عن "الأب الملعون" وخوف السوريين السياسي-الأمني

الاثنين 15 مارس 202110:52 ص

أضافت الثورة السورية لقباً جديداً لحافظ الأسد هو "ملعون الروح"، وهو لقب حمل في دلالاته ثورة على رمزيته وإرثه السياسي القمعي.

رغم البؤس والنكوص والتقهقر والأهوال والمظالم التي حدثت في سوريا أثناء العهد الأسدي، ثمة مَن يتذكر أيام حكم حافظ الأسد أو حكم ابنه قبل الثورة بحسرة، معتبراً أنها فترة "آمنة" كان السوريون ينعمون فيها بعيش هانئ، لا شيء يعكّر صفوه، فترة سلم واستقرار خالية من الصراعات، لم يعرف الناس فيها الخوف على أنفسهم أو مستقبلهم. إلا أن هذا الطرح سياسي سلطوي بامتياز.

إذا وضعنا التأويل السياسي له جانباً، نستطيع أن نقول: إننا نعلم منذ "أجدادنا الإغريق" أن الصراع "أبٌ ومَلِكٌ على جميع الأشياء" وأن عالماً سكونيّاً يعيش في هدأة وسلام هو أمر شبه مستحيل أو غير قابل للتحقق. العالم في صيرورة مستمرة، "نار مشتعلة حية للأبد" على حد تعبير هيراقليطس في إحدى الترجمات العربية. أينما ولّينا وجوهنا ثمة حركة ونزاع، خطر وخوف وريبة. كيف نستطيع والحال هذا أن نعيش في أمن وسلام، خصوصاً إذا كان العيش أثناء فترة حكم كالحكم الأسدي؟

نحن كائنات هلوعة

نحن في المقام الأول كائنات "هلوعة"، يُعتبر الخوف واحداً من إمكاناتنا الوجدانية، نستطيع أن ندرس بنيته وأن نعاين طابعه التهديدي، لكننا لا نستطيع أن نقضي عليه بشكل نهائي، إلا أن ما يهمنا هنا ليس الخوف الذي ينتابنا بوصفنا كائنات "موجودة في العالم"، بل يهمنا ضرب مخصوص من ضروب الخوف هو "الخوف السياسي الأمني" الذي تزرعه وتعتاش عليه الدولة الأمنية.

السلطات السياسية الأمنية هي علة هذا الخوف. شغلها الشاغل في سوريا، على سبيل المثال والتحديد، تهديد وتحذير ونفي وسلب وإعدام الكيان الإنساني الحر، ذلك الذي يفكر ويفعل ما يخالفها. همها مسألة بقائها بالدرجة الأولى، لذلك تسعى إلى تحويل الإنسان السوري (الإنسان وليس المواطن، إذ لا وجود لمواطنة في ظل البعث) إلى كائن لا سياسي، أو حجب حقوقه عنه، وخاصة السياسية منها.

لا تكمن خطورة هذه السلطات بما تدفعنا إلى قوله أو فعله فحسب، بل بما تجبرنا على عدم قوله أو فعله أيضاً. ومن المعلوم أن التخويف أداة سياسية أمنية بالغة القوة. هو فعل ذو غائية قابلة للاستخدام السياسي، نجحت الدولة الأمنية في استثماره إلى أبعد الحدود، ويقوم بتوجيه وتحديد السلوك، أي يتضمن بالإضافة إلى بعده التدميري بعداً إنجازيّاً.

"نحن في المقام الأول كائنات ‘هلوعة’، يُعتبر الخوف واحداً من إمكاناتنا الوجدانية، نستطيع أن ندرس بنيته وأن نعاين طابعه التهديدي، لكننا لا نستطيع أن نقضي عليه بشكل نهائي"

سيتذكر السوريون دائماً قدرة الدولة الأمنية على استخدام التخويف، وكيف قام حافظ الأسد بتأسيس عائلة تَعتبر سوريا ملكاً شخصياً لها ولحواشيها. وإذا تأوّلنا الحياة السياسية في سوريا بوصفها مشهداً عائلياً منذ استيلاء الأسد الأب على الحكم، سيكون هو الأب ذي الألقاب الكثيرة والصورة المُخافة، والدولة الأمنية هي الزوجة التي تنجب له ولنظامه وحزبه "الأبناء الشرعيين".

والأبناء في هذا المشهد هم جميع السوريين الذين عاشوا فترة حكمه أو حكم ابنه. يكفي أن تدرسوا يوماً واحداً في مدارس البعث أو تدخلوا أي مؤسسة من مؤسسات الدولة حتى تتعرّضوا لمحاولة تنصيب حافظ الأسد كأب. لسنا أمام بنوّة مختارة أو اختيارية، ولا أبوة كريمة يُحسد عليها الأبناء. هي أبوة قائمة على تخويف الناس أمنياً وسياسياً. صورة حافظ الأسد أو مكانته أو رمزيته كـ"سيد الوطن/ الأب/ القائد/ الأمين/ الخالد" غير قابلة للمساس عند النظام. هي صورة محاطة بهالة من التقديس.

زرع الخوف

مَن من السوريين يستطيع أن ينسى الخوف المرافق لمهازل "تجديد البيعة" أو الشعارات البعثية التي حُفرت في الأدمغة، أو مادة "القومية" التي تؤرخ لعهد "البعث المجيد" وتعرض فكر "القائد المفدّى"؟

لعلّ من المفيد أن نُذكّر بأمر لا يخفى على كل مطّلع على تاريخ الحكم البعثي، وهو أن النظام على امتداد عقود حكمه قام باعتقال كل مَن شك في ولائه له، ناهيك عن التعذيب والقتل والمجازر، أي أنه قام بأساليب متعددة وبصرامة كبيرة، بزرع الخوف في نفوس السوريين من التفكير الحر، أي من الفعل أو الكتابة الحرة أيضاً.

"إذا تأوّلنا الحياة السياسية في سوريا بوصفها مشهداً عائلياً منذ استيلاء حافظ الأسد على الحكم، سيكون هو الأب ذي الألقاب الكثيرة والصورة المُخافة، والدولة الأمنية هي الزوجة التي تنجب له ولنظامه وحزبه ‘الأبناء الشرعيين’"

مَن يكتب بشكل حرّ في الشأن السياسي السوري، يقاوم بطريقة ما أثراً لحافظ الأسد محفوراً في "الحياة السياسية" السورية وإنْ بشكل غير مباشر. مَن رفض الدولة الأمنية وثار على النظام كانت مكانة حافظ الأسد قد ترسّخت في نفسه كرمز للاستبداد والانحطاط، لذلك كان هتاف "يلعن روحك يا حافظ" من الهتافات الأساسية في الثورة.

لا نقول إن حافظ الأسد كان مسؤولاً عن كل صغيرة في الحياة السياسية السورية، لكنه بدون شك المسؤول الأول عن شكل هذه الحياة. هو نموذج للحاكم الهووي الذي يحاول أن يحدد للناس الكيفية التي ينتمون فيها إلى وطنهم. هو الصنم الأكبر للدولة الأسدية التي اجترحت للناس آلية حكم معطَّلة ومعطِّلة. هو في منظور نفسه ومنظور الأسديين القانون والضمير بعينه. هو لعنة حلّت على سوريا المعاصرة ستكلّفها سنوات طويلة للفكاك منها، والحال أن هذا الفكاك بدأته الثورة، لكننا لا نعلم متى سيتحقق بشكل تام.

كل مَن شارك في الثورة هو على أقل تقدير ابن منبوذ أو ضالّ لسوريا من وجهة نظر النظام. كل محاولة للتمرد على سلطة العائلة الأسدية محفوفة بالمخاطر، لكن القبول بسلطتها والعيش في ظلها ليس آمناً أيضاً، فالأمن الذي توفّره ليس إلا خرافة مسيّسة وهذا في واقع الحال كان سبباً من أسباب الثورة.

وعقلية هذه السلطة الأمنية التي حاولت تنصيب حافظ الأسد كأب/ إله، وإنْ لم تكن العامل الوحيد، هي التي تعاونت مع الإيرانيين والروس وحزب الله كي يدافعوا عن "أمن واستقرار" سوريا ويقفوا ضد "المؤامرة الكونية" عليها، وهي نفسها المسؤولة عن القتل والدمار.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard