"الحقيقة واحدة للكل"... ويليام نون مناضل ولد من رماد جريمة مرفأ بيروت

الأربعاء 8 سبتمبر 202102:39 م

"كل شي تغيّر بعد 4 آب، حتّى علاقتي بالموسيقى تغيّرت". من بين التغييرات الكثيرة التي طالت حياته بعد انفجار مرفأ بيروت، يتذكر ويليام نون الموسيقى. كان الشاب العشريني يحبّ السّهر والاستماع إليها، أما اليوم، فيقول "صرت أكره مطرح ما في موسيقى. مش لأنّ مات خيّي وبقولوا عيب، بس لأن أنا بطّلت ارتاح".

الآن، عوضاً عن الاستماع للموسيقى وعزفها، يكرس ويليام وقته لملاحقة الفاسدين المسؤولين عن قتل أخيه، جو نون، الذي كان ضمن 214 ضحية لقوا حتفهم في انفجار مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020. لا يقاطع ملاحقاته سوى الأجهزة الأمنية عندما تعتقله أو تستدعيه للاستجواب، بسبب إصراره على ألا يدع الجريمة تمر. والآن، يعدّ ويليام مع رفاقه من أهالي ضحايا انفجار المرفأ لفعاليات احتجاجية جديدة في 13 أيلول/ سبتمبر الجاري. 

جو نون هو من ضحايا انفجار مرفأ بيروت الذي صنّف ضمن أكبر الانفجارات غير النوويّة في التّاريخ. اتّضح أن سبب الانفجار المباشر هو اندلاع حريق بالقرب من نحو 2750 طناً من نترات الأمونيوم المخزنة بشكل غير صحيح، وكان جو ضمن فريق الإطفاء الذي أرسل لإخماد ذلك الحريق.

قابلت ويليام في مقهى خارج بيروت. كان موعدنا في السّاعة الرّابعة والنّصف. وصل على الموعد، ركن سيّارته أمام المقهى، ودخل. أوّل ما لاحظته هي صورة جو، أخي ويليام، على زجاج السيّارة الأماميّ؛ صورة قريبة يبدو بها جو مبتسماً. 

الطّابق الثاني من المقهى كان فارغاً. جلستُ فيه أحضّر أسئلتي وأفكّر إن كنت قد اخترت المكان الملائم للمقابلة، فعزلة المكان قد تخلق لحظات صمت محرجة. طبعاً زالت كل هذه الأفكار حين دخل ويليام نون، وملأ صوته المكان. لا أعني أن صوته مرتفع، بل له حضور قويّ وواثق ينعكس بنبرته. ويليام نون ليس الشاب المكسور الّذي رسمته في مخيّلتي.

ربّما أوحت الجملة الأولى أن ويليام "فتح قلبه" لي، وأخبرني عمّا في داخله من مشاعر حزن وغضب وحداد، لكنّ الواقع أن "انتفاضة" ويليام عقلانيّة إلى حدّ كبير. يقول ابن السابعة والعشرين إنّه لا يعطي مجالاً كافياً لمشاعره، "في الواقع ما يحرّكني اليوم هو التّفكير بما كان جو ليفعله لو كانت الأدوار مقلوبة". وفي حديثه عن جو يقول "كان مع الكل منيح أصلاً، بس معي بشكل خاص كان منيح أكثر من اللّزوم". 

الآن، عوضاً عن الاستماع للموسيقى وعزفها، يكرس ويليام وقته لملاحقة الفاسدين المسؤولين عن قتل أخيه، جو نون، الذي كان ضمن 214 ضحية لقوا حتفهم في الانفجار

اتّخذ ويليام نون مساحة ملفتة في الإعلام اللّبناني. تحوّل مع مرور الوقت إلى وجه من وجوه أهالي ضحايا انفجار المرفأ والمتحدث باسمهم. اعتقل أكثر من مرة من قبل قوى الأمن خلال تحركات نظمها أهالي الضحايا للمطالبة بتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الفاجعة. يعلِّق ويليام "لا منطق يفسّر ليش قوى الأمن بتتعاطى مع أخوات الشّهداء بهالطّريقة". يتحدث عن الاعتقال الأوّل، الّذي وقع داخل حدود مرفأ بيروت بعد خلاف حدث بينه وبين أحد عناصر مخابرات الجيش اللّبناني، بغضب: "موقّف من مخابرات المرفأ، يعني مطرح ما قاتلينلي خيّي الدّولة وقّفوني".

 لعب أسلوب ويليام الصّريح والعفوي في الكلام دوراً في هذا الاعتقال. كان يحاول استيعاب مسرح الجريمة الّتي وقع أخوه ضحيّة لها "كنت عم فكّر بجو، ووين كان واقف وقت الانفجار. صعبة الوقفة حد الإهراءات" يقول.

حدث الاعتقال الثّاني في 15 آب/أغسطس الماضي خلال وقفة احتجاجية أمام منزل رئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، حيث حاولت مجموعة من المتظاهرين الدّخول إلى المنزل، ما أدّى إلى مواجهات مع قوى الأمن: "نسيوا كل المتظاهرين وطبّوا عليّي 10 أو 15 عسكري. ضربوني بشكل مش طبيعي بالعصي والبواريد". 

في 17 آب/ أغسطس تمّ استدعاء ويليام للتحقيق في شعبة المعلومات، حيث سئل عن كيفيّة تنظيم المظاهرات واستهداف منازل السياسيين "حاطّيني براسهن وبدّن يسكتوني" يقول. دام هذا التّحقيق من السّاعة العاشرة والنّصف صباحا إلى التّاسعة مساء بحسب ويليام. 

يكبر جو ويليام بسنة وشهرين، وفي حديث الأخير عن أخيه لا يستخدم سوى صيغة الجمع. "الناس بتعرف أن أنا وجو كنا نجي مع بعض دايماً. يعني حتى عنا نفس الأصحاب، نفس كل شي". يتحدث عن كيف اتّخذا قرار البقاء في لبنان، وكيف كان يعملان سوياً في مطعم العائلة في بلدتهما مشمش. "مع كل شي كان صعب بالبلد كنا عم نجرب نكافح". 

من هذا المنطلق شارك ويليام بانتفاضة 17 تشرين 2019، إلى أن شعر أن "شكل المظاهرات لم يعد يمثّله". يقول إنّه توقّف عن المشاركة حين بدأت الأحزاب السياسية "باستغلال التّحركات لأهدافها الخاصّة". لكنّه اكتسب من تلك الفترة علاقة كوّنها مع طرابلس الّتي لم يكن قد زارها قبل الانتفاضة، وقبل أن تلقّب بعروس الثّورة. 

ليست الموسيقى هي الشغف الوحيد الذي ابتعد عنه ويليام بعد جريمة انفجار المرفأ، بل كذلك حزب القوّات اللّبنانيّة الّذي كان ناشطاً فيه أيضاً: "من 4 آب مش داعس بمكتب الحزب". يعتبر أن دعم أي من الأحزاب اللبنانية قبل معرفة نتيجة التّحقيق في جريمة انفجار المرفأ خطأ، إذ لا بد من تحديد المسؤوليات، ومن البريء والمدان أوّلاً.

حكاية جو

يعود ويليام خلال لقائنا إلى نهار انفجار المرفأ. بدأ كل شيء باتّصال من أخته نانسي، التي تعمل في الأمن العام اللّبناني، تخبره فيه أن انفجاراً وقع في بيروت. كانت ردّة فعل ويليام الأولى هي الاتصال بجو، وعندما لم يلق ردّاً راح يتصل بأصدقاء جو وزملائه في فوج الإطفاء في الدّفاع المدني اللّبناني، إلى أن أخبره أحد الأصدقاء أنّ الانفجار وقع في مرفأ بيروت تحديداً، وأن فرقة الإطفاء توجّهت إلى المرفأ ومن ضمنها جو.

بين الساعة 5:54 مساءً و5:55 مساءً من ذلك اليوم، تم تنبيه رجال الإطفاء إلى اندلاع حريق في الميناء. توجهت فرقة مؤلّفة من 10 أشخاص إلى العنبر 12 في مرفأ بيروت بأمر من الملازم أول ريمون فرح لإخماد الحريق، بعد اتصال أحد ضباط أمن الدولة الذي قال إن العنبر يحتوي على ألعاب نارية فقط. لم تعطَ أي تحذيرات حول وجود نيترات الأمونيوم القابلة للانفجار لرجال الإطفاء، الذين استجابوا للنّداء في المرفأ وقُتلوا بشكل مأسوي.

اتّجه ويليام إلى مركز فوج الإطفاء في بيروت حيث لاحظ أن الموجودين يحاولون تفاديه، توجّه بعدها إلى مرفأ بيروت ومن ثمّ قضى اللّيل يبحث في المستشفيات عن أخيه بين الضّحايا. اليوم يتذكّر ما رآه من "مشاهد مخيفة"، لكن في ذلك الوقت كل ما كان يريده هو جو. "لا حاسس شي ولا عم فكّر بشي بس عم فتّش عجو، لا أكثر ولا أقلّ". 

في تلك اللّيلة والأسابيع الّتي تلتها، لم يكن ويليام يحاول المساعدة، ولم يكن يشعر بقسوة المشاهد الّتي يراها. كان ببساطة أخ يبحث عن أخيه، وبعد أيام، أصبح يبحث عن جثّة أخيه، حتى اليوم التّاسع، حين تأكّد الخبر.

في ليلة الانفجار والأسابيع الّتي تلتها، لم يكن ويليام يحاول المساعدة، ولم يكن يشعر بقسوة المشاهد الّتي يراها. كان ببساطة أخ يبحث عن أخيه، وبعد أيام، أصبح يبحث عن جثّة أخيه

أدّت المصيبة إلى علاقة أقوى بين ويليام وأفراد عائلته، وجمعتهم بعائلات مصائبها شبيهة، ووجد الجميع أنفسهم يدعمون بعضهم بعضاً. من خلال حضور مجالس العزاء والدّفن والمآتم، تعرّف أهالي ضحايا فوج الاطفاء بعضهم على بعض، وبدأ أبناؤهم بالتجمّع والحديث عن العدالة الّتي يريدونها. في الوقت نفسه بدأت تجمّعات أهالي الضّحايا من عمّال مرفأ بيروت، وتشكّلت مجموعات من أهالي الضّحايا في جميع أنحاء المدينة، ليجتمعوا لاحقاً تحت اسم واحد ومطالب موحّدة. هكذا تشكّلت لجنة أهالي ضحايا انفجار المرفأ، من عدّة مجموعات أرادت مساندة من يمرّ بمثل مأساتها. 

بالنّسبة لويليام مطالبهم واضحة: أوّلها معرفة مصدر تمويل نيترات الأمونيوم وإرسالها إلى لبنان، بالإضافة إلى معرفة من وراء تخزينها سبع سنوات في مرفأ بيروت، ومعرفة كيف حدث الانفجار. "بدّن يتحاكموا يعني مش معقول بعد كل شي عملوه ما يتحاسبوا" يقول.

ويليام مقتنع أن العدالة لجو تكتمل عندما يتخلّص لبنان من الطّبقة الحاكمة كاملة. "بالإضافة إلى المرتكب المباشر لجريمة 4 آب"، إذ يعتقد ويليام أن هناك من سمح بارتكاب الجريمة من خلال خلق مساحة للفساد في لبنان. 

قبل إنهاء المقابلة، سألت ويليام عن الوشم الّذي على ذراعه، صورة لإهراءات (صوامع) القمح في مرفأ بيروت بعد الانفجار، وصورة العلم اللّبناني، وصورة لجو في زيّ الدّفاع المدّني مبتسماً. أجاب: "بكرا شي نهار بس تطلع نتيجة التّحقيق بدهن يكسروهن (الإهراءات) يرجعوا يبنوهن. عملتها لضلّ ذكّر النّاس أن بيوم من الأيّام في دولة قتلت شعبها".

العدالة التي يبحث عنها ويليام ليست لجو فقط، فاسم جو أصبح يرمز إلى المئات من الضّحايا "إذا تحقّقت لجو رح تتحقّق لألكساندرا والعكس نفس الشّي. الحقيقة واحدة للكلّ".


أنجزت هذه المادة ضمن مشروع "شباب22"، برنامج تدريبي لموقع رصيف22 يرعاه مشروع دي- جيل D-Jil، بالاعتماد على منحة من الاتحاد الأوروبي تشرف عليها CFI.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard