مبارزة فكرية أم إهانة متعمدة؟… خلاف بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة

الأربعاء 29 يناير 202007:46 م

جدل واسع أثير في مصر على خلفية تباين في وجهات النظر بين شيخ الأزهر الإمام الأكبر أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة محمد عثمان الخشت حول "تجديد الخطاب الديني" خلال ختام مؤتمر عالمي نظمه الأزهر وموضوعه "التجديد في الفكر الإسلامي".

اعتبر البعض أن الإمام الطيب "أهان الخشت ولم يكرمه في داره"، فيما رأى آخرون أنه "تكلم في ما يفقه واشتد في الدفاع عن الحق".

بدأت القصة بعد إلقاء الخشت كلمةً في ندوة بالمؤتمر أدارها الأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى، وحضرها عشرات العلماء المسلمين من بلدان مختلفة، مساء 28 كانون الثاني/يناير.

في كلمته، قال الخشت: "لا بد من تأسيس خطاب ديني جديد، لا تجديد الخطاب الديني التقليدي، فعملية تجديد الخطاب الديني أشبه ما يكون بترميم بناء قديم، لذا فالأجدى إقامة بناء جديد بمفاهيم جديدة ولغة جديدة ومفردات جديدة إذا أردنا أن نقرع أبواب عصر ديني جديد".

وأضاف: "لا يمكن تأسيس خطاب ديني جديد دون تكوين عقل ديني جديد، ودون تغيير طرق التفكير وتجديد علم أصول الدين عبر إصلاح طريقة التفكير وفتح العقول المغلقة وتغيير طريقة المتعصبين في التفكير، وتجديد فهم العقائد في الأديان ونقد العقائد الأشعرية والاعتزالية وغيرها من المذاهب القديمة".

وأكد الخشت رفضه التام الدعوات إلى "محاولة ‘إحياء علوم الدين‘" منبهاً إلى "ضرورة ‘تطوير علوم الدين‘، وتفكيك الخطاب التقليدي والبنية العقلية التي تقف وراءه، وتأسيس خطاب ديني جديد".

ورأى أن التجديد الذي يقصده لا يمكن أن يأتي من المؤسسات الدينية الكلاسيكية في أي بقعة من العالم، ما لم تكن لديها القدرة على التخارج والتعلم من دائرة معرفية أخرى.

كذلك سلط الضوء على خطورة "جمود اللغة كأحد أهم أسباب العجز عن تطوير الخطاب الديني، الذي هو أحد أهم أركان الدخول في عصر جديد"، لافتاً إلى أن من أبرز أسباب "التطرف طريقة فهم اللغة عند التيار المتشدد، الذي يقف عند حدود الحرف وظاهر اللغة كما تشكلت قديماً دون الالتفات إلى السياق التاريخي والاجتماعي للغة، أو إلى مقاصدها".

"ليت كلامك كان مدروساً"... شيخ الأزهر، على غير عادته، يحرج رئيس جامعة القاهرة بشدة ويُضحك عليه الحضور خلال مناقشة "تجديد الخطاب الديني"

شيخ الأزهر يسخر

وبأسلوب غير معتاد من الإمام الطيب، جاء رده على الخشت مفعماً بالسخرية وببعض الإهانة، كما رأى معلقون، مشجعاً موجة الضحك الطالعة من صفوف الحضور.

قال الطيب بدايةً: "أحب أن أوضح أن بيني وبين الدكتور الخشت علاقة طويلة ومناوشات قديمة، لكني سأحاول أن أكون ‘طيباً‘ في ملاحظتي على كلمته. كنت أود أن تكون كلمةً تلقى في مؤتمر ديني عالمي وفي موضوع دقيق كالتجديد ‘معدة سابقاً ومدروسة‘ لا أن تكون نتيجة تداعي الأفكار والخواطر".

وأضاف: "حضرتك شبهت التجديد بتجديد بيت والدك تحبه لكن لا تسكن فيه وتنتقل إلى بيت جديد، هذا ليس تجديداً إنما هو إهمال وترك وإعلان فرقة لبيت الوالد مع احترامي. التجديد يا سيدي في بيت الوالد يكون في بيت الوالد بما يناسب أنماط البناء المعاصرة".

وتابع: "تنادي بمذهب الأشاعرة وقلت إنهم بنوه على أحاديث الآحاد (غير المؤكدة) وسألمس هذا الموضوع خفيفاً (سريعاً)؛ هذا ليس صحيحاً، فهذه الأمور درستها في الثانوية الأزهرية في الستينيات من القرن الماضي، فالأشاعرة والمعتزلة لا يقيمون مسألةً واحدة في أصول العقائد إلا على الأحاديث المتواترة أو القرآن الكريم. أما قولك عنهم فهو بالتأكيد خاطرة وليس وليد بحث علمي".

في نهاية حديثه، رفع شيخ الأزهر مؤلفاً للخشت بعنوان "نحو تأسيس عصر ديني جديد"، وخاطبه قائلاً: "إن كنت تعتقد أن هذا الكلام مطلق فقد سقط مذهبك، وإن كنت تعتقد أنه مشكوك فيه فأرجو حين تتأكد أن تهدي إليّ كتابك".

"أعي ما أقول تماماً"

عادت الكلمة إلى الخشت ثانيةً ليوضح للإمام أنه يعي تماماً كل ما يقوله، مذكراً بأنه كتب العديد من المؤلفات التي تدرّس في الجامعات، ولافتاً إلى أن بعض ما قاله فُهم خطأً.

والخشت قبل أن يكون رئيساً لجامعة القاهرة هو مُفكر وكاتب وأستاذ فلسفة الأديان والمذاهب الحديثة والمُعاصرة. في حين أن الطيب كان أستاذاً للعقيدة والفلسفة، ومفتياً أسبق للديار المصرية ورئيساً أسبق لجامعة الأزهر.

وتابع الخشت: "كل منا يخطىء ويصيب. وأحترم الأزهر وأجل شيخه ولا أتفق مع كل ما قال ولا أختلف معه كلياً أيضاً".

وفي تعقيب لاحق، عبر برنامج "رأي عام" على قناة "تن" المصرية مساء 28 كانون الثاني/يناير، قال الخشت إن ما حدث "مجرد خلاف في الرأي في إطار الاحترام والتقدير المتبادلين مع شيخ الأزهر"، مبرزاً أن هذا الاختلاف في الآراء "ظاهرة صحية" وأن الإمام الطيب ربما فهم من كلامه معاني لم يقصدها.



وأضاف: "أنا طرحت وجهة نظر مختلفة عن تلك المطروحة من فضيلته، داعياً إلى تطوير علوم الدين لكي تلائم العصر بالعودة إلى المنابع النقية، القرآن والسنة الصحيحة فقط، ودعيت إلى علوم تفسير جديدة وعلوم حديث جديدة وعلوم فقه جديدة حتى نستطيع أن ندخل عصراً دينياً جديداً".

البعض يرى أن الإمام الطيب "تحدث في ما يفقه واشتد في الحق"، لكن آخرين يرون أن السجال بين عالميْ الفلسفة تطور إلى "سخرية مهينة وغير لائقة" بدلاً من أن يكون "مبارزة عقلية"

اختلاف رأي أم تصيد؟

وخلال الساعات الماضية، أثيرت ضجة واسعة حول ما جرى بين عالمي الفلسفة، إذ اعتبره البعض "مبارزة عقلية صحية"، ورآه آخرون "محاولة إهانة أو إحراج متعمدة من شيخ الأزهر، لا سيما أن الموقف جاء بعد صدور حكم قضائي نهائي بحظر ارتداء الأساتذة في جامعة القاهرة النقاب داخل قاعات الدراسة.


ومال فريق ثالث، أكثر اعتدالاً ربماً، إلى القول إن ما جرى لا يليق لا بمكانة الخشت ولا بالصفة الدينية للإمام الطيب وكل الحضور الذين "سخروا بطريقة سخيفة" من الخشت، مع إشارة إلى أن "لا أحد مهما علت مكانته يملك الحقيقة المطلقة وحده".

أشار إلى ذلك أحد علماء وزارة الأوقاف، محمد عبداللطيف الخولاني، الذي قال إن الضحكات العالية (القهقهة) والتصفيق على كل جملة يقولها شيخ الأزهر، "أمر لا يليق في حضور شيخ الأزهر ولا يليق بالحاضرين ولا بجلال المؤتمر".

وبيّن الخولاني أن الخشت ساهم في هذا الموقف "حين تحدث في ما لا يفقه"، وهو ما برر به بعض المعلقين "قوة رد" شيخ الأزهر الذي اعتبروه "تحدث بما يعلم واشتد في الحق".

واتهم الإعلامي محمد الباز موقف شيخ الأزهر معتبراً أنه "لم يكرم ضيفه الخشت في داره"، كما لام المناصرين للإمام على رفضهم أي محاولة لمجادلة الطيب وكأنه "ليس بعد علمه شيء". وشن الباز هجوماً لاذعاً عليه.

دفع هذا العالم المصري عصام حجي إلى القول، عبر تويتر، إن "الهجوم الإعلامي على شيخ الأزهر، وهو يدافع عن المعرفة، تصعيد جديد للحرب على العلم بكل أشكاله"، مردفاً "الأنظمة التي تشغل نفسها بنسج عبارات مجوفة تغازل آذان الغرب أكثر من انشغالها بإصلاح شؤون رعيتها، لا تعي أن الإصلاح ليس بتجديد عشوائي للخطاب الديني بقدر ما هو بفهم متأنٍ له في المقام الأول".

وأعرب كثيرون عن تضامنهم مع الإمام الطيب و"فخرهم" به. 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard