بين الأمل والمأساة... مصائر الشباب في سينما يوسف شاهين

الثلاثاء 25 أغسطس 202004:56 م

لم يغب الشباب المصريون يوماً عن المشهد السياسي. كانوا دائماً مشاركين في الأحداث ومحرّكين لها، وحضرت السينما دائماً لترصد دورهم في مسرح السياسة المصرية منذ مطلع القرن العشرين وحتى الآن، ولم تكتفِ بالرصد بل حملت توقعات أيضاً. وتميزت الساحة الفنية في مصر بكثير من التوجهات الفكرية والمدارس السينمائية، وأبرَزَ المخرج يوسف شاهين تأثيرات الأحداث على الشباب والمصائر التي تودي بهم إليها.

استخدام شاهين لثيمة الشباب ممثلين الأمل في مواجهة البطش والقوى السياسية حضر بقوة في الكثير من أفلامه. منذ السبعينيات تقريباً وحتى آخر أفلامه، أظهر إيمانه بحتمية تمرد الشباب من أجل التغيير، ولكن قراءته للواقع اقتضت وجوب النهايات التعيسة.

عودة الابن الضال

حينما أنهى إبراهيم مرحلة دراسته قبل الجامعية، حلم بدراسة علوم الفضاء في الخارج، لكن والده كان يحمل له خططاً مغايرة. إبراهيم المتحدر من عائلة غنية أحبّ "تفيدة"، ابنة إحدى الأسر الكادحة. بين الأمل الكاذب والواقع القبيح كان عليهما أن يخلقا طريقاً ثالثاً نحو المستقبل، وبينما تضيّق الظروف الاحتمالات أمامهما، ينتهي الأمر بهما إلى الهروب وعدم العودة مرة أخرى. بات الحل الوحيد نسيان الماضي وعدم الالتفات إليه.

استطاع شاهين أن يجسد في فيلم "عودة الابن الضال" حالة ما بعد النكسة، ضرورة توديع الحلم الناصري المهزوم والنظر إلى المستقبل. كما يتنبأ الفيلم المنتج عام 1976 بما حدث من تظاهرات للطلبة والعمال عام 1977 وبالتغيرات السياسية ويعرض حالة الاحتقان السياسي التي سادت مصر في تلك الفترة.

يقول الكاتب والناقد السينمائي أمير العمري في كتابه "حياة في السينما" إن "شاهين يعقد في نهاية فيلمه مصالحة طبقية لا تتسق تاريخياً أو درامياً، عندما يوفّق بين تفيدة، ابنة العائلة العمالية الكادحة، وإبراهيم الذي هو رغم كل شيء نتاج نفس التركيبة الفاسدة التي حكم عليها الفيلم بالفناء، ويرحل الاثنان في النهاية مع حسونة وزوجته لكي يصنعا المستقبل". نرى هذه الثيمة تتكرر في أكثر من فيلم لشاهين.

يظهر على طول خط الأحداث الرمز إلى هيمنة القوى العظمى وديكتاتورية الدولة على الشباب بالوصاية الأبوية، فهذه السلطة التي يُفترض أن تكون مصدراً للتوجيه الحكيم والإرشاد تفرض بدلاً من ذلك على الابن ما يتوافق مع أطماعها.

وبرغم الهروب والشتات وقسوة الواقع والحل المطروح، ظل الأمل الملجأ كما غنّت تفيدة: "وأرجع وأقول لسة الطيور بتفنّ والنحلايات بتطنّ والطفل ضحكه يرنّ مع إن مش كل البشر فرحانين".

الآخر

بعد ما يقرب من عشرين عاماً، أخرج يوسف شاهين فيلم "الآخر"، عام 1999، بثيمة شبه مطابقة لفيلم عودة الابن الضال. تغيّرت الظروف والأحوال وبقي الشباب هو ذاته. لم يكن اختيار اسميّ آدم وحنان عبثياً، ففيه إشارة إلى حتمية المأساة منذ أن أنزل الله آدم وحواء على الأرض. كُتب على الشباب التمرد وكُتب عليهم دفع ثمن الحرية باهظاً.

آدم يختلف عن إبراهيم باختلاف العصر، فهو تجسيد للحلم الأمريكي الجاذب لجيل شباب التسعينيات من القرن الماضي، شاب من الطبقة العليا لأب مصري وأم أمريكية اعتقدا أن ابنهما بجمعه ما بين العراقة والحداثة سيصبح الامتداد المثالي لتطلعاتهما المستقبلية، على عكس إبراهيم الذي لم يرَ في حياته إلا قريته "ميت شابورة" وكان يحلم بالسفر إلى العالم القابع وراءها.

حنان مثل "تفيدة" فتاة قوية من الطبقة الكادحة، تخبطت بين المثالية وتحقيق الارتقاء المهني والدبلوماسية الاجتماعية، فتظهر مرتدية ملابس ومجوهرات باهظة الثمن، بتأثير من أم زوجها، وفي مشهد لاحق تكتب مقالاً شديد اللهجة غير عابئة بنتائجه على عائلة زوجها.

"كُتب على الشباب التمرد وكُتب عليهم دفع ثمن الحرية باهظاً"

تظهر هيمنة الحلم الأمريكي في هذا الفيلم بثوب أمومي، كإشارة إلى سلطة القوى الناعمة للإعلام الأمريكي على الشباب، ولكنها لا تتردد في إظهار الوجه القاسي باستخدام أعتى الأسلحة، حتى ولو أحرقت بنارها الجميع في سبيل مصالحها.

الاختلاف بين السلطتين في "عودة الابن الضال" و"الآخر" يبدو واضحاً، فـ"طلبة" (شكري سرحان) في عودة الابن الضال هو ديكتاتور ذكوري متسلط يقهر عماله إذا تمردوا عليه ويحبس ابنه إذا خرج عن طوعه، كرمز لاستبدادية الدولة الناصرية، بينما "مارجريت" (نبيلة عبيد) أمريكية بأزياء فرعونية ترتدي الأصالة كقناع تروج به لأفكارها عن العولمة والحلم الأمريكي في الشرق، وتخفي وراء ظاهرها قسوة وتوحش لا يراهما إلا مَن خرج عن طوعها.

وبظهور عنصر جديد في سينما شاهين أثناء التسعينيات، وهو الجماعات الإسلامية، يطرح الفيلم نهاية أكثر توحشاً من المثال السابق وهي الموت بدلاً من الهجرة. يرى يوسف شاهين في "الآخر" أن الأمل يموت في مواجهة الديكتاتورية المحلية والهيمنة الأمريكية والتطرف الديني. وتبقي الفكرة حية بمرور الأزمنة في عقول معتنقيها، كما تغني ماجدة الرومي للمأساة: "هما حكاية كل اتنين كانوا ضحكتنا صبحوا دموعنا".

هي فوضى

عام 2007، أخرج يوسف شاهين آخر أفلامه، "هي فوضى"، بالاشتراك مع المخرج خالد يوسف. "شريف" و"نور" كل منهما يهيم في عالمه. لا يتقابلان عاطفياً إلا بعد مرور نصف الفيلم، وكأن إيقاع حياة الألفينات المزدحم الخانق لا يسمح بأن يلتقيا قبل ذلك.

والدة نور هي"بهية"، ومغتصبها هو "حاتم"، أو حاكم مصر الفعلي بالبلطجة والسلاح، وخطيبها وكيل النيابة "شريف" مهنته البحث عن العدالة التي لا يستطيع تحقيقها على أرض الواقع. تحمل أسماء الشخصيات جانباً كبيراً من الرمزية في الفيلم كما حدث في "الآخر".

سيحاول الأمل أن يجد طريقاً سلمياً ليتحقق، ولكن في آخر أفلامه يظهر يوسف شاهين أن لا خلاص من البلطجة إلا ببلطجة مضادة، ولا خلاص من القوة والسيطرة إلا بقوة مضادة

في "هي فوضى" يتوغل اليأس في غالبية مشاهد الفيلم. حتى في أكثرها بهجة تظهر لمحة من الانكسار. في ظل هيمنة البلطجة وسلطة السلاح كقوى عظمى في المشاهد تتراجع الموسيقى والرقصات التي لطالما ميزت أفلام شاهين مع ازدياد الواقعية التقريرية. يزحف اليأس من أحداث الفيلم إلى أغنيته التي حملت اسم "هو انتي ليه بعيدة كدة"؟ مزيج من التعجب والغضب والخذلان لأن الحرية صعبة المنال.

انعكس المناخ العام للفيلم على شريف ونور. يكفر شريف بالحلم الناصري الذي انزوى في صور جمال عبد الناصر المعلقة في منزل والدته، يحجّمه في إطاره بجانب صور والده في قاع ذاكرته، ويبحث مشتتاً عن هوية جديدة لنفسه يحتمي بها من فراغ روحه. أما نور التي لا تريد سوى حياة بسيطة، فسرعان ما تنكسر وتتشوه نفسياً بعد تعرضها للاغتصاب على يد أمين الشرطة، ما أبدل الحلم الذي كان في داخلها إلى انكسار وغضب، جعل منها إنساناً بلا روح لا يريد إلا الانتقام.

بينما يفشل شريف في كل السبل القانونية التي يسلكها للإيقاع بحاتم، تفرض البلطجة نفسها، لا يجد سواها أمامه، يتجنبها فيضطره من حوله إلى استخدامها. لم يجد أمامه بالنهاية سواها، وهذا هو الحل الأخير الذي طرحه يوسف شاهين في آخر أفلامه، فلا خلاص من البلطجة إلا ببلطجة مضادة، ولا خلاص من القوة والسيطرة إلا بقوة مضادة.

يوضح شاهين في نهاية الفيلم أن الأمل سيحاول أن يجد طريقاً آخر، طريقاً أكثر قانونية وأقل عنفاً، ولكن... لم يكن هناك سوى تلك الطريقة التي استرد بها شريف حق نور من حاتم.

هذه التأملات تدعو إلى التساؤل كم من "نور" وكم من "شريف" في زماننا هذا خاضوا الثورة بموجاتها وتبعاتها وصدقوا الحلم، وانتهى بهم المطاف إلى الموت أو السجن أو الهرب؟ تعلو أفكار شاهين بصوت ماجدة الرومي: "أدي اللي كان وأدي القدر وأدي المصير... نودع الماضي وحلمه الكبير".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard