أصبت بمرض السرطان وقررت أن يكون صديقي

الجمعة 10 يوليو 202011:21 ص

لطالما تردّدت على مسامعنا عبارات ومفردات وصفات تجسّد وتؤنسن العلاقة بين البشر ومرض السرطان على أنها حرب أزلية: صراع مع المرض، المرض الخبيث، هيداك المرض، انتصر فلان على المرض... إلخ.

تمردت على هذه النمطية واخترت أن أسلك مساراً معاكساً، فقررت مصادقة المرض.

اصطففنا تاريخياً وبشكل تلقائي في جبهة العداء مع المرض، ننادي بالقضاء عليه ونحلم باليوم الذي سيُحلّ لغزه، ويُصار إلى اكتشاف علاجٍ سحري يوفّر على المريض عذابات جسدية ناتجة عن عناصر كيميائية إشعاعية تفتك بكل سليم وسيئ في الجسم، في سبيل القضاء عليه.

ولا يقتصر الأمر على الألم الجسدي، بل تتعرّض أيضاً صحة المريض النفسية لاهتزازات وتقلّبات وانتكاسات قد تكون شاقة ومضنية وثقيلة. من السهل جداً أن يطلب الأقارب والأصدقاء من المريض التحلّي بالإيجابية على قاعدة "النفسية أهم شيء"، ولكن "الحكي مش متل الفعل". لنضع أنفسنا للحظة مكان المريض: كيف له أن يتشجّع لمواجهة هذه التجربة وقد جنّده المجتمع ليخوض حرباً، أقل ما يقال عنها أنها طاحنة، مع عدوٍ شرس غالباً ما يخرج منتصراً؟ كيف له أن يتهيأ نفسياً وقد دخل في مواجهة تم حسمها مسبقاً بطريقة غير مباشرة، لصالح المرض، بسبب عدم تكافؤ ميزان القوى؟ لقد كنت من هؤلاء الأقارب والأصدقاء، أجاهر بالدعوة إلى الإيجابية، مستسهلاً الوصول إليها، إلى أن أصبحت أنا الجندي.

بشهادة مجرب، لا شيء يفوق صدمة اكتشاف الشخص لإصابته بمرض السرطان، باستثناء ربما صدمة الانتكاسة وعودة المرض. تتكاثر السيناريوهات وتتشابك في ذهن الإنسان إلى درجة الهذيان، يمتزج المستقبل المعتم، الحاضر الداكن بذكريات الماضي الجميل

خيار الصمود

بشهادة مجرب، لا شيء يفوق صدمة اكتشاف الشخص لإصابته بمرض السرطان، باستثناء ربما صدمة الانتكاسة وعودة المرض. تتكاثر السيناريوهات وتتشابك في ذهن الإنسان إلى درجة الهذيان، يمتزج المستقبل المعتم، الحاضر الداكن بذكريات الماضي الجميل. تفقد السيطرة على أفكارك فيختلط التشاؤم مع التفاؤل، بينما تنهمك بالاستعداد لفصل جديد من التحديات.

ثم ما إن يهدأ هذا التسونامي الذهني حتى تستعيد الأفكار استقامتها ورشدها وهدوءها وتتجلّى الحقيقة الأكيدة: لا رجعة الآن، أنت أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الصمود أو الصمود.

دأبت على ترويض نفسيتي وأفكاري لتتأقلم مع الواقع الطارئ الجديد. أردت اتباع إستراتيجية تتحدّى النمطية المتعارف عليها لعلها تكون المعادلة الناجحة وسر النجاة. تساءلت كيف ستتأثر صحتي النفسية عندما أدخل حرباً ضروساً مع عدو شرس؟ بالتأكيد سأكون تحت ضغط مستمر ومتزايد لتحقيق الانتصار. ستصبح نفسيتي تلقائياً متجهمة، محبطة، متشائمة، فاقدة للأمل، لأنني مقبل على صراع قد تكون نتائجه وخيمة، سأكون متيقظاً دائماً لتحركات وهجمات العدو المقبلة، حتى إذا انتصرت في معركة واحدة فلا يزال أمامي حرب بأكملها، ضد عدو دائم التربّص، جاهز للانقضاض مجدداً وسريعاً، تبيّن لي حينها أن معاملة المرض كعدو لن تأتي بالنفع بل ستضعفني جسدياً وذهنياً.

التمرد على المفاهيم السائدة

تمردت على هذه النمطية واخترت أن أسلك مساراً معاكساً، فقررت مصادقة المرض. نعم. اتبعت مفهوم "ابتعد عن الشر وغنّيله"، تعايشت مع المرض وتعودت على صفاته، أدركت حاجاته وأنماطه ومزاجه، تعلمت أن أتحدث معه في عقلي كيلا أشعر بالوحدة. في البداية حاولت إخفاءه عن محيطي خجلاً مما أصابني وتفادياً لشفقة الناس، ولكن ما إن خلعت ثوب الجندي المحارب، المحبط والمرهق، وتهيأت لخوض ما اعتبرته مغامرة جديدة، متطلعاً لاكتساب ما تختزنه من دروس وحِكَمْ، لم أعد أكترث لنظرة المحيط. تعلمت من المرض الإصرار والعزيمة والصبر كما يتعلم المرء العادات الحسنة من الأصحاب. توقعته عندما غاب لفترة وجيزة فلم تفاجئني عودته، استقبلته كما يستقبل الصديق صديقه بعد سفرٍ قصير. تقبلت فترة العلاج بصدر رحب، فاغتنمتها فرصة للتقرب من العائلة، إحياء صداقات قديمة كانت قد ركدت مع الزمن، التفكير والانكباب على مشاريع وتحقيق طموحات شخصية. حتى عندما تسبب المرض بتغيرات في جسمي وشعري وجلدي لم أحقد أو أيأس، بل تعاملت مع الموضوع على أنه عملية تجديد وتنقية للخلايا. تأقلمت مع شكلي الجديد من دون شعر، لا بل أحببته. تمكنت من إلهاء نفسي وإعادة تكرير الطاقة السلبية إلى أمل وعزم.

قد نحتاج لبذل مجهود مضاعف لمساعدة المريض وأنفسنا، للتأقلم مع الضيف الجديد، بدايةً بتغيير المفاهيم السائدة المستعملة: مغامرة مع المرض وليس صراعاً معه، الضيف الجديد وليس مرضاً خبيثاً، مرض السرطان وليس هيداك المرض، وتصالحنا مع المرض وليس انتصرنا عليه

تكونت لدي بعد هذه التجربة قناعة ثابتة أن النفسية الإيجابية هي العنصر الأهم في بروتوكول العلاج، فيزيولوجياً وسيكولوجياً، فهي تلعب دوراً أساسياً في تجييش جميع الهرمونات والخلايا الدفاعية في الجسم بحماس، لتضخّ القوة والروح في الجسد والذهن. بالطبع الأمر ليس بالسهل ويتطلب درجة عالية من النضج والإيمان والسلام الداخلي، وقد نحتاج لبذل مجهود مضاعف لمساعدة المريض وأنفسنا، للتأقلم مع الضيف الجديد، بدايةً بتغيير المفاهيم السائدة المستعملة: مغامرة مع المرض وليس صراعاً معه، الضيف الجديد وليس مرضاً خبيثاً، مرض السرطان وليس هيداك المرض، وتصالحنا مع المرض وليس انتصرنا عليه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard