برهان علوية أنبأنا "لايكفي أن يكون الله مع الفقراء"

الجمعة 10 سبتمبر 202102:28 م

ولد مع نهايات زمن، ورحل قبل أن يولد أي زمن، ربما الكلام يستدعي بعض الإيضاح (ربما لعلة في الكلام)، فـسينما"برهان علوية" ولدت ما بعد أفول بريق الناصرية عند العرب، كما تهشيم الستالينية مع ولادة يسار جديد، رسم خطوطه طلبة فرنسيون أضرموا النيرن برداء الستالينية، فيما أحيل البكداشي العربي إلى الغبار، فكانت : الموجة.

وكما في أغنية أم كلثوم "الموجة، تجري ورا الموجة" في بحث حميمي عن التغيير، بل عن الكسر، ولا بأس أن تنكسر، فكان يوسف شاهين حامل الرسالة، وفي الصالة حفنة من السينمائيين،  ولكل منهم مذهبه المتفرّع من "السؤال"، سؤال ينتمي إلى زمن ما بعد "أبي فوق الشجرة"، وكنا قد أحصينا القبلات فيه وقد تخطت خمس وخمسون قبلة، يكيلها العندليب للفاتنة الشقراء، ومن بعده كانت الموجة تتكسر لتولد موجة، فهذا: التونسي رضى الباهي يشتغل على "شمس الضباع"، و "وشم على الذاكرة"، و "العتبات الممنوعة"، "والسنونو لاتموت في القدس"، بالاضافة لـ "صيد اللؤلؤ"، وسواها من الأفلام التي لاتكف عن يساريتها، دون نسيان أستاذه مارك فيرو، وفي ضلع منه يساراً مقتطفاً من مدرسة جان لوك غودار.

فيلم "خلص" لبرهان علوية، بيان ضد الحرب، فالرجل كان قد اختبر الحرب، تلك المطحنة الملطخة التي يتحول فيها القاتل إلى قتيل، فيما لصوص المدافن يزرعون شواهد القبور ويأخذون الجثث إلى المصارف بوصفها من مشتقات رأس المال.

وفي سوريا، نبيل المالح، وقضى حياته في التجريب، متنقلاً ما بين "رجال تحت الشمس"، "بقايا صور" وصولاً إلى "كومبارس"، ومن الصعب نسيان "الفهد" وقد أسقط عن الممثلة إغراء كل ملابسها، حتى لم يعد بوسع زوار سينما الزهراء رؤية جماجم بعضهم بعضاً، بعد أن غرقت جماجمهم في مقاعد اللهاث، فكان "الفهد" مغامرة وقد تخطّت بالكثير، دون الادعاء بأنها أسست لما بعدها، ليبدو نبيل المالح ذو المزاج الليبرالي، بقميص يساري، مع تشكيلات لونية سمحت له بأن يشتغل على فلم "غوار جيمس بوند"، وهو المخرج السينمائي الذي يعرف استحقاقات السوق.

ربما ليس كما حال مواطنه محمد ملص، الذي أعطى للسينما ماللسينما، دون أن يعبأ بأن يعطي "ما لله لله"، وربما سيشاطره في ذلك المصري يسري نصر الله الذي كافح للخروج من رداء يوسف شاهين فلم يستطع، وكان له مخاضه، حتى سمعناه يقول إن "جو" أقض مضجعه، ثم ينقل عن أستاذه قوله له: "أنت حمار ما بتفهمش"، ناصحاً تلميذه بأن يشتغل "سواق لوري"، غير أن صاحب "المضجع المقضوض" إياه، اشتغل للسينما ما لايمكن نسيانه، اشتغل بداية على الانسلاخ عن معلمه، ومن بعدها "المدينة"، و"سرقات صيفية" وفيه يستدعي الناس إلى طفولته، ومن بعده باتت الأفيشات تحمل اسمه، أقله مع فيلم "مرسيدس"، ليكون "النوبي" المولع بالاشتراكية بأكثر صورها هزلية، وقد ألقى عن كتفيه تراث الاشتراكية الناصرية وانتهى الى "الأنتيكخانة" بعد أن فقد عقله.

قلنا: الموجة تجري وراء الموجة.

وليس برهان علوية متحرراً من الموجة، بفارق أن لموجته شاطئاً آخر، وحكاية أخرى، بل و"ذاكرة أخرى"، وما السينما سوى ذاكرة تمتد على شريط قد يصل الى مئات الكيلومترات، فالرجل ابن النبطية، يعني "على الحدود".

مدينة بلا شاطئ، تفصلها عن الشاطئ مدن متحاربة، صيدا وصور، امتداداً إلى جونيه وبكركي، فيما تفصله عن النبطية دوامة الخيارات الصعبة التي تتأرجح ما بين تشي غيفارا والحسين، وما بينهما "فتح لاند"، وكان للبندقية الفلسطينية أهزوجتها التي غنّاها جيل بأكمله، بيسارييه ومحافظيه، ولم تكن بيروت سوى "الخيمة الأخيرة"، ليس لمحمود درويش كما تشاء الـ "نا" في قصيدته الشهيرة، بل لكل الهاربين إلى "التسكع" أو المطبعة"، ولابأس أن يكون للعبة البنادق مالها في عتاد الهاربين.

وربما كان لفلم برهان علوية "كفر قاسم" التمجيد الأكبر من بين أفلامه، ليس بوصفه "السينما" الأكثر سينمائية والأروع صورة وكادراً ومعالجة سينمائية، وإنما "للقضية مالها"، ومالها يعلو على بقية السينمات التي اشتغل عليها الرجل، وكان له أفلام لا تمحى من الذاكرة الوقادة، من مثل "ملصق ضد ملصق"، وهو فيلم التلميذ الدارس في بروكسل، ومن بعده فيلم "فوريار"، وسلسلة من الوثائقيات التي لم ينافسه عليها أحد، ومن بينها وثائقي "لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء" (1978)، و"بيروت اللقاء" (1981)، و"رسالة من زمن الحرب" (1984)، و"رسالة من زمن المنفى" (1987)، و"أسوان والسد العالي" (1990) وفيلمه الأكثر سعة لروحه واختباراته وتجربته السينمائية ومعضلته في الاختيار  والاختبار وقد حمل عنوان "خلص".

خلص؟

هو بيان ضد الحرب، فالرجل وقد رحل عن ثمانين عاماً، كان قد اختبر الحرب، تلك المطحنة الملطخة التي يتحول فيها القاتل إلى قتيل، فيما لصوص المدافن يزرعون شواهد القبور ويأخذون الجثث إلى المصارف بوصفها من مشتقات رأس المال.

الرواية تكذّب القصيدة، وكذا حال الرواية السينمائية، فالأمطار الموعودة تسقط في جيوب الفاسدين، وكان هذا حال لبنان مع نهايات عمر "برهان علوية"، وإلا كيف انفجر الميناء؟

يستخلص برهان علوية ذلك، كما لو يقف على بوابة الحكمة، وأية حكمة تعلو على منتجات الحرب الأهلية اللبنانية، هناك، حيث الأيدي ترفع على الحائط، والرصاص ينهمر دونما قائمة بتحديد الأسماء، الألوان، الجنسيات، اللغات، المذاهب، كما دون أي تحديد لماهية "الله" الذي يقتتل الجميع باسمه، باعتباره ملكية حصرية لصيادي الأزقة، الشواطئ، الطرقات.

هي رحلة طويلة لبرهان علوية، وما الأفكار إلا منتجاً للأقدام، هو الأمر كذلك، تمشي كثيراً لتنتج أفكارك ورؤاك.

ليس الرأس وحده من يستفرد بانتاج الأفكار، وكان برهان علوية مشّاء لايكل عن المشي، وهذه بعض من سيرته يعيننا عليها محرك البحث غوغل، بعد غياب الشهود ونسيان "الشهداء":

برهان علوية توفي الليلة (8/9/2021) جراء نوبة قلبية مفاجئة، عن 80 عاماً، ولد في بلدة أرنون، قضاء النبطية بجنوب لبنان، عام 1941، غير أن وظيفة والده الدركي فرضت على العائلة تجوالاً داخل لبنان وانتقالاً من بلدة إلى أخرى، قبل استقرارهم في بيروت عام 1956.

درس في مدرسة عين الرمانة، وعمل كمساعد مصور ثم كونترول فيديو في "تلفزيون لبنان". درس العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية، ثم بدأ رحلة خارج البلد أتاحت له زيارة دول إفريقية مختلفة، منها مصر والسودان والكونغو، وعندما عاد إلى بيروت عم 1967، وقعت حرب حزيران التي دفعته إلى مغادرة لبنان إلى باريس.

التحق بالمعهد الوطني العالي لفنون العرض وتقنيات البث "إنساس" في بروكسل ببلجيكا، وتخرج منه عام 1973 .

رحلة أكثر مما ينبغي، وأوجع مما ينبغي في محطتها الأكثر إيلاماً "محطة الحرب"، وما من شاهد على حرب إلا وقال:ـ لا شيء سوى الخراب.

المتفائلون يقولون: الأفضل لم يأت بعد.

في السينما، الرواية، من الصعب القول: الأفضل لم يأت بعد.

ربما على العكس من الشعر، وقد حفظنا عن ظهر قلب قصيدة بابلو نيرودا: "أجمل الأيام تلك التي لم تأت بعد".

الرواية تكذّب القصيدة، وكذا حال الرواية السينمائية، فالأمطار الموعودة تسقط في جيوب الفاسدين.

وكان هذا حال لبنان مع نهايات عمر "برهان علوية"، وإلا كيف انفجر الميناء؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard