اختصاصات متداخلة وقيادات متصارعة... تاريخ الصراع بين الأزهر والأوقاف في مصر

السبت 13 يونيو 202005:24 م

في الفترة التي أعقبت دخول الإسلام إلى مصر، في القرن السابع الميلادي، كان المسلمون يلجأون إلى الفقهاء ورجال الدين الذين يتبعون المذاهب الفقهية الأربعة المشهورة، لمعرفة الأحكام الدينية، دون الحاجة إلى مؤسسة دينية.

ومع إنشاء الجامع الأزهر في عهد الفاطميين ثم عودة ظهوره في عهد المماليك وصولاً إلى الدولة الحديثة، مروراً بالعثمانيين، أخذ الأزهر مكانة دينية واجتماعية وسياسية كبيرة، وصلت إلى درجة توليه المسؤولية عن الشؤون الدينية للمسلمين السنّة في مصر.

لعب الأزهر دوراً رئيسياً في شتى مناحي الحياة المصرية والإسلامية، فمنذ بداية الصلاة فيه عام 361هـ /921م كان كعبة العلم والعلماء في مصر، ومع انتصار صلاح الدين الإيوبي ضد الفاطميين قرر إغلاق الجامع الأزهر، فظل مغلقاً حوالي 100 عام حتى آتى سلاطين المماليك وأعادوا فتحه، بعد تغيير بوصلته المذهبية نحو المذهب السنّي بدلاً من الإسماعيلي.

راح الأزهر يؤدي دوراً كبيراً كأحد المعاهد الإسلامية الرئيسية. ومع مجئ العثمانيين، عام 1517، امتدت يد التغيير لتطال الكثير من مناحي الحياة في مصر إلا الأزهر، فقد حافظ الأخير على مكانته بل وعمل على كسب النفوذ، بفعل عوامل عدّة منها: عدم تدخل العثمانيين في شؤونه، الاستقلال المالي الذي يجنّبه النفوذ العثماني، والريادة العلمية، بمعنى أن الأزهر كان المؤسسة العلمية الأولى في البلاد.

حديثاً، ومع وصول محمد علي إلى السلطة، تعددت وسائل "الباشا" للسيطرة على أكبر مؤسسة دينية. فعدا تهميش التعليم الديني، أنشئت "هيئة الأوقاف المصرية" لرعاية الوقف الإسلامي عام 1835، بهدف تحجيم وتفتيت نفوذ المؤسسة الدينية التي تنازعه حكم البلاد.

الأوقاف كمصدر لاستقلال الأزهر عن السلطة

الوقف في الشريعة الإسلامية هو صدقة محرّمة، لا تُباع ولا تشترى، ولا توهب ولا تورّث ويصرف ريعها على جهة من جهات البرّ، مثل المساجد والتكايا وحلقات التعليم بشكل رئيسي، وأحياناً يُستخدَم للإنفاق على الجيش وفك أسرى المسلمين من يد العدو.

عندما تأسس الأزهر، نال الرعاية الكاملة من الخلفاء الفاطميين، فمنذ اللحظة الأولى لعقد الحلقات الدراسية فيه، قام الوزير يعقوب بن كلس، بإيعاز من الخليفة الفاطمي العزيز بالله، باتخاذ التدابير اللازمة لاستمرار نشاطه، ورصد ميزانية عامة للإنفاق على أنشطته العلمية ومنها حلقات التعليم.

وورد في كتاب "قبل أن يأتي الغرب: الحركة العلمية في مصر في القرن السابع عشر" لناصر عبد الله عثمان، أن الإنفاق على الجامع الأزهر كان يرجع إلى مصدرين أساسيين هما: الأحباس، أي الأوقاف، والذي أنشئ لها ديوان وزاري في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، وكانت تأتي من الأكابر والأغنياء؛ والصدقات العامة والخاصة، وتتكوّن من الأعطيات والصدقات السلطانية.

استمر النشاط الديني والتعليمي الأزهري مستقلاً منذ إنشائه حتى فترة حكم محمد علي، لاعتماده بشكل كبير على الريع (الربح) الذي توفّره له الأوقاف السُنّية.

فقبل وصول محمد علي إلى السلطة، كان نظام الأوقاف يعتمد على "المجال المشترك" بين المجتمع والدولة، ما يعنى مشاركة الحكام والمحكومين في إنشاء الأوقاف لتحقيق "المصلحة العامة".

يذكر عبد الرحمن الجبرتي في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" أنه عندما تسلّم محمد علي السلطة، عام 1805-1806، كانت مساحة الأراضي الموقوفة 600 ألف فدان أي ما يزيد قليلاً عن خُمس الأراضي الزراعية حينذاك والتي كانت تقدر مساحتها الإجمالية بـ2.5 مليون فدان، طبقا لإحصاءات عام 1812.

قام "الباشا" بعدة إصلاحات في نظام حيازة الأراضي، في نهاية عام 1815، تحوّلت بعدها الأراضي الزراعية إلى "مزرعة حكومية"، بحسب تعبير إبراهيم البيومي غانم في كتابه "الأوقاف والسياسة".

شملت إصلاحات محمد علي أراضي الأوقاف، وذلك بعد قضائه على نظام الالتزام الذي يقضي بأن يدفع أحد الأعيان ضرائب الأرض عن مساحة كبيرة منها مقدماً إلى السلطة ثم يجنيها هو بطرقه من الفلاحين مع مكاسبه، واستبداله بنظام الاحتكار الذي يقضي بملكية الدولة لكل الأراضي الزراعية، ولا يكون للفلاحين إلا حق الانتفاع بالمساحة التي يزرعونها، ومن ثمَّ لا يمكن التصرّف فيها بالوقف لانتفاء شرط الملكية.

أدّت هذه التغييرات إلى وصول الأوقاف إلى أدنى مساحة لها، بسبب التغيير والاصلاحات التى أدخلها الباشا على نظام حيازة الأرض.

الأزهر والأوقاف على مسرح السياسة

شهدت فترة محمد علي ومَن تبعه من حكام وسلاطين، حتى قيام ثورة يوليو 1952، تغييرات أساسية في بنية المؤسستين، أفرزت تغييرات سياسية واجتماعية وثقافية، استمرت إلى ما بعد ثورة يناير 2011.

يشير الدكتور عاصم حفني، الأستاذ في كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر وأستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة ماربورغ الألمانية، في حديث لرصيف22، إلى أن العلاقة بين الأزهر والأوقاف علاقة متشابكة ومتشعبة، فأئمة الأوقاف هم خريجون من جامعة الأزهر، ووزير الأوقاف نفسه أزهري ويُعيَّن بتزكية من شيخ الأزهر، ولكن المؤسسة الأزهرية تتمتع بموقع شبه مستقل عن السلطة حيث أن شيخ الأزهر، ومع أنه يُعيَّن من رئيس الجمهورية، إلا أنه لا يقال من الرئيس، بجانب أن هناك ميزانية مالية مخصصة من الدولة للأزهر.

عندما تولى محمد علي السلطة، كان علماء الأزهر هم الذين نادوا به والياً على مصر، فكان عليه أن يستشيرهم في الأمور الكبرى، وفق اتفاق بين الطرفين، وهو ما ضاق به ذرعاً فقرر التخلص من هذه القيود

على العكس منه، تأتي وزارة الأوقاف كمؤسسة حكومية تتبع للدولة تبعية كاملة، فمنذ إنشائها كديوان حكومي عام 1913 ثم كوزارة عام 1953 وهي تعمل على تنفيذ أجندة الحكومة وتكريس خطابها الديني لخدمة الدولة والنظام السياسي، ويمكن عزل وزير الأوقاف أو إقالته مع الحكومة.

عندما تولى محمد علي السلطة، كان علماء الأزهر هم الذين نادوا به والياً على مصر، فكان عليه أن يستشيرهم في الأمور الكبرى، وفق اتفاق بين الطرفين، وهو ما ضاق به ذرعاً فقرر التخلص من هذه القيود.

يرى حفني أن محمد علي ليس أوّل مَن عمل على تحييد النفوذ الأزهري، فقد سبقه صلاح الدين الأيوبي ولكن لأغراض مختلفة، فصلاح الدين كان يعمل على طمس المذهب الشيعي، وذلك بهدم معاقله الرئيسية مثل الأزهر، وتأسيس مدارس جديدة تعمل على نشر المذهب السنّي كمذهب رسمي للدولة الأيوبية، في حين أن محمد علي قيّد الأزهر لكسب نفوذ سياسي إضافي يُمكّن وضعه كوالٍ لمصر ضمن الإمبراطورية العثمانية.

في دراسة بعنوان "الدور السياسي للأزهر بعد الثورة: الثابت والمتحول"، وفي معرض حديثه عن علاقة الأزهر بالسلطة، يقول الباحث بلال عبد الله إن محمد علي كان يدرك جيداً أن سيطرته على مقاليد الحكم مرهونة بتحييد نفوذ الأزهر وإقصائه عن الحياة السياسية لسببين: الأول أن الأزهر كان يمثّل أحد أهم مراكز القوى في مصر؛ والثاني أن طموحات محمد علي في بناء دولة على الطراز الحديث كانت تتطلب استحداث أجهزة ومؤسسات تُعَدّ منافسة للدور الاجتماعي الذي يقوم به الأزهر، وبالأخص في قطاع التعليم، وهو ما قام به في حربه ضد الزعامات الشعبية الدينية ورجال الأزهر، ثم استحداث التعليم العلماني.

كان استيلاء محمد علي على أوقاف الأزهر وإخضاعها للإدارة الحكومية جزءاً من سياسته العامة لتعبئة كافة موارد الدولة لخدمة مشروعاته التجديدية، وتمّ له ما أراد بعد أن أخفق رجال الأزهر في الدفاع عن استقلاليته بالحفاظ على أوقافه بعيداً عن السيطرة الحكومية.

وفي حين انتهج الباشا سياسة التقتير في الإنفاق على الأزهر، وفي ظل سياساته التي تهمّشه، كانت للأهالي سياسة موازية. ثمة أمثلة كثيرة لأوقاف نشأت فى النصف الأول من القرن التاسع عشر يتضح منها مدى اهتمام الأهالي بالأزهر وتوفيرهم الدعم المالي له، أهمها أوقاف السيد عمر مكرم التي أوقفها بين عامي 1809 و1820، وأوقاف زينب بنت محمد علي (أوقفتها بعد وفاة والدها عام 1848، لتحسين لعلاقة بين العرش والسلطة الدينية)، ثم أوقاف عدة من كافة فئات الشعب بعد التحرير التدريجي للأراضي الزراعية من قبضة الدولة بمراسيم ملكية مثل "لائحة الأطيان السعيدية"، عام 1858، والتي تقضي بتمكين الفلاحين من أراضيهم، وأمر 3 سبتمبر 1896 العالي الذي تحققت به الملكية الفردية الكاملة للأراضي الزراعية.

وتظهر ميزانية الأزهر لعام 1940/ 1941، أن وقفيات الأهالي مثّلت نسبة 66% من إجمالي وقفيات الأزهر، و23% منها من البشاوات والأعيان وحوالي 10% من وزراء الدولة وأعضاء الأسرة العلوية، حسب إبراهيم البيومي غانم، في كتابه "الأوقاف والسياسة في مصر".

وبتتبّع التطور التاريخي للسياسات الحكومية تجاه نظام الأوقاف، حتى ثورة يوليو، نرى أنها تركزت أولاً في الجوانب الإدارية، ثم انتقلت تدريجياً إلى الجوانب التشريعية، وصولاً إلى تأميمه عبر نقله من السيادة الأهلية إلى السيادة الحكومية الكاملة، ليصبح في يد الدولة وسلطتها الحاكمة.

عبد الناصر والأزهر

مع قيام ثورة يوليو 1952، واجه الأزهر أياماً عصيبة مع النظام الجديد، فهو كان متهماً بأنه من أنصار النظام الملكي وعليه إثبات براءته، وفي ظل سعي دولة يوليو للسيطرة على مقاليد الأمور، حاول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر للمرة الثالثة بعد صلاح الدين ومحمد علي تحييد النفوذ الأزهري، وذلك بإجراءات حاسمة.

في كتابة "الأزهر والدولة: مَن يهيمن على مَن؟"، يرى الدكتور تامر مصطفى، أستاذ العلوم السياسية المشارك في جامعة سيمون فريزر الكندية، أن ما أحدثه جمال عبد الناصر بعد 1952 هو أكبر توغل في تاريخ المؤسسة الدينية، إذ عمل على ضم الأزهر إلى سلطة الدولة، لإحداث توازن مع جماعة الإخوان المسلمين، فأصدر أولاً قانون الإصلاح الزراعي، في أيلول/ سبتمبر 1952، والذي ضم الأوقاف في وزارة جديدة لها، ومن خلال السيطرة على أراضي الوقف اكتسب النظام أداة جديدة لمكافأة مَن يطيعونه ومعاقبة مَن يعارضونه، ثم تلى ذلك إلغاء المحاكم الشرعية، وهي محاكم كانت تعمل بموازاة المحاكم العلمانية التي أنشأها محمد علي.

مع قيام ثورة، واجه الأزهر أياماً عصيبة، فهو كان متهماً بأنه من أنصار النظام الملكي، وفي ظل سعي النظام الجديد إلى السيطرة على مقاليد الأمور، حاول جمال عبد الناصر، بعد صلاح الدين ومحمد علي، تحييد النفوذ الأزهري

أما الخطوة الأكثر طموحاً، فأتت عام 1961 حين صد قانون "مشروع إصلاح/ تحديث الأزهر"، والذي أعاد تنظيم الأزهر بصورة جذرية، بحيث جعله يتبع وزارة الأوقاف رسمياً، وأصبحت جميع موارد الأزهر تمرّ عبر قنوات الدولة الملائمة، ما منحها تأثيراً هائلاً على المؤسسة الدينية.

وعندما رفض الأزهر هذا الأمر، عيّن عبد الناصر ضباطاً من القوات المسلحة لإدارة الازهر تمثلت مهمتهم فى إزالة أية مقاومة لسيطرة الحكومة.

هذه التغييرات مستمرة حتى الآن، لكن مع تغيير في علاقة الأزهر بالسلطة، إذ مُنح شيخه حصانة دستورية من الإقالة في دستور عام 2014، الأمر الذي يمكّن شيخ الأزهر الحالي الدكتور أحمد الطيب من مناكفة السلطة وذراعها الديني الرسمي ممثلاً في وزارة الأوقاف.

لم تقف خطوات عبد الناصر عند قطع الصلة بين الأزهر والأوقاف وتوجيهه نحو الدولة، فقد أصدر قانون إصلاح الأزهر عام 1961، والذي يقضي بإدخال المعارف والعلوم الحديثة إلى الأزهر بجانب العلوم الشرعية واللغوية.

كيانات متوازية واختصاصات متداخلة

في الفترة الأخيرة، ظهرت على السطح عدة قضايا دينية واجتماعية مختلفة كشفت عن تناقض واضح بين الأزهر والأوقاف، مثل الخطبة المكتوبة والطلاق الشفهي وتكفير الجماعات الإرهابية ثم قضية تجديد الخطاب الديني.

يوضح الدكتور عاصم حفني أن أحد تجليات الصراع بين المؤسستين تظهر في الكيانات المتوازية في الأزهر والأوقاف، ففي حين يمتلك الأزهر "هيئة كبار العلماء" تمتلك الأوقاف "المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية"، والذي ينازع الهيئة في اختصاصاتها، وتقابل "دار الإفتاء المصرية" التابعة لمشيخة الأزهر "لجنة الفتوى" في وزارة الأوقاف.

ويضيف أن وزارة الأوقاف أنشأت مؤخراً "أكاديمية إعداد الدعاة"، لتخريج الدعاة والوعاظ، بالتعاون مع جامعة مانستر في ألمانيا، ما ينبئ بالاستغناء عن الكوادر الأزهرية ضمن دعاة الأوقاف مستقبلاً.

يعتقد حفني أن وجود كيانات متوازية تتبع للمؤسسات الدينية الرسمية يُنتج تضارباً مؤسسياً بين مؤسسات الدولة، إذ تنفرد كل جهة برأي يخالف الجهة الأخرى.

ظهر ذلك جلياً في مسألة تجديد الخطاب الديني. يرى حفني أن الأزهر بعد نزع سلطته المادية ممثلة في الأوقاف من قبل السلطة، يحاول التمسك بسلطته المعنوية في تفسير النص الديني، وهو ما ظهر من تأخر الأزهر في مجاراة الطلب الرئاسي حول هذا الموضوع، ما أدى إلى تدخل وزارة الأوقاف بأدوات جديدة مثل إنشاء أكاديمية الدعاة والعمل على تنقيح التراث الديني.

خط ثالث يتبع للدولة أدلى بدلوه في موضوع تجديد الخطاب الديني وراح ينازع المؤسسة الدينية الرسمية على سلطة تفسير النص الديني، وهو جامعة القاهرة، بما لها من مكانة رسمية وعلمية واجتماعية. وظهر مؤخراً الخلاف العلني بين شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب ورئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت حول ماهية تجديد الخطاب الديني.

من جهة أخرى، يرى الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية أحمد زغلول شلاطة ألا وجود لصراعات حقيقية بين المشيخة والأوقاف لأن الدستور والقانون يضبطان العلاقة بين المؤسسات الدينية واختصاصات كل جهة.

ويضيف لرصيف22 أنه لا يمكن تعيين وزير للأوقاف دون تزكية من مشيخة الأزهر كما حدث مع وزير الأوقاف الحالي الدكتور محمد مختار جمعة والذي كان من المقربين من شيخ الأزهر.

يعتبر شلاطة أن هناك تنافساً بين المؤسستين حول استرضاء الدولة وحول مدى تمدد كل منهما في المجال الديني، لا صراعاً حقيقياً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard