عن عدائية النظام وتعطّل الحل السياسي في سوريا

الجمعة 9 أبريل 202111:09 ص

في اللغة العربية نقول إن الإنسان وحده مَن يعيش، بينما باقي الكائنات فهي تحيا فقط. والتفريق بين مجرّد الحياة التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوانات والنباتات، وبين أنماط العيش التي يختص بها الإنسان وتجعل منه كائناً سياسياً على سبيل المثال، يمكن أن يساعد على توصيف الحياة السياسية في سوريا، ويفتحنا على التساؤل حول ما إذا عاش السوريون حياة سياسية أثناء العهد الأسدي أم لا.

كان النظام قبل الثورة هو الذي يحدد قواعد اللعبة السياسية الداخلية، ويرسم سياسات الدولة الداخلية والخارجية، ويقرر مَن من الشعب يستطيع أن يدخل حقل السياسة، ولكن حصراً كلاعب ثانوي ليس لصوته أيّة قيمة، إذا قورن بأصوات الزمرة الحاكمة، مهما كانت مكانته.

أما بعد الثورة، فأخذت السلطة السياسية تفلت شيئاً فشيئاً من يد النظام وبدأت تظهر السياسات الإيرانية بوضوح أكثر، إلى أن وصلنا إلى مرحلة الاحتلال الروسي، الذي لا يتحكم بكل تفاصيل الحياة السياسية، لكنّه صار اللاعب الأبرز فيها.

السياسة حكر على النظام، بينما الشعب مستثنى أو محروم منها، أي أنه لم يعرف العيش السياسي، والحياة السياسية ازدادت تعقيداً مع كثرة اللاعبين بعد الثورة، ولكن عن أيّة سياسة نتكلم عندما نتكلم عن سياسة النظام؟ ما هو السياسي أو ما الذي يحدد ماهيته؟ وتحت أي صنف تندرج سياسات النظام؟

العدوّ والصديق

يشير "كارل شميت" إلى أن مفهوم "السياسي" غالباً ما ارتبط بمفهوم "الدولة"، على اعتبار أن "مفهوم الدولة يفترض مفهوم السياسي من ذات نفسه"، وإلى أنه "من النادر أن نصادف تعريفاً واضحاً للسياسي. فاللفظة تكاد لا تُستعمَل أبداً إلا بشكل سالب، في مقابل مفهومات أخرى شتى ضمن نقائض من قبيل السياسة والاقتصاد، السياسة والأخلاق، السياسة والقانون".

إلا أن شميت ينبّه إلى هشاشة تعريف السياسي انطلاقاً من الدولة، أو الاعتماد على المعادلة التي اعتبرها غير دقيقة وبؤرة للأخطاء والتي تقول: "الدولة = سياسة"، لأن "الإحالة على الدولة لم يعد يمكنها أن توفّر ما به يُعرّف الطابعُ المميّز والمخصوص للسياسي".

يتجاوز شميت الارتباط بين مفهوم الدولة والسياسة ليقترح تعريفاً آخر للسياسي، يقوم على التقابل بين الصديق والعدوّ. يقول في ذلك: "إنّ التمييز المخصوص للسياسي، الذي إليه يمكن أن تعود الأفعال والدوافع السياسية، إنّما هو التفريق بين الصديق والعدو. فإنه يوفّر مبدأ لتحديد الهوية له قيمة المقياس".

"العدوّ السياسي في نظر النظام السوري هو قبيح وشرير وضار، والصديق جميل وخيّر ومفيد. فإيران هي صديق خيّر يقف عسكرياً معه ضد ‘الإرهاب’، وروسيا هي المنقذ والسيف المسلول على الأطماع الغربية، والبلد الذي يرأسه ‘أبو علي بوتين’، حامي الأقليات الكاريزماتي"

يضيف شميت إلى ذلك ما معناه أن هذا التقابل بين الصديق والعدوّ الذي يحدد "ما هو السياسي"، هو تقابل مستقل، لا ينبغي خلطه أو إحالته أو استنتاجه من تقابلات أخرى، اقتصادية أو أخلاقية أو جمالية، فالصديق في السياسة ليس حتماً "مفيداً" على مستوى اقتصادي أو "جميلاً" على المستوى الجمالي أو "خيّراً" على المستوى الأخلاقي، والعدو بالمعنى السياسي ليس بالضرورة قبيحاً أو شريراً أو ضاراً.

سياسة النظام

في سياسة النظام السوري، يتوافق "ما هو سياسي" مع "ما هو اقتصادي وأخلاقي وجمالي"، بل يمكن أن يُستنتج منها أو يحال عليها، فالعدوّ السياسي عنده قبيح وشرير وضار، والصديق جميل وخيّر ومفيد. كذلك هي إيران، الصديق الخيّر الذي يقف عسكرياً معه ضد "الإرهاب"، والمفيد الذي يدعمه اقتصادياً، وهذا ينطبق على حزب الله أيضاً، الذارع الإيرانية الصديقة، والذي تجد صور أمينه العام في الشوارع والبيوت والسيارات. ولنا في روسيا خير مثال أيضاً، فهي المنقذ والسيف المسلول على الأطماع الغربية، البلد البعيد/ القريب والجميل، الذي يرأسه "أبو علي بوتين" حسب التوصيف الشعبي، حامي الأقليات الكاريزماتي.

أما الأعداء السياسيون، فهم المتآمرون الكونيّون على سوريا ومواقفها الممانعة، هم عين الشر والقبح والضرر، ولائحتهم تطول، تبدأ بمَن ثار من الشعب على النظام (الجراثيم التي ينبغي تطهير البلد منها) ولا تنتهي بأمريكا.

"في البلاد الديمقراطية، حيث يوجد إجماع على الدولة، ينشغل الناس بالدفاع عن المجتمع أكثر من دفاعهم عن الدولة... أما في البلاد التي لم يترسخ فيها مفهوم الدولة، فتنشأ الحاجة للدفاع عنها، كي يضمن الناس أقل قدر من التدبير المؤسساتي لشؤون حياتهم"

والحال أن العداء الشديد من جهة المعارضة العسكرية والسياسية يماثل سياسة النظام العدائية هذه، التي ترى في العدوّ السياسي ما تراه من قبح وشر وضرر، ولكن علينا أن نقول إن النظام لا يستحق ولم يترك مجالاً إلا لمعاملته بهذا الخلط بين السياسي والأخلاقي والجمالي والاقتصادي، ولا يقبل بعدوّ سياسي يشاركه السلطة، بل لا يقبل إلا بفنائه. الجميع يعلم أن النظام لا يقدّم تنازلات لأنه يرى أنها لا تجر إلا تنازلات، وتفلت زمام السلطة من يده، لذلك بقي على سياسة العداء نفسها، التي ما انفكّ يمارسها منذ بدء سيطرته على سوريا.

علينا أن نضيف أن شميت يشير إلى أن هذا التحديد لـ"ما هو سياسي" ليس مستوفياً أو جامعاً. ولا نستعين به هنا إلا لأنه يقدّم لنا منظوراً محدداً قد يساعد على فهم الانسداد السياسي الحاصل في الشأن السوري.

فكرة الحوار مع النظام لن تكون مرضية إلا بما يضمن محاسبة كل مسؤول عن القتل والدمار، والحق أن النظام لا يستحق إلا أن يندثر كل أثر خلّفه في النفوس والعقول والأجساد والأشياء، إلا أن الحوار الجدي، مهما كانت الشروط والتنازلات التي سيقدّمها النظام، سيبقى كأس سم مهما حاولنا تخفيف الأمر، ولكن يبدو أننا سنتجرعه رغم أنفنا في وقت ما، لأن سقوط النظام صار احتمالاً بعيداً ولم يعد مسألة مطروحة أو قريبة في السياسة الدولية ولأن النظام انتصر عسكرياً ويتخذ الشعب السوري كرهينة، ولا يخفى على أحد أن محاولات الحوار السابقة كانت محكومة بالفشل بالدرجة الأولى لأن النظام هو النظام.

لا نشير من وراء هذه الإضاءة على مفهوم "السياسي" إلى أن النظام كان أو سيكون "جميلاً" أو "مفيداً" أو "خيّراً"، بل نشير إلى العمل السياسي بما هو عمل يقبل فصل الجانب الأخلاقي والجمالي والاقتصادي عن السياسي أو يؤجله أو يغض النظر عنه، لكننا نشير أيضاً إلى أن النظام ما زال غير قابل للحوار، ولا يقبل إلا بسياسة عدائية من نوع مخصوص، تقوم على رفض جذري لـ"ما هو سياسي"، ولا يعرف إلا شيطنة الآخر، أي أن النظام عدوّ لـ"ما هو سياسي"، اللهم في الصيغة الأكثر انحطاطاً وعدائية.

ولا مبالغة في القول إن النظام هو المرض السوري المزمن، الذي أوصل الناس إلى البؤس المعيشي الحاصل الآن، وإنه عدوّ نفسه أيضاً، فهو منذ أول أمره يحمل أسباب تفككه وانحلاله.

في البلاد الديمقراطية ذات الدول الراسخة، حيث يوجد إجماع على الدولة، ينشغل الناس بالدفاع عن المجتمع أكثر من دفاعهم عن الدولة، فالأخطار هناك لا تهدد وجود الدولة بما هي الأفق السياسي القانوني الذي يوحّد شعباً ما، أما في البلاد التي لم يترسخ فيها مفهوم الدولة أو لا تمتلك دولة قوية، فتنشأ الحاجة للدفاع عنها أو الحرص عليها، كي يضمن الناس أقل قدر من التدبير المؤسساتي لشؤون حياتهم المعيشية اليومية.

لذلك فإن السياسية، التي يعتبر ميشال فوكو أنها "مواصلة الحرب بوسائل أخرى" عليها أن تحافظ على الدولة وتهاجم النظام فقط، لكن الأمر المؤسف أن النظام لن يقبل إلا بانهيار الدولة أيضاً إذا انهار هو، بل يحاول أن يرسّخ في عقول الناس الخلط بين النظام والدولة، ولن يرى العدوّ السياسي إلا شرّاً وقبحاً وضرراً، وحتى إذا قبلت المعارضة باستقلال السياسي وبادرت بكل أطيافها إلى محاورة النظام، فإن النظام لن يقبل بحوار وطني جدّي لإنقاذ ما تبقى من الدولة ولن يتردد في قتل أعدائه السياسيين إذا سنحت له الفرصة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard