سوق العمل الراكد في الأردن يهدد مكانة التعليم الجامعي

الاثنين 13 سبتمبر 202103:39 م

ينتظر الطلاب والأهالي إعلان نتائج القبول الموحّد في الجامعات الأردنيّة، أواخر الشهر الحالي، أو في أول يومين من الشهر المقبل على أبعد تقدير، حسب ما أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الأردنيّة، فيما تعود الدراسة الوجاهيّة إلى الجامعات، بعد تحويلها إلى التعليم عن بعد، تماشياً مع الإجراءات المتبعة في مواجهة جائحة فيروس كورونا.

العودة إلى الجامعات، دفعت ديوان الخدمة المدنيّة الأردني، للإعلان عن التخصصات الراكدة والمشبعة للعام الحالي، وبلغ عدد الطلبة الذين يحق لهم التقدم بطلبات القبول الموحد، ممن اجتازوا امتحان الثانوية العامة لهذا العام، نحو 77 ألف طالب، من أصل 83 ألفاً، مع وجود 11 ألف طالب تقدموا، بهدف رفع المعدل من السنوات السابقة، ثلاثة آلاف منهم كانت معدلاتهم 95%، فأعلى، حسب وزارة التعليم العالي.

هل التعليم يحمي من البطالة؟

يسعى العديد من الطُلاب إلى رفع معدلاتهم، بحثاً عن التخصصات العلميّة التي يرغبون بدراستها، على الرغم من أنَّ معدل البطالة كان مرتفعاً بين حملة الشهادات الجامعيّة في الأردن، إذ بلغ 27.8% مقارنةً بالمستويات التعليميّة الأخرى، حسب الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، في تقريرها عن معدل البطالة، للربع الأول من عام 2021.

وأشارت النتائج إلى أنَّ 51.0% من إجمالي العاطلين عن العمل، هم من حملة الشهادة الثانوية فأعلى، فيما بلغت نسبة العاطلين عن العمل الذكور، من حملة البكالوريوس فأعلى، 25.1%، مقابل 79.6% للإناث، في حين أنَّ 48.8% من المشتغلين، كانت مؤهلاتهم التعليميّة أقل من الثانويّ، ما يطرح بالضرورة تساؤلاً عما إذا كان التعليم بشكلٍ عام، والتعليم الجامعيّ بشكلٍ خاص، في الوقت الحاضر، ضرورةً اجتماعيّة، أو حاجةً اقتصاديّة؟

يتلقى ديوان الخدمة المدنيّة الأردنيّ من 35 ألف طلب توظيف إلى 40 ألف طلب، سنويّاً، في حين تجاوز مخزون طلبات التوظيف لديه 423 ألف طلب، نتيجة استمرار الإقبال على التخصصات الراكدة، في الوقت الذي يتخرّج فيه سنويّاً 70 ألف خريج من حملة الشهادات الجامعيّة

بين التعليم الجامعيّ والتدريب المهنيّ

يتلقى ديوان الخدمة المدنيّة الأردنيّ من 35 ألف طلب توظيف إلى 40 ألف طلب، سنويّاً، في حين تجاوز مخزون طلبات التوظيف لديه 423 ألف طلب، نتيجة استمرار الإقبال على التخصصات الراكدة، في الوقت الذي يتخرّج فيه سنويّاً 70 ألف خريج من حملة الشهادات الجامعيّة وكليات المجتمع المدني، ويستقطب الجهاز الحكوميّ ما نسبته 12% فقط منهم، في حين بلغت نسبة التعيينات في العقود الأخيرة 2.72%، حسب دراسة واقع العرض والطلب على التخصصات العلمية في الخدمة المدنية، لحملة المؤهل الجامعي، والدبلوم الشامل لكليات المجتمع لعام 2021.

وهذا ما دفع الديوان، لحثّ الخريجين وطلاب الجامعات على الابتعاد عن الوظيفة الحكوميّة، والتفكير فيها، والاتجاه نحو التخصصات التقنية، والمهنية، والحرفية، التي تتوافر فيها فرص العمل، إذ تم تعيين ما نسبته 34.5% من حملة الشهادات الجامعيّة لعام 2021، و70.4% من حملة الدبلوم، فيما بلغت نسب التشغيل لبرنامج مؤسسة التدريب المهني ما بين سنة 2016 و2020، 61%، لمن يملكون مؤهلات دبلوم، وبكالوريوس، وماجستير، ودكتوراه.

"تركتُ التعليم من أجل العمل"

النسب الحاليّة دفعت ديوان الخدمة المدنيّة الأردني، للطلب من الطلاب التوجه إلى التدريب والتعليم المهنيّ والتقنيّ، وريادة الأعمال.

اختارت لجين عمر (18 سنة)، أن تترك دراستها قبل سنتين، حين كانت في الصف العاشر، لتحصل على دورة في التجميل (الشعر، ومساحيق التجميل بشكلٍ خاص)، وتتجه نحو العمل في صالونات التجميل. تقول لرصيف22: "أدركت أن قدراتي الدراسية لن تساعدني في الفرعين، العلمي والأدبي، وعندي شغف بالتجميل، مذ كنت طفلة".

والدة لجين ساعدتها على تحديد ما ترغب به، وشجّعتها على ترك الدراسة، ولم تشأ الفتاة أن تضيّع وقتها، لتدخل إلى سوق العمل في وقتٍ متأخر، غيرَ أنَّ ردود فعل المحيطين بها، وصديقاتها، وضعتها في حيرة، قبل أن تترك المدرسة، إلى أن قررت اتخاذ خطوة حازمة تجاه حلمها، وتعبّر عن ذلك بقولها: "حين أرى العاملات في الصالونات، أرغب في أن أكون مكانهنّ".

يميل العديد من الأهالي إلى دفع أولادهم لإتمام الثانويّة العامة، أو اختيار تخصصاتٍ علميّة، إذ تُعد الشهادة مطلباً أساسياً في الحياة

لم يكن وقت إعلان نتائج الثانويّة العامة، هذا العام، سهلاً عليها، خاصةً وأنَّ صديقاتها أنهينّ دراستهن، واحتفلن بنتائجهن. تقول: "أدرك أنني في يومٍ ما، سأحصل على فرحتي"، خاصةً وأنها بدأت العمل، في المنزل، على تسريحات الشعر والبروتين، ووضع مساحيق التجميل، بيوميةٍ تتراوح بين 50 و60 ديناراً (70 و84 دولاراً تقريباً)؛ لتتجه بعدها نحو العمل في أحد الصالونات، كفترة تدريب، وتتعلم التعامل مع الأظافر والرموش الاصطناعيّة، بعد حصولها على شهادة مزاولة مهنة التجميل من الأكاديميّة الفرنسيّة.

الجامعة والتعليم

رواد مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن، تناقلوا تصريحاتٍ لأستاذ هندسة الاتصالات في جامعة الأميرة سمية، عبد الله الزعبي، قال فيها إنَّ الاقتصاد الأردني لن يتأثر، في حال إغلاق الجامعات الأردنيّة مدة خمس سنوات، خاصةً وأن الشهادة الجامعيّة لم تعد حاجةً اقتصادية.

الزعبي يوضح لرصيف22، تغيّر دور الجامعات، من إنتاج البحث العلمي، وتطويره، إلى إنتاج الخريجين من دون عمل، خاصةً وأن بعض الجامعات تخرّج طلاباً غير أكفاء، أو لا يتواءمون مع متطلبات سوق العمل، إذ إن "السوق الأردني مشوّه، وعلينا التنويع في الاقتصاد الأردني، مثل الزراعة والصناعة".

ويتابع أهميّة تحديد ما سيقدمه كل سياق جامعيٍّ للطلاب، وكيف يمكن استحداث تخصصاتٍ تتناسب وسوق العمل، مع ضرورة بناء العمليّة التعليميّة، ضمن إطار المؤهلات المعنية بالمعارف، والمهارات، والقدرات، مشدداً على دور الدولة في بناء المشاريع الجديدة، فـ"الأردن يملك الطاقات البشريّة الهائلة، وعلينا استثمارها عن طريق خطة إستراتيجيّة لدعم الاقتصاد".

وفي السياق ذاته، شجَّع ديوان الخدمة الطلاب، للتوجه إلى التخصصات التي أسماها بـ"وظائف المستقبل"، وهي التي تستجيب للتغيرات الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثقافيّة، والتقنيّة، بالإضافة إلى التخصصات التي تتضمن المهارات الرقمية، والمرتبطة بتطبيقات تكنولوجيا المعلومات، والحاسوب، مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، وعلم الروبوتكس، والطاقة البديلة والمتجددة، والتسويق الرقمي، وإدارة المتاجر الافتراضية، وغيرها.

العمل بدل التعلم

احتاج زكريا القلّاب إلى العمل، خلال دراسته الهندسة المدنيّة، لذا توجه ليصبح مساعداً لأحد العاملين في ورشةٍ لتصليح السيارات، وعمل كذلك مساعداً لـ"مواسرجي"، بدخلٍ شهريّ تراوح بين 500 و600 دينار (706 و847 دولاراً)، ويقول لرصيف22: "اخترت هذه المهن لأنها مريحة، وتختلف عن مهنة ‘التبليط’ و’الدهان’، اللّتين تحتاجان إلى جهدٍ أكبر، على الرغم من أنَّ العاملين فيها يجنون الكثير".

وحين لم يعثر على عملٍ في مجال تخصصه، عاد إلى تلك المهن الحرة، على الرغم من التعليقات التي كان يحصل عليها من المحيطين به، مثل "أنت مهندس، اعثر على ما يناسب تخصصك"، ليجد بعد سنةٍ من تخرّجه عملاً في مجال تخصصه، براتب قدره 350 ديناراً شهرياً (494 دولاراً)، ويؤكد: "شغفي في هذا المجال، وعائلتي كلها مهندسون، ويجب أن أعمل ضمن هذا السياق"، مع الإبقاء على عمله في المهن الحرة، في أيام العطل.

يرى الخبير الاقتصادي مازن أرشيد، أنَّ هناك تأثيراً إيجابيّاً لتوجه الناس نحو المهن الحرة، واعتماد الأفراد على مشاريعهم الخاصة، مع أهمية تمويل الدولة للمشاريع الصغيرة، والتنسيق مع البنوك الحكوميّة العاملة في الأردن، من أجل تقديم القروض الميسّرة لأصحاب هذه المشاريع، بفائدة متدنيّة، وبعدم وجود شروط تعجيزيّة للحصول عليها، قائلاً إن "الدول المتقدمة تساعد الخريجين على تحقيق أحلامهم بمشاريع خاصة لهم".

ويشير خلال حديثه مع رصيف22، إلى أن الأردن من بين أكثر دول العالم توظيفاً في القطاع العام، لافتاً إلى أن ذلك "يؤدي بالضرورة إلى الترهل الحكوميّ، والإداريّ، والفساد الإداري، والمحسوبيّة، لأنه مكان غزير، من أجل التعيينات بعيداً عن الكفاءة"، شارحاً: "كلما ازداد دخل الفرد، كلما أدى إلى تحسن الاقتصاد الوطني، لأن نقوداً أكثر تعني الاستهلاك والشراء".

ويبين أرشيد أن ارتفاع القوة الشرائيّة، يؤدي إلى زيادة المبيعات للشركات، وارتفاع الإيرادات الضريبيّة، والرسوم الجمركيّة للبلد، ورفد خزينة الدولة بإيرادات ضريبيّة إضافيّة، لسداد رواتب موظفي القطاع العام، وديونه، أيّ أنَّ دخل 600 دينار شهرياً، أفضل للاقتصاد الوطنيّ والأفراد من دخل 350 ديناراً، فـ"كلما ازداد دخل الفرد، تنشط القطاعات الاقتصاديّة، ومن ضمنها البنوك، ما يعني قروضاً أكثر، وفرصاً أكبر لإقامة المشاريع"، كما أن صاحب الدخل المتدني، غير قادر على تأمين احتياجاته الأساسيّة، من طعام، وشراب، وصحة.


كيف يرى الأهالي التعلم؟

يميل العديد من الأهالي إلى دفع أولادهم لإتمام الثانويّة العامة، أو اختيار تخصصاتٍ علميّة، إذ تُعد الشهادة مطلباً أساسياً في الحياة. تقول أم أحمد إنها سترضى بأن يدرس ابنها التخصص الصناعيّ في الثانويّة، بدلاً من العلميّ والأدبي، إذا ما لم تُتح له فرصة دراسة الهندسة في الجامعة.

وتتابع في أثناء حديثها مع رصيف22، قائلةً: إنَّ التعليم الثانويّ بات ضرورة، حتى لو تطلَّب الأمر من ابنها قضاء أربع سنواتٍ، أو أكثر، حتى يحصل على الثانوية لارتياد الجامعة، مشيرةً إلى أنَّ "الزمن اختلف، ويمكن للمرء أخذ وقته في دراسة المواد، وتأجيل الفصول، حتى يحصل على الثانوية العامة".

"الأردن من بين أكثر دول العالم توظيفاً في القطاع العام وهذا يؤدي بالضرورة إلى الترهل الحكوميّ، والإداريّ، والفساد الإداري، والمحسوبيّة، لأنه مكان غزير، من أجل التعيينات بعيداً عن الكفاءة"

وعلى الرغم من أرقام ديوان الخدمة المدنيّة، وواقع السوق الأردنيّ، يرى الكثيرون ضرورة الحصول على الشهادة الثانويّة، والجامعيّة، فالتعليم في المجتمع الأردنيّ هو حاجة اجتماعيّة واقتصاديّة، كما يصفه أرشيد، إذ يُنظر إلى الدراسة الجامعيّة كمستوى عالٍ من التعليم، مع تجاهل أهميّة التعليم المهنيّ.

ويلفت الخبير الاقتصادي، إلى ضرورة التنسيق بين وزارتيّ العمل، والتربيّة والتعليم والجامعات، وغرفة الصناعة والتجارة، من أجل معرفة التخصصات المرغوبة، والمشبعة، في سوق العمل، واتخاذ إجراءات في شأنها، لجهة إغلاقها، أو إيقاف القبول فيها، أو تخفيف أعداد الطلاب المتجهين نحوها، بالإضافة إلى استحداث تخصصاتٍ جديدة تتواءم مع سوق العمل، متسائلاً: "الأردن يستورد 97% من احتياجاته للطاقة من الخارج، فلماذا لا توجد لدينا تخصصات تُعنى بهذا الأمر؟".

وأشار رئيس ديوان الخدمة المدنية سامح الناصر، خلال تصريحات صحافيّة، إلى وجود 40 تخصصاً علمياً، نصفها لحملة البكالوريوس، والنصف الآخر لحملة دبلوم كلية المجتمع الشامل، وهي الأكثر كثافةً وإقبالاً من قِبل الطلبة، وجميعها مصنفة بالراكدة، والمشبعة، وتكفي احتياجات سوق العمل المحلي لفترة لا تقل عن 10 أو 15 سنة قادمة، مشدداً على عدم وجود استجابة حقيقية لدى المجتمع بأهمية تغيير الثقافة السائدة تجاه التخصصات التقنية والمهنية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard