجذرية التي نحتاجها لمعالجة القضايا البيئية، مثل الانبعاثات الكربونية وفقدان التنوع البيولوجي؟

وبدورنا كأفراد، قد نعيد النظر أيضاً في كيفية عيش حياتنا إذا تمكنا من استغلال وتسخير مشاعرنا.

"من المهم أن نكون متعاطفين مع بعضنا البعض في ظل هذه العزلة الإيجابية"، هذا ما قاله الأخصائي في علم النفس هاني رستم لرصيف22، مشدداً على أهمية تعزيز وتطوير مشاعر التعاطف بين البشر، بخاصة في ظل هذه المعركة الشرسة التي تخوضها البشرية جمعاء بوجه كورونا.

وبالرغم من التباعد الاجتماعي، أوضح رستم أن البشر بحاجة إلى إيجاد طرق للتواصل مع بعضهم البعض: "لازم نشعر بالآخرين ونلاقي طرق لنعبر فيها على أنفسنا ويكون التواصل مبني على أحاسيس وما نكون فقط أرقام محبوسة بغرفها الفردية".

وأشار هاني إلى أن التعاطف أمر عظيم، كونه يسمح لدماغنا بالنمو ويجعلنا نتفاعل مع الآخرين، وبالتالي إيجاد حلول خلّاقة للمشاكل التي تواجهنا: "ما بقدر لاقي حلول للمشاكل الخاصة فيي إذا ما كنت عم بشوفها من منظور الآخر"، مضيفاً بأن التعاطف يساهم في نمو الفرد وتطوير المجتمع: "التعاطف بيخلينا نشعر إنو مش نحن وحدنا بهيدي المشكلة، في أشخاص بيشبهونا وعم بعيشو يلي نحن عم نعيشو، وهون بتتبدد الاختلافات بين الأشخاص"، وأضاف: "فيروس كورونا وحّدنا على صعيد إحساسنا بانفسنا وبالآخر، وبخاصة إنو نحن كلنا متساويين بهيدي الكارثة يلي عم بتواجه الإنسانية".

إننا كبشر غالباً ما نميل للوقوع في "فخ" التفكير قصير المدى، والبحث عن حلول خارجية للتحديات التي نواجهها، وهذا يجب أن يتغيّر، فهناك طرق عديدة لتطوير خيارات وأولويات طويلة المدى، والتي قد تكون مفيدة لنا وللأجيال التي ستأتي من بعدنا.

وعليه، بدلاً من تجاهل أو قمع طبيعتنا العاطفية، بمقدورنا تسخير هذا الجانب الإنساني للمساعدة على خلق مستقبل نشعر بأنه سيكون أفضل لنا وللأجيال التي ستعيش فيه، والأهم من كل ذلك، أن تتكاتف البشرية جمعاء، فنحن جميعاً نجدف في القارب نفسه الذي يغرق شيئاً فشيئاً، وبالتالي فإن قارب النجاة يكون عبر التعاون، وفق ما قاله الأديب السعودي عبد الرحمن منيف: "إن البشر إذا واجهوا المصاعب بروح من التعاون والمشاركة، تبدو هذه المصاعب أقل قسوة، ويمكن التغلب عليها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard