التعليم في العالم العربي محاصَر بالريع والفساد والسلطوية

الاثنين 14 يونيو 202110:26 ص

يُعَدُّ التعليم من المواضيع المحورية التي ترخي بظلالها على مسار التنمية وكذا على طبيعة الأنظمة السياسية ومدى ارتباطها بالديمقراطية.

هذه المسألة تناولها كتاب "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي"The political economy of education in the Arab world، الصادر سنة 2021 عن دار نشر "لين راينر"، والذي قام بتحريره كل من الأمير هشام العلوي، الزميل الباحث في مركز ويذرهيد للشؤون الدولية في جامعة هارفارد، ورئيس مؤسسة هشام العلوي روبرت سبرينغبورغ Robert Springborg، الزميل الباحث في المعهد الإيطالي للشؤون الدولية.

الكتاب هو من الكتب المهمة التي ربطت الديمقراطية بالتعليم في الوطن العربي، وتكمن أهميته في أنه ناقش آثار غياب الديمقراطية على تأخر الدول العربية في مسار تحديث منظومة التعليم.

العلاقة بين التعليم والديمقراطية

عند الحديث عن "جودة التعليم" في المنطقة العربية، عادة ما يُربَط بين التعليم والإنتاجية الاقتصادية، لكن نادراً ما تُناقَش علاقة التعليم بالديمقراطية، وأثر القيم الاجتماعية والسياسية.

تضمّن الكتاب ورقة بحثية بعنوان "الديمقراطية والتعليم" عمل عليها أستاذ الاقتصاد إسحق ديوان. وعن هذه العلاقة يقول البروفيسور روبرت سبرينغبورغ لرصيف22 إن "التعليم يقوم بتسهيل عملية التحول الديمقراطي ويستفيد منه، غير أن التعليم ليس شرطاً ضرورياً للديمقراطية، والديمقراطية بدورها ليست شرطاً للتعليم الجيد".

ويلفت إلى أن "جميع البلدان في شرق آسيا تقريباً تتمتع بتعليم ممتاز وفقاً لدرجات الوصول والاختبار، وهو ما لا يتنافى مع وجود دول شديدة السلطوية هناك ودول أخرى متقدمة في مسار الدمقرطة".

وبخصوص علاقة التعليم بالديمقراطية يقول سبرينغبورغ: "ما يمكن اعتباره أمراً صحيحاً بشكل عام، وإنْ كان بدرجات أقل بالنسبة إلى العالم العربي، هو أن التعليم يؤدي إلى قبول أكبر لدعم الديمقراطية، ومع ذلك، فإن المواقف لا تمثل سوى عنصرٍ واحد من عناصر التحوّل الديمقراطي، رغم كونها عنصراً مهماً. فهناك عوامل أخرى مهمة أيضاً، منها السياق الإقليمي، ودرجة التجانس المجتمعي، ومستوى المساواة، والتقاليد السياسية، وتصرفات القادة السياسيين وما إلى ذلك".

أما بالنسبة إلى تأثيرات الديمقراطية على التعليم، فيرى سبرينغبورغ أنها "تتمثل في أن الأنظمة الديمقراطية تمكِّن المهتمين بتحسين التعليم من مناشدة الجمهور لدعم الإصلاحات، وبالتالي الضغط على صانعي السياسات. أما في غياب الديمقراطية، يجب أن يكون إصلاح التعليم من أعلى إلى أسفل، وذلك وفقاً لتقدير صانعي السياسات الذين يخشون عموماً الإصلاحات التعليمية التي يمكنها أن تقوي تيار المعارضة".

وبرأيه، "في العالم العربي، هناك استياء واسع النطاق من تدني جودة التعليم ومن تكلفته المرتفعة في القطاع الخاص، ولكن هناك القليل من القنوات (إنْ وجدت) التي يمكن للمواطنين من خلالها التعبير عن مطالبهم بالتغيير".

المغرب العربي... بين التاريخ والفرنكوفونية والفساد

تعاني منطقة المغرب العربي من أزمة في التعليم، ففي المغرب مثلاً دأب المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي في أكثر من تقرير أصدره على تأكيد وجود أزمة تعتري منظومة التعليم في البلاد، وهو ما تناوله كتاب "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي" في أكثر من ورقة بحثية.

وفي هذا الصدد، يرى سبرينغبورغ أن جزءاً من أزمة التعليم في المغرب، وفي بقية الدول العربية أيضاً، يمكنُ تجاوزها إذا دُرّست التربية المدنية، أي الحقوق والواجبات المرتبطة بالمواطنة، "بمنهجية منفتحة من أجل التحقيق في تاريخ البلاد وتوعية الطلاب بالعديد من المناهج المختلفة التي يمكن من خلالها تفسير تاريخهم، فهذا من شأنه تحسين وتقوية المجتمع المدني وفي نفس الوقت يساعد على تنمية قدرات الطلاب للمشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية".

ويضيف أنه يجب تجاوز "ما يُقدَّم على أنه تربية مدنية وهو في حقيقته موجّه ليتمحور حول تاريخ النظام في البلاد، مما يشوه بالضرورة تعقيد المغرب الحديث ولا يوفر أرضية للبحث والنقاش المفتوح، وهي من المهارات الضرورية لبلوغ المواطنة والأداء الوظيفي الفعالين".

"التعليم يقوم بتسهيل عملية التحول الديمقراطي ويستفيد منه، غير أن التعليم ليس شرطاً ضرورياً للديمقراطية، والديمقراطية بدورها ليست شرطاً للتعليم الجيد"

وبخصوص لغة التدريس التي تربط البلدان المغاربية مثل المغرب والجزائر بالفرنسية، يرى سبرينغبورغ أن "الانتقال من اللغة العربية في المدارس الابتدائية والثانوية إلى الفرنسية في الجامعات يُعَدّ مشكلة كبيرة يعيشها بشكل خاص الطلاب الذين لم تُتَح لهم فرصة تعلم اللغة الفرنسية في المدرسة. وعادة ما يكون هؤلاء من عائلات متوسطة أو فقيرة، لذا فإن تشظي لغة التعليم بين العربية والفرنسية أدى إلى كبح المساواة وإعاقتها".

وبالنظر إلى هيمنة اللغة الإنكليزية على السياق العالمي للتعليم، يشير سبرينغبورغ إلى أن "حصر تدريس اللغة الأجنبية بالفرنسية يؤدي إلى عزل الطلاب المغاربة والجزائريين عن التفاعلات العالمية". علاوة على ذلك، "فإن جميع دول العالم العربي تقريباً، تعتمد اللغة الإنكليزية كلغة أجنبية سائدة في المدارس والجامعات، مما يؤدي إلى تفاقم العزلة النسبية لدول شمال إفريقيا المتطبعة بالفرنكوفونية، بحكم أن بقية العالم العربي منخرط في الأنجلوسكسونية".

ويتناول الكتاب مشكلة تفشي الفساد وعدم المساواة داخل كل بلدان العالم العربي باعتبارها أحد العوائق التي تحول دون تحقيق منظومة تعليمية جيدة ومستقلة، وهو ما حللته ورقة بحثية تفكك النموذج التونسي كمثال يجسّد تفشي الفساد داخله.

في هذا السياق، يشير سبرينغبورغ إلى أن عدم المساواة في تونس وأماكن أخرى في العالم العربي يمكنُ اعتباره "سبباً رئيسياً لضعف أداء التعليم العربي نسبياً، إذ يقع جزء كبير من العبء المالي للتعليم على الأسر، وهو ما يجعل أولئك الذين لديهم موارد محدودة نسبياً غير قادرين ببساطة على تقديم الدعم الكافي لاحتياجات أطفالهم التعليمية".

وينجم تفاقم عدم المساواة في أنظمة التعليم في تونس، والحال نفسه في الدول العربية، "عن الخصخصة المستمرة التي تطال المدارس والجامعات. كما أن أحد معايير عدم المساواة داخل المدارس العامة هو التفاوت في تواجد المدرسين، فهم قليلون في الأحياء الفقيرة، بينما يوجدون بوفرة في الأحياء الغنية"، بتابع سبرينغبورغ.

طغيان الطبقية في منظومة التعليم المصري

مصر، على غرار الدول العربية الأخرى، تعاني من أزمة في نظامها التعليمي تعكسها أرقام عدّة. وفي هذا الصدد، يقول سبرينغبورغ لرصيف22 إن "الحكومة المصرية الحالية تقوم بتقسيم النظام التعليمي إلى ثلاث فئات: المستوى الأدنى يخدم بالدرجة الأولى أولئك الذين لديهم موارد محدودة وهو ما يمكنُ اعتبارهُ المستوى العام، ويشمل حوالي 90% من الطلاب".

أما المستوى الثاني، يتابع، "فيتجسدُ في القطاع الخاص وينقسم إلى فئتين، الفئة الأولى محلية والثانية دولية، يرتاد الأولى أبناء الأسر المنتمية إلى الطبقات المتوسطة والأقلُ بقليل من المتوسطة بينما تلبي الفئة الثانية حاجات أبناء الطبقة الغنية والطبقة المتوسطة العليا".

وأخيراً، "هنالك شريحة نخبوية جديدة من المدارس الخاصة التي تم إنشاؤها بالتعاون مع الجيش وتستهدف نخبة صغيرة ومختارة يتم إعدادها للعب أدوار مهمة في الحكومة، ولا سيما في مجال الأمن والاستخبارات".

"لا يعيق ضعف القطاع الخاص فقط مسيرة التنمية ولكنه يمنع تسريع تحسن التعليم، لأن مكافآت الأداء العالي تكون غير كافية لتحفيز الطلاب على بذل قصارى جهدهم"

وبرأي سبرينغبورغ، فإن "النظام المصري يسعى إلى استخدام التعليم بشكل عام وهذه الطبقة النخبوية بشكل خاص لتعزيز سيطرته على المجتمع، وبالتالي يقلل بالضرورة من احتمالات التحول الديمقراطي".

ويضيف أن "الاقتصاد هو المفتاح لاستمرار استقرار النظام الحالي. في الوقت الحاضر يقترض النظام المصري بشكل كبير للحفاظ على خطته المعتمدة والقائمة على بناء البنية التحتية، كما أنه يضغط على المواطنين لاستخراج مواردهم التي يذهب جزء كبير منها لخدمة الدَيْنِ المحلي والأجنبي المتفاقم، وهذا يشبه إلى حد ما الحالة اللبنانية التي انتهت بكارثة اقتصادية وسياسية بعد العجز عن سداد الديون".

الأمل في مصر حسب سبرينغبورغ يتجلى في أن "تخلق هذه البنية التحتية الناتجة عن القروض نمواً اقتصادياً أسرع، لكن يجب أن تكون دعائم هذا النمو أكثر من مجرد هياكل خرسانية".

والأهم من ذلك حسب تصوره "أن تتضمنَ أسس النمو روابط فعالة بين مختلف مكونات المجتمع وبين الاقتصاد، بما في ذلك المؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والهيئات التنظيمية والنظام القانوني وما إلى ذلك".

إلا أن النظام، يتابع تحليله، "يمنع تكثيف العلاقات بين هذه الجهات المنفصلة لأنه يخشى التوافقات السياسية للتفاعلات غير المنظمة وغير المنضبطة". ولذلك، يضيف، "من المرجح ألا يتسارع النمو الاقتصادي بالسرعة الكافية لتقلص مصر حجم ديونها ولتغدو أكثر اكتفاءً ذاتياً، لذلك سيتعين عليها الاستمرار في مناشدة المقرضين الأجانب للحصول على الأموال، ما يستلزم دعماً مستمراً من قبل الحكومات الأجنبية"، وهي وضعية يصعبُ استمرارها.

منظومة الريع وأثرها على التعليم في الخليج

برغم ما حققته دول الخليج الست من تحديث لبنيتها التحتية في ما يخص التعليم، إلا أن هناك تحديات عديدة تُظهرها تقارير تُعنى بالتعليم في منطقة الخليج.

وفي هذا الصدد، يقدّم كتاب "الاقتصاد السياسي للتعليم في العالم العربي" ورقتين مهمتين: واحدة حول تواجد فروع الجامعات الأمريكية في الخليج والتي لا تهدف إلى تقوية منظومة التعليم هناك بقدر سعيها للربح المالي المحض؛ وورقة أخرى خُصص جزء منها لتحليل نظام الابتعاث السعودي الذي أخفق في مجمله في بناء نخبة تساهم في تسريع عملية دمقرطة دول الخليج عامة والسعودية بشكل خاص.

ويقول سبرينغبورغ إن أنظمة التعليم الخليجية "أصبحت نُظُماً طبقية بدورها، وصارت المدارس والجامعات التي تتبع للقطاع الخاص تجذب بشكل متزايد نسبة أعلى من المواطنين".

ويرى مثلاً أن الدراسة الجامعية "لا تقتصر على وجود فروع جامعية أجنبية، ولكن العديد من المعاهد التي تم تأسيسها مؤخراً تلبّي احتياجات النخبة التعليمية، مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم وعلوم التكنولوجيا في المملكة العربية السعودية، وهي من الجامعات النخبوية التي يلعب خريجوها أدواراً أكثر أهمية في تنمية بلدانهم، وهذا يمكن لمسه في شركة مثل أرامكو داخل المملكة العربية السعودية؛ إذ تشهد وجود عدد كبير من خريجي هذه الجامعة في مناصب رفيعة داخلها". في المقابل، فإن "الغالبية العظمى من طلاب المدارس والجامعات لا يزالون في مؤسسات عامة لا تتمتع بنفس الأهمية، ولا يحظى خريجوها بفرص اقتصادية جيدة".

هل القطاع الخاص الناشئ سيحسّن بشكل كبير جودة التعليم للمواطنين؟ لا يعيق ضعف القطاع الخاص فقط مسيرة التنمية ولكنه "يمنع تسريع تحسن التعليم، لأن مكافآت الأداء العالي تكون غير كافية لتحفيز الطلاب على بذل قصارى جهدهم"، بحسب سبرينغبورغ.

لذا، يتابع، فإن ضعف القطاع الخاص يمثّل العقبة الرئيسية أمام تحسين التعليم في الخليج، و"هذا الخلل البنيوي ناتج عن النظام الريعي الذي يُعَدّ الأساس في مناهضة الديمقراطية ويقيّد نمو ديناميكية القطاع الخاص".

وحسب سبرينغبورغ، هناك صعوبة في تأسيس اقتصاد سياسي له روابط وثيقة تربط بين مختلف مكوناته في ظلال النظام الريعي، وبقاء الريع سيجعل منطقة الخليج العربي تظل تعاني من انخفاض الموارد.

أفق تجاوز المنطقة العربية للوضع الراهن

طرق الإصلاح عديدة ولكن سبرينغبورغ يُكثفها في "أربعة طرق ممكنة للإصلاح. إحداها هي التنافذ (osmosis)؛ أي تمرير جملة من الإصلاحات بالتدريج وهو ما سيتحوّل مع مرور الوقت إلى عامل مؤثر على نظام التعليم العام".

أما المنهج الثاني في مسار الإصلاح فهو "الإصلاح من الأعلى إلى الأسفل، أي أن الحكومة تقرر أن عليها أن تأخذ إصلاح التعليم على محمل الجد وتعمل عل تنزيل ذلك".

فيما يتمثل النهج الثالث في وجود "ضغط خارجي، أي أن الوكالات المانحة تبدأ بفرض شروط صارمة على مساعداتها من أجل الضغط على الحكومات لإصلاح أنظمتها التعليمية".

والنهج الرابع يتمحور حول دور المعارضة السياسية التي يجب أن تكون "أقوى وأكثر انخراطاً لمناصرة مشاريع الإصلاح التعليمية كجزء من إصلاحات أوسع لقطاعات الخدمة العامة. وفي هذه الحالة، قد تكون الأنظمة على استعداد للسماح بالإصلاحات من أجل تقليل ضغط المعارضة، أو يمكن تصوّر وصول المعارضة إلى السلطة، وهو ما يمكن حدوثه على الأقل في الأنظمة الأكثر ليبرالية، مثل تونس أو لبنان".

إلا أنه تجب الإشارة إلى أن هذه الطرق الأربع المقترحة ليست "طرقاً سهلة أو مباشرة أو سريعة"، فـ"عادة ما يكون إصلاح التعليم في أي مكان عملية صعبة وممتدة ومجزأة"، إلا أن سوء الوضع يحتم "تسريع الإصلاح".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard