"سينتج عنه طلاب غير متعلمين"... أمهات ومعلمات أردنيات يرفضن التعليم عن بعد

الاثنين 12 أكتوبر 202002:58 م

تأثّر القطاع التعليمي في الأردن بجملة من القرارات المتتالية التي فرضتها الحكومة على القطاعات الحيوية، من بينها تطبيق التعليم عن بعد، لمنع تفشّي وباء كوفيد19. في البدء لاقت تجربة التعليم عن بعد تخبطاً مجتمعياً بين القبول والرفض عند الأهالي والمعلمين وبينهما الطالب، بكونها غير مسبوقة، وبعد فترة بسيطة من التجريب إلى حين انتهاء الفصل الدراسي الثاني الماضي.

 رُفض هذا الشكل التعليمي من قبل فئات مجتمعية كثيرة، لعدة أسباب، أهمها عدم وجود عدالة في التعليم لكون أساس التعلم عن بعد بمكن بتوفير اتصال إنترنت وجهاز حاسوب، وإمكانية اتصال مع المعلم/ة، كما في ظل وجود عدد كبير من القرى والبلدات الأردنية التي تفتقر لخدمات الإنترنت، وتعاني فقراً مدقعاً لا يمكّن أرباب الأسر من تأمين جهاز حاسوب لمتابعة الدروس في المنصات التعليمية ومع المعلمين، بالإضافة إلى تأثير التعليم عن بعد على واقع الأمهات العاملات، وصولاً إلى أسئلة عديدة حول نتائج هذه الفترة على الطالب من الناحيتين المعرفية والنفسية.

ضرب في أساسيات حق التعلم ومبادئه

"لا للتعليم عن بعد"، وسم تداوله عدد كبير من المعلمين والتربويين في الأردن. في حديثها مع رصيف22، قالت التربوية، مديرة مدارس الفينيق في عمّان، حنين الأشقر: "لا تكافؤ لفرص التعليم بين الطلبة، هذا هو واقع الحال في الأردن؛ إذ يحتاج التعليم عن بعد إلى توفير بنية تحتية متكاملة لجميع الطلاب بكلفة متدنية جداً من حيث الأجهزة المطلوبة والإنترنت وسرعته، وهذا لم يتوفر لثلثي الطلاب، بالإضافة إلى عدم تمكن بعض المعلمين من استخدام هذه الوسائل، ما يعني أن فرض هذا الشكل التعليمي سينتج عنه عدد كبير من الطلاب الأردنيين غير المتعلمين".

 وأشارت إلى أهمية البيئة الصفية في أولى المراحل الدراسية، مضيفةً: "لا يمكن للطفل تعلم المفاهيم ما لم تدخل في نطاق إدراكه، من أهم خصائص الطفل في مرحلة التعلم الأساسية، هي الحركة وعدم القدرة على التركيز في موضوع أكاديمي لوقت طويل، يأتي هنا دور المعلم الذي يتولى مهمة تدريب الطفل على الأساسيات، منها مسك القلم وتتبع المعلومة ومحاولة المشاركة والتواصل مع زملائه بانتظام كأساس تربوي ينجح العملية التعليمية، وبالتالي فإن وسائل التعليم الإلكترونية تعمل ضد هذه الأساسيات، فهي تتطلب الجلوس والاستماع لشاشة ناطقة، والتركيز فترات زمنية طويلة وعدم القدرة على المشاركة أو التفاعل مثلما يحدث في الصف".

رُفض هذا الشكل التعليمي من قبل فئات مجتمعية كثيرة، لعدة أسباب، أهمها عدم وجود عدالة في التعليم لكون أساس التعلم عن بعد يمكن بتوفّير إنترنت وجهاز حاسوب، وإمكانية اتصال مع المعلم/ة، كما في ظل وجود عدد كبير من البلدات الأردنية التي تفتقر لخدمات الإنترنت، وتعاني فقراً مدقعاً

معلمات وأمهات يواجهن مصاعب التجربة

تعارض الشكل التعليمي الجديد مع واقع الأمهات العاملات، بسبب غيابهن في فترة تلقي الأطفال دروسهم عبر الإنترنت، ما منعهن من متابعة سير العملية التعليمية مع أولادهن وتقييمها، إلى جانب عدم السماح لهن بأخذ إجازات من العمل، مما دفع بعضهن لترك العمل. بالمقابل رفضت نسبة كبيرة منهن الخضوع لهذه التجربة القسرية، وطالبن بتخييرهن في قرار التعلم المباشر أو التعلم عن بعد.

"لا للتعليم عن بعد"، "أعطوا الأهل حرية الاختيار"، "لا لتعليق المدارس"، هذه أكثر الجمل تداولاً بين أهالي الطلاب. قالت لرصيف22 سلام عبد الكريم، أم لأربعة أطفال وعاملة في القطاع التعليمي: "أرفض التعليم عن بعد بشكل قطعي، لقد نتج عن هذا الواقع تغيير كبير في مستوى أولادي التعليمي، تراجعوا كثيراً، واكتفوا بالحد الأدنى الذي يقدم من خلال منصات التعليم، التي تقدم شرحاً بسيطاً لا يتجاوز في مدته ربع وقت الحصة الأصلي".

 لا تتيح المنصات التعليمية الحكومية فرصة للتفاعل مع المعلم، إذ يقوم المعلم بتسجيل الحصة فيديو يقدم من خلاله الدرس وينهيه بطرح أسئلة ليحلها الطالب، تقول سلام، وتضيف: "عدم تفاعل أولادي مع معلميهم أربكهم، وتراجعت رغبتهم في أخذ الدروس، كما أن بعضهم اختار أن يحل الواجبات المدرسية من خلال نسخ معلومات حرفية من الكتاب ثم تحميلها على المنصة". 

من هذه المنصات التعليمية الحكومية، منصة درسك، التي تفرض وقتاً معيناً يتمكن الطالب فيه من استخدامها، يتعارض هذا الوقت مع دوام الأمهات في عملهن، تتابع سلام: "سيتسبب هذا الشكل التعليمي بأضرار كبيرة علينا كنساء عاملات لا يقدرن على مشاركة أولادهن هذه التجربة الصعبة، ولا يتمكّنّ من الانتباه لما يمكن أن يفعلوه في فترات طويلة جداً في البيت ومع شاشات ذكية واتصال إنترنت". 

أمهات كثر يعايشن القلق ذاته بسبب المهمات المتزايدة عليهن جراء التعليم عن بعد. قالت لرصيف22 المعلمة هبة عبيد، وهي أم لخمسة أطفال: "عرّضني قرار التعليم عن بعد لمشاكل كثيرة، كتربوية أولاً، ألغى اللغة والتواصل مع طلابي، وأبعدني فعلاً عن اكتشاف ثغرات تعلمهم وعلاجها أثناء الحصة أو بعدها، كما ازداد الضغط عليّ كأم، لأنه يحتاج متابعة أكبر  للتأكد من فهم أولادي دروسهم اليومية التي تستهلك وقتاً لا يمكنني إيجاده بسبب عملي".

 وعن توتر العلاقة بين الأهل وأولادهم الطلبة في ظل هذه التجربة الجديدة، أضافت هبة: "أعاني وأولادي إرهاقاً عصبياً وجسدياً، لقد تجاوزت دوري كأم، وأصبحت معلمة، وأدى شكل العلاقة الجديد بيني وبينهم لصعوبات تواصل جعلهم يميلون لاستخدام أساليب مختلفة للحصول على أعلى العلامات بمجهود قليل جداً". 

بعض الأمهات تركن عملهن، بعدما كانت مشاركتهن في مصروف الأولاد والمنزل ضرورة ملحة. قالت مارغو راجوح لرصيف22: "كان عملي مكرساً لدفع رسوم دراسة ابني في مدرسة خاصة، ومنذ بدء الجائحة، تم اقتطاع نصف راتبي، فلم أعد قادرة على تسديد الرسوم، وأقوم الآن بمهمة المعلمة، علماً أنني غير قادرة على التعاطي مع المنهاج الدراسي كما يجب". 

النشاطات غير المنهجية

يلغي التعلم عن بعد جميع أشكال التعليم اللامنهجي، بدءاً من أنشطة الرياضة وحصص التعلّم المهني، انتقالاً لحصص الإرشاد النفسي، وتطوير الذات التي تعطى للطلاب في سن المراهقة، وصولاً إلى الفسح الفنية من موسيقى ورسم وكتابة.

في حديث لرصيف22، قالت الفنانة التشكيلية والتربوية ربا أبو دلو: "ما يحدث الآن هو خدمات تعليمية وليس تعليماً، فالتعليم هذه الفترة يتأرجح بين قرارات وتوصيات ما هي سوى توثيق لحالة الفشل الذي يعيشه طلاب في مدارس لم تهيأ للتعلم عن بعد أصلاً، ولم يتم العمل على تطويرها في فترة العطلة الصيفية، فلم ينتج عن هذه القرارات غير إهدار وقت الأهالي ومالهم في محاولة لتعليم أولادهم، بدون أن يتحقق واقع تعلمهم".

وتابعت: "إضافة لكون هذه الشكل التعليمي سينتج مزيداً من التحجر في عقول الطلبة، بسبب تغييب وتهميش دروس الفن والرياضة والموسيقى، التي تساعد في التغيير من الروتين المتكرر أولاً، وتفتح للطلاب آفاقاً مختلفة على الجمال والفكر والفلسفة ثانياً، بالإضافة لاحتمال تسبب هذا الشكل التعليمي بسلوكيات عدائية من طلبة توقفوا عن الوجود في مكانهم الطبيعي".  

"عرّضني قرار التعليم عن بعد لمشاكل كثيرة، كتربوية أولاً، ألغى اللغة والتواصل مع طلابي، وأبعدني فعلاً عن اكتشاف ثغرات تعلمهم وعلاجها أثناء الحصة أو بعدها، كما ازداد الضغط عليّ كأم، لأنه يحتاج متابعة أكبر  للتأكد من فهم أولادي دروسهم اليومية التي تستهلك وقتاً لا يمكنني إيجاده بسبب عملي"

أضرار الشاشات الذكية 

واجه الأهالي والطلاب واقعاً مغايراً لما اعتادوه. ساعات طويلة يقضيها الطالب في متابعة منصة التعليم وغيرها من وسائل التعلم على الإنترنت، بجانب حالات فقدان سيطرة الأهل خوفاً من أي أضرار ممكنة ستلحق بأولادهم.

 طُبّقت هذه الوسيلة التعليمية منذ آذار/ مارس 2020، مما أدى إلى ظهور مشاكل سلوكية ونفسية حادة لدى الطلبة، تضيف حنين الأشقر:"يسبب الاستخدام المتواصل للوسائل الإلكترونية الكثير من المشاكل الجسدية، منها ضعف عضلة العين والحَول وانحناء الظهر وألم في مفاصل الرسغ، والأصابع وضعف في العضلات، كما أن الجهاز الليمفاوي لا يعمل بصورة صحيحة للتخلص من فضلات عملية الأيض، مما يسبب الكسل والخمول عند الطلبة، إلى جانب المشاكل النفسية والسلوكية التي يسببها عدم الاختلاط بالزملاء والمعلمة، والعصبية المفرطة نتيجة التعرض الطويل لشاشات ذكية، والشعور المستمر بالإحباط وعدم الرغبة بالإنجاز، أو بذل أي مجهود عضلي. بعض هذه المشكلات تتفاقم وينتج عنها التشتت وعدم التركيز وفي بعض الحالات قد تسبب نوعاً من أنواع التوحد الظاهري".

يمكننا تفهّم قرار التعليم عن بعد حين تم فرضه في منتصف آذار/ مارس، إلا أن مشاكلها في الأردن ظهرت في وقت مبكر، تتمحور بكونها غير واقعية وظالمة لفئات عديدة، مع ذلك لم تقم وزارة التربية والتعليم باختيار بدائل تضمن التعليم لجميع الطلبة. الحقيقة الآن أن العديد من دول العالم تراجعت عن قرارات الإغلاق للمدارس والجامعات مثل الصين، كما أن الإجراءات الوقائية التي طالبت بها الحكومة نفذّت بالكامل في بداية العام الدراسي، إلا أننا كشعب أردني ندفع الثمن دائماً، حتى وإن كان صراخنا مسموعاً، ومطالبنا محقة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard