"رعايتهن ليست سهلة"... إزالة أرحام فلسطينيات ذوات الإعاقة الذهنية

الاثنين 30 أغسطس 202103:44 م

تتدفق الدماء من أسفلها، تبكي وتصرخ، يسمعها جيران ألفوا هذا الصراخ بداية كل شهر، لا تستجيب للمسكنات، ولا الفوط الصحية، إنه وقت الدورة الشهرية لسوسن (28 عاماً).

تعيش سوسن، التي تعاني من شلل دماغي في إحدى قرى مدينة رام الله بالضفة المحتلة، حياة صعبة برفقة شقيقها كريم (اسم مستعار) وزوجته، بعد وفاة والديها، رغم محاولتهما قدر المستطاع الاهتمام بها، بالإضافة إلى اثنتين من شقيقاتها، من ذوات الإعاقة، ولكن السمعية.

أفراد العائلة يرون أن حالة سوسن هي الأكثر تعقيداً لأنها في مرحلة حسّاسة كونها فتاة وليست شاباً، لا سيما خلال فترة الدورة الشهرية، فيعجزون عن السيطرة عليها، وهي ترفض الاستجابة لرعايتهم لها من ناحية النظافة الشخصية، أو تناول مسكنات لتخفيف الألم عنها.

تهرب منهم إلى الشارع.

وأحياناً تهرب منهم إلى الشارع إذا لم تتم مراقبتها بشكل جيد، مما دفعهم للجوء إلى عملية جراحية، عبر استئصال رحمها بشكل جزئي بهدف قطع الدورة الشهرية عنها، "حتى ترتاح من عنائها"، كما يبررون.

يقول شقيقها: "ليس من السهل رعاية فتيات ذوات الإعاقة، خاصة في حالة شقيقتي سوسن كونها فتاة، حاولت كثيراً أنا زوجتي الاهتمام بها ورعايتها من حيث النظافة الشخصية، لكنها عصبية جداً، وكثيرة الصراخ، وغير متقبلة أي استجابة لرعايتها لدرجة أننا أحياناً نقفل باب الغرفة عليها حتى لا تخرج للشارع، بينما تكون في حالة الطمث".

يعجزون عن السيطرة عليها، وهي ترفض الاستجابة، فماذا يفعلون؟ هل يحق لهم أن يحرموها من رغباتها كامرأة إلى الأبد؟ وكيف اعتادت مجتمعاتنا هذه القسوة، وحرمان الحلقة الأضعف، الأكثر احتياجاً لمساعدتنا من الحقوق الأساسية؟

" الناس لا ترحم"، يضيف كريم، وتتابع: "واجهنا انتقادات كثيرة من المجتمع، وتنمراً، وكنت أخاف على شقيقتي من الاعتداء عليها بالخارج، فهي لا تدرك ما تقوم به، فلا أساليب حماية لدينا، كنت أشعر بخوف عليها عندما أسمع عن إحدى الفتيات تعرضت لاغتصاب وقد تحمل".

يخرج كريم للعمل في إحدى المحال التجارية، كونه مصدر رزقه الوحيد، وزوجته بالكاد تستطيع حمايتها، ولديها واجبات منزلية أخرى، يقول: "استشرنا طبيباً، وقال إن العملية لن تشكل خطورة على حياتها، بل قد تجعلها مرتاحة".

"إزالة الرحم اعتداء"

تلجأ بعض من عائلات الفتيات ذوات الإعاقة، خاصة الذهنية أو ممن يعانين من شلل دماغي إلى استئصال رحمهن، هروباً من مصاعب الدورة الشهرية، أو خوفًا من الاعتداء عليهن والاغتصاب وحدوث حمل، لضعف قدرة الفتاة ذات الإعاقة في التعامل في فترة الطمث، ومواجهة العائلة التنمر من المجتمع، وعادة ما يقوم بها أطباء نساء وتوليد، حسب المنطقة الجغرافية التي تتبعها حالة الفتاة، وحسب حالتها، والغالب أن العائلات لا تصرح بقيامها بهذا الأمر خوفاً من التعرض للمساءلة، لذا يتم إجراؤها تحت غطاء من التستر والخفاء.

وفي قطاع غزة تتعرض فتيات ذوات الإعاقة لعمليات استئصال الرحم أو تناول حبوب منع الدورة الشهرية، التي لا تخلو من أضرار جانبية.

في نفس السياق، أكدت الأخصائية النفسية، اشيتاق أبو سيدو، وجود ضعف في وصول الحماية والخدمات الأساسية لذوات الإعاقة في فلسطين، نظراً لأسباب تتعلق بالاحتلال، والعادات والتقاليد المجتمعية، وغياب تنفيذ القوانين، ليحرمن في النهاية من أبسط حقوقهن.

ولفتت إلى تكاثف جهود تستهدف أهالي ذوات الإعاقة خاصة العقلية، لتأهيلهن مجتمعياً، ولا سيما في كيفية التعامل مع الفتيات ذوات القصور الذهني في مرحلة البلوغ.

وأشارت إلى وجود حالات لأسر تقوم بإزالة رحم الفتيات أو إعطائهن حبوباً شهرية أو حقنهن من باب الخوف عليهن من الاعتداء، أو عدم معرفتهن بالنظافة الشخصية عند حدوث الدورة الشهرية، محذرة من تأثيرها قائلة: "يزيد ذلك من الإساءة إليهن، سواءً كانت إساءة جنسية، أو نفسية أو صحية، لأن ذلك ينزع الغطاء الذي قد يظهر حدوث أي اعتداء عليها مثلاً، فيما لو حدث حمل، وبهذا ييسرن الاعتداء عليهن، غير واعيين أن هنالك أساليب كثيرة لحماية الفتيات.

وأكدت الاختصاصية أنه لـ "أي فتاة الحق بالتمتع بصحة إنجابية دون تعرضها لأي نوع من الانتهاك، سواءً كان بشكل مقصود أو غير ذلك".

في إطار متصل أظهر مسح العنف المجتمعي في آخر إحصاءاته خلال ورقة حقائق بعنوان "مؤشرات العنف ضد النساء ذوات الإعاقة في الضفة الغربية وقطاع غزة" للمركز الفلسطيني للأبحاث السياسات والدراسات الإستراتيجية، أن 27% من النساء ذوات الإعاقة (18- 64 سنة) اللاتي لم يسبق لهن الزواج، تعرضن للعنف لمرة واحدة على الأقل من أحد أفراد الأسرة، بنسبة 19% في الضفة مقابل 35% في القطاع.

وتبين بأن ثلثهن تعرضن للعنف النفسي، وخمسهن تقريباً تعرضن للعنف الجسدي.

تتدفق الدماء من أسفلها، تبكي وتصرخ، يسمعها جيران ألفوا هذا الصراخ بداية كل شهر، إنه وقت الدورة الشهرية، استأصل أهلها رحمها، "حتى ترتاح" كما يبررون

وأظهر المسح أن 85% من النساء ذوات الإعاقة تعرضن لأشكال متعددة من العنف: 65.3% منهن تعرضن للعنف الجسدي، و92.3% للعنف النفسي، و13.3 % للعنف الجنسي، و85.3 % تعرضن للعنف الاقتصادي.

السيدة سهيلة، اسم مستعار، وهي أم لفتاة من ذوات الإعاقة الجسدية والذهنية، تقول إن على عاتقها حماية ابنتها بشكل كبير، فهي مسؤولية كبيرة لا تدع أي تفاصيل تمر دون انتباه، لكن الواقع الذي تعيشه ابنتها مرير، وفي كل مرة تأتيها الدورة الشهرية تسبب لهم مأساة تصل لنزع الفوط الصحية، مما قد يسبب لها أمراضاً، صحية محرجة.

وترى سهيلة أنه من حقها أن تراعي ابنتها بالطريقة التي تراها مناسبة، فلا يوجد أحد يساعدها في تحمل مسؤوليتها.

ولكن ناهض أبو سلمية، أخصائي تمريض، يشدد على أن إزالة رحم الفتاة هو انتهاك مباشر لصحة ذوات الإعاقة، وغياب الوازع الإنساني، "لأنه لا يجوز إجراء أي تدخل طبي لأي إنسان إلا بوجود دواعِ طبية واضحة، قد تشكل خطورة على حياة الفتاة. إضافة إلى كونه غير إنساني، له تداعيات سلبية على الصحة الإنجابية للفتيات، ومشاكل صحية في العظام، ونقص الكالسيوم بشكل كبير، كذلك تفقد الفتاة حقها في الإنجاب، وحقها في الزواج، وإن كانت من ذوات الإعاقة".

وأوضح أن استخدام عقاقير أو إبر أو عمليات جراحية لقطع الدورة الشهرية يؤدي إلى نقص في هرمون "الأستروجين" مما يجعل الفتاة عرضة للعصبية والاكتئاب والأمراض السرطانية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard