الإنسان أقدم مهنة في التاريخ... نعم هو الأمر كذلك. عن الشواطئ وتماثيل العراة في أثينا

السبت 28 أغسطس 202112:06 م

مجاز الحواس


أفلاطون، وكان الرجل تلميذاً لسقراط وشاهداً على مقتله، في روايته عن مقتل أستاذه، سأل الجلاد:

-كيف تفضل أن ندفنك ياسقراط؟

-آه، كما تشاء، هذا إذا لم أتمكن من الإفلات منك.

ثم ضحك بهدوء، وقال: أيها الأصدقاء، إن كريتو يخاطب الجثة التي سوف أصيرها ويسألها كيف سيدفنها... كن شجاعاً يا كريتو، ادفنها بالطريقة التي تروق لك.

تلك هي "طز" الفلسفية. أظن سقراط قالها ولكن باليونانية. ثم أردف لجلاده:

- هات، أعطني السم، ثم رفع الكأس بهدوء وتجرَّع منه.

هل من ترجمة لـ "طز" ياسيد أفلاطون تساوي "طز" سقراط؟

لو تسنّى لي ما يكفي من العمر، لبحبشت في التراث الفلسفي لهذا الرجل، أقله لأحصي كم "طز" قالها ليكون أعظم فيلسوف شهدته البشرية.

في ساحة "أومونيا" الأثينية، كل شيء "طز"، دون نسيان، أنك لو استخدت المناظير المكبرة، فبلا شك ستقترب من رؤية الأكروبوليس.

ومن أومونيا، أو على ذراع منها ستعثر على الطريق إلى شارع سقراط.

ضحك سقراط بهدوء، وقال: أيها الأصدقاء، إن كريتو يخاطب الجثة التي سوف أصيرها ويسألها كيف سيدفنها... كن شجاعاً يا كريتو، ادفنها بالطريقة التي تروق لك... مجاز في رصيف22

ما بين ساحة أومونيا وشارع سقراط ومن ثم الأكروبوليس، مسافة في التاريخ، يخبرنا باص تجوال السياح أنها خمسة آلاف عام، لتقع إسبارطة في وسطها، وقد يحلو لبائعي "الخردة" أن يبيعونك قميصاً مكتوباً عليه "إسبارطة"، ظناً منهم أنك منزلق من مؤخرة التاريخ، باحثاً في الأساطير الإغريقية القديمة، في الميثولوجيا أو في أجزاء من الدين في اليونان القديمة، أو في تلك الروايات المنقوشة على الفخار، عن ملاحم هوميروس وعن حصار طروادة، وعن القصيدتين اللتين ألفهما هسيود، وتفاصيل خلق العالم وتعاقب الآلهة، والأضحية، أو عن مغامرات هرقل "عنترة بن شداد" اليونان.

في أومونيا، ومن بعده في تفرعات شارع سقراط، ستجد كل الأجساد العارية، ليس محاكاة للعري في تاريخ النحت الإغريقي العظيم، فهناك في الأكروبوليس للعري طعم آخر، غير ما عليه الحال في أومونيا أو في شارع سقراط.

العري في الأكروبوليس قد تعثر عليه في المزهريات، كما في حكايا الحروب، فالمحاربين الإغريق كانوا يذهبون الى المعارك عراة، وفي الفنّ اليوناني القديم، كان المحارب الميّت يُصوّر وهو عار، كذلك حال "بروليتاريا" اليونان القديم، فإعمار القلاع يتطلب "عضلات"، ولو لم يكن الحال على هذا النحو، لما صور يسوع المسيح (أبرز بروليتاريي عصره) وهو عار، ليلحق بعراء النحت اليوناني، وهو عراء طال مئات العصور. لقد طال العري العصور الوسطى وعصر النهضة ليصوّر صدر المادونا عارياً وهي ترضع طفلها.

عراة وعاريات، ومجمل الفارق في عراء متحف الأكروبوليس عنه في الساحة والميدان، أن عري النساء في الأكروبوليس هو نصف عراء، مستلقيات طوال التاريخ، في ظلال لكل ما هو جميل، فيما الرجال عراة، متأهبون وواثقون، أما العراء في الساحة والميدان فلهما قصة أخرى، ربما تتطلب "الحبة الزرقاء"، وقد تصرف هذه الحبوب على الزبائن كما لو "شيك بلا رصيد".

عصا الزانة للقفز إلى بحبوحة الأوربيين

في أومونيا لن تسمع إيرين باباس وهي تنشد الأوديسا، أعظم ملاحم التاريخ، في أومونيا مهاجر أفريقي يتكفّل بسرقته مهربون، يعدونه بـعصا "الزانة" التي سيقفز عبرها، بهوية مزورة ووثائق سفر مزورة، نحو غربي وشمالي أوروبا، ألمانيا، فرنسا، وربما نحو الإمبراطورية التي لم تكن الشمس لتغيب عنها... نحو بريطانيا المملكة التي مازالت ملكتها تحذو الخيول.

يحدث ذلك لمهاجرين، تنكسر بهم عصا الزانة، ثم يقبض عليهم ويساقون الى السجون، وفي أومونيا تسمع الحكاية من مهاجرين عراقيين، مهاجرون ستتعرف عليهم من أصواتهم المرتفعة، ومن ضحكاتهم المرتفعة، ومن القول العراقي المأثور: "أخ الكحبة، فد واحد قشمرجي، فرختشي"، أو من جزائري يكرر، كما لو يحاكي نفسه: "يازنبور أمو".

ومن بعدها سيمنحك التفاصيل التي تتصل بالمهاجرين: "ثلاثة آلاف دولار، وسيزودك المهرب ببطاقة الطائرة والوثائق، وعليك الدفع".

وستكتمل الحكاية: في تركيا، مؤسسات لتهريب اللاجئين، بزنس جعل من صناعة البقلاوة التركية صناعة كاسدة، وحين تسأل لماذا سيقولون لك: "ما من بزنس يعلو على بزنس تهريب اللاجئين". و سيضيفون: "اليونان لا تفتح بواباتها ولذلك ندخلها من هنا".

لذلك سيواصل آلاف اللاجئين التدفق إلى معبر "بازاكوله" الحدودي مع اليونان، لينقلوا في قوارب مطاطية عدة إلى جزيرتي ليسبوس وساموس في بحر إيجه.

التكلفة لن تكون باهظة بالقياس مع ركوب البحر والتعويض عن الموت بـ "سترة النجاة"، وليس أمراً يبعث على الأسف، أن يموت ما لا يقل عن 2000 مهاجر خلال العام الفائت غرقاً في البحر... مهاجرون سوريون، عراقيون، أفغان، هذا عدا الآتين من البر التركي عبر معبر "بازاكوله" الحدودي مع اليونان، وبينهم نساء وأطفال.

ستكون تركيا، صاحبة الرقم الأعلى في عمليات "تجارة البشر والعبودية المعاصرة" وذلك خلال العقد الماضي، وهكذا فالأرقام تشير إلى مايزيد عن 200 شبكة تهريب وإتجار بالبشر تشتغل في تركيا، وستكون الأيام الأفغانية ليالي شهرزاد جديدة على اللاجئين، ستكون ألف ليلة وليلة، فمع خروج الأمريكان من أفغانستان، سيكون آلاف الأفغان قد استعدوا لاقتناء سترات النجاة، ودون ريب سيحاول الفارون من طالبان شق طريقهم إلى تركيا، ثم إلى أوروبا، ليحلوا محل السوريين، كأكبر جنسية تطلب اللجوء.

لقد أصبحت طالبان في السلطة، وبدأ الأفغان ببيع بيوتهم واستبدالها بـ "المنفى"، بديلاً عن موتهم أو تطويعهم في صفوف حرّاس الله، فيما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يشتغل كذلك بالبزنس، ومع كل يوم يرتفع صوته بمواجهة الأوربيين: "سنرمي المهاجرين في وجوهكم".

وسيكون له ذلك، ليكون اللاجئون في الخيمة، مع استبعاد أن يسأل طفل أمه: "لماذا ننام في الخيمة يا أمي؟".

وستكتمل الحكاية: في تركيا، مؤسسات لتهريب اللاجئين، بزنس جعل من صناعة البقلاوة التركية صناعة كاسدة، وحين تسأل لماذا سيقولون لك: "ما من بزنس يعلو على بزنس تهريب اللاجئين". و سيضيفون: "اليونان لا تفتح بواباتها ولذلك ندخلها من هنا"... مجاز في رصيف22

وحين تكون النجاة من البحر (وقد تكون) ستمتلئ المخيمات على الجزر اليونانية، ليسبوس وساموس وكوس وليروس وخيوس. ومن ثم لتتسع الخيمة إلى ما تتسعه المقابر، فيما سيكون انتظار الوجبة الغذائية كما لو كانت طبقاً يبيت فيه "غودو" الذي قد لا يأتي ساخناً أبداً.

سيكون الحال متطابقاً مع مخيمات اللجوء الافريقية.

يا له من رقم

اليوم ثمة 40 ألف لاجئ، منهم 14 ألف طفل، يعيشون في مخيمات الجزر اليونانية: ليسبوس وساموس وكوس وليروس وخيوس.

ومع كل يوم تفرغ الحاويات السكنية من اللاجئين ويعاد تحميلها، لاجؤون من أمهات عازبات وقصّر وبشر يقتلهم الانتظار لاستكمال رحلتهم نحو أوروبا الوسطى. وليس غريباً أن نقرأ تقريراً عن جامعة هارفارد يحكي عن وقوع لاجئين قصّر في براثن شبكات الاسترقاق الجنسي، وقد حُمّل التقرير بالكثير، ومن بين ما حمله أن أطفالاً قصراً تم نقلهم من المخيم في ساموس إلى البر اليوناني الرئيسي، إلا أنهم هربوا وفُقد أثرهم.

لقد وصف التقرير حال الأطفال الذين لا نقود في حوزتهم لمتابعة رحلة لجوئهم إلى غرب أوروبا، ما يضطرهم لبيع أجسادهم، بما يلي: "في حدائق أثينا يبيع الأطفال أجسادهم للكبار لقاء 15 يورو".

اليونانيون، البشر الطيبون، وقد اعتادوا تكسير الأطباق في حفلاتهم الراقصة، بشر مضيافون، بل حميميون، حتى أن ثمة تقارير تقول بأن الموظفة الشابة مارينا في مقهى "اليوناس" البائسة، ترحب بضيوف مقهاها باللاجئين الذين يتسمرون وهم يتابعون مباريات ريال مدريد وبرشلونة، ومن هذه النقطة بالذات، لاندرك أي من الأيدي التي تمسك بتلابيب هؤلاء الأطفال القاصرين، وحين يكون البحث عن هذه الـ "من"، ستكون أما رهاناً دونكيشوتياً على المستحيل، حتى لو استعنت باللاجئين الذين يفترشون أومونيا... هؤلاء الذين اعتادوا كسر المستحيل.

البنت السودانية... أربعة آلاف متر من القماش

في أومونيا، كل اللغات الحية لأمم توشك على الانقراض، وكل اللهجات من اللغة الواحدة، والعربية واحدة من أوسع اللغات في تلك الساحة، ساحة البرلمان للفارين من بلدان لم تتعرف البرلمان: لهجات شامية، يعني عراقية، سورية، لبنانية، ولابأس من أردنية وفلسطينية ليكتمل الهلال الخصيب.

وبكل اللغات الإفريقية أيضاً، ومن بينها السودانية إن شئت، ولأخذ العلم فللسودان وحده ستمئة لغة، من بينها اللغات النيلية، اللغة الدومرية، اللغة الديناكاوية، اللغة الفورامية، اللغة المرلية، ولا تنسى اللغة النوبية القديمة، وهي لغة تلك البنت السجادة، وهي ترتدي ثوباً يتكون من أربعة آلاف متر من القماش، لتغطي جسداً لا يحتمل العودة إلى أربعة آلاف من الأعوام، وقد كان زيّاً للملكة "الكنداكة" في يوم من الأيام، وهاهو اليوم يعرض في ساحة أومونيا دون حتى أن يلفت الانتباه.

في أومونيا ستسمع الكثير من "نتنايك"، فعلى الرصيف رجال هرمون، يصطادون شباناً صغاراً مازال خيرهم في ظهورهم، حسب الوصف الأشد متانة للفحولة، يتفرع عنها العنوان الأكثر انحطاطاً للإتجار الجنسي، وهذا واحد من شباب صغار يبيع "قوة عمله" لهرم إنكليزي يبحث عن مضاجعة تعوّضه عما فاته من أيام، فيما بات إقبال الشباب الصغار على شراء الفياغرا، الحبة الزرقاء، يفوق إقبالهم على شراء ساندويشة جبنة ساخنة. شباب تتراوح أعمارهم مابين 16 إلى 18 سنة، يدعمون "ظهورهم" بالفياغرا باعتبارها وسيلة إنتاج، فيتعاطونها مرات متعددة في الأسبوع، وفق ما تقتضيه طلبات السوق.

هنا متحف آخر للعراء، العراء فيه لا يعني أبداً محاكاة الجسد للنجوم أو القمر أو الشمس أو الأمواج، أو ليبتعد أكثر فيطال مفاهيم كالعدالة والانتقام، هنا متحف السوق لعالم الاسترقاق الجنسي، وليس ثمة ما يقول بأن الجناة ينالون العقاب.

عالم الاسترقاق الجنسي لن تطاله يد تلك المنظمات الفاجرة، كما حال صندوق الأمم المتحدة لمكافحة الرق، في ادعاءاته التي تركز على إنقاذ ومساعدة ضحايا الاتجار لأغراض الاستغلال الجنسي وتوفير الدعم المتخصص لضحاياه في إعادة بناء الحياة.

في زقاق خالكوكونيكي

فاسو، هي من تقول لي ذلك، والسيدة إياها تدير مقهى في زقاق خالكوكونيكي المتفرع من شارع سقراط، وكل شيء هنا رخيص، البيرة والشاي، وكذلك النساء، والكثير الكثير من المتحولين، اللواتي والذين يقدمن أو يقدمون خدمات سريعة لزبائن لايكترثون من تسوس الأسنان، وفي خالكوكونيكي الكوكائين، كل الكوكائين، وبلاشك الكوكائين "المضروب"، ليس كوكائين بابلو إسكوبار، إنه "كوكائين الهامشيين"، كما حال طبقات الماكياج التي تغطي وجوه النساء، ليست من مشتقات شانيل أو إستي لودر أو ديور، ففي خالكوكونيكي كل شيء رخيص، وممتهنات الاسترقاق الجنسي تتفاوت أعمارهن مابين قاصرات قادمات من مدن مختلفة، وعواصم مختلفة، وقارات مختلفة، وبين عجائز بالوسع طيّهن في الأكفان، وكلهن عجائز وقاصرات، يحط طيرهن في الاسترقاق الرخيص في بلاد لم تكن رخيصة، وقد كتب على باص نقل سياحها "خمسة آلاف عام".

خمسة آلاف عام، هي الأقدم من بين الحضارات الأوروبية، وقد انطلقت من كريت منذ الألف الثالث قبل الميلاد لتمتد في البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه، وتتوسع لكي تشمل شواطئ جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، وشرقاً وصولاً إلى مصر الداخلية وجنوب سورية في فلسطين والأردن.

ومن بوسعه نسيان الإسكندر المقدوني وقد صهلت خيوله في الرافدين ومدينة السومريين والبابليين، لتكون بابل أرقى مدن ذلك الزمان؟

انسوا سقراط

لكي يُنسى الاسكندر المقدوني، ومعه سقراط، فالمسألة لا تستدعي أكثر من اجتياز خالكوكونيكي، والوصول إلى خزائن المعلومات، وكل ما علينا هو أن نتخيل هذه الأرقام والتي ستقودنا آلياً إلى وقائع ما شهده المتوسط على الجهة الأخرى منه وأعني لبنان.

خلال فترة حكومة رئيس الوزراء كوستاس كرامنليس وحدها، والتي امتدت إلى خمس سنوات بين 2004 – 2009، ارتفع الدين العام 70 مليار يورو إضافية، بمجموعها أنفقت على الاختلاس، ومن ثم ها هو المنقذ الأوروبي وقد وصل اليونان، والنتيجة:

-إعفاء 150,000 شخص من موظفي القطاع العام من مناصبهم.

- خفض المرتبات عموما والمرتب الأساسي ومعاشات التقاعد.

- رفع سن التقاعد.

- رفع ضريبة الدخل والضريبة على السلع.

وكانت الوصفة الأوربية لليونانيين تقضي فيما تقضيه إزالة الطريق من وجه الحفرة اليونانية بديلاً عن (طمر) حفرة الفساد. والنتيجة؟

في هذا الشارع بقايا بشر محطمين، أسنان متسوسة ينخرها قطران التبغ والمخدرات، ولكنهم بشر اختاروا ما اختاره سقراط... تجرّع السم. في هذه النقطة يتشابهون مع سقراط، مع أنهم لايبحثون عن المدينة وليس لهم تلامذة بحجم أفلاطون... مجاز في رصيف22

لتكون الوحدة الأوروبية بالنسبة لليونانيين مزيداً من "تسوّس" أسنان بنات خالكوكونيكي، فإذا ما خرج اليونانيون من منطقة اليورو وتنصلوا من كل الديون، فلهذا معنى واحد هو الفوضى المالية والأمنية والتي ستمتد لفترة طويلة، بما سيرفع نسبة البطالة والجريمة، وهكذا ستحضر لبنان إلى اليونان، ومن عليه أن ينسى الحريرية السياسية، حتى لو جاءك اللبنانيون بباص للسياح مكتوب على قفاه: الفينيقيون، الآشوريون، البابليون والفرس وحكم الإغريق، ليذيل التاريخ بـ "نزوح بني عاملة إلى لبنان".

السلسال والنشالة

مع كل ذلك الفساد، لن يذيل تاريخ لبنان بـ "نزوح بني عاملة إلى لبنان"، تماماً كما لن يذيل تاريخ اليونان بـهيرودس، أو أنطوني كوين وإيرين باباس، ومن ثم لن يزينه الميناء، فالسباحة لم تعد آمنة، مع أن المياه واضحة ، مثل الرمال على الشواطئ، مثل المقاهي وغرف خلع الملابس على الشواطئ، ، وكما حال تلال السفن التي تنقل الركاب بعيداً في المتوسط، دون أن يفوت السياح فرصة الاعجاب بزرقة المياه والمتحف البحري في ميناء Zea ليتتبعوا تاريخ بناء السفن، على مر القرون الفائتة. قرون كادت أن تقول: الإنسان أقدم مهنة في التاريخ.

وها أنذا أتصفح رسائلي على الواتس أب. لقد كتبت لصديق عزيز: هذا يومي الرابع في أثينا... أنا رجل لا يصلح للسياحة، هو أمر مؤكد، والنكتة أنني لا أصلح للمواطنة ولا الشراكة، كل ما أصلح له هو تداعيات اللحظة، وهأنذا في اللحظة اليونانية، يونان التاريخ ويونان الدعارة، يونان الميناء ويونان الأكروبوليس، يونان النشالين ويونان الشارع الذي أسكنه واسمه "سقراط".

لا سقراط في هذا الشارع، في هذا الشارع بقايا بشر محطمين، أسنان متسوسة ينخرها قطران التبغ والمخدرات، ولكنهم بشر اختاروا ما اختاره سقراط... تجرّع السم. في هذه النقطة يتشابهون مع سقراط، مع أنهم لايبحثون عن المدينة وليس لهم تلامذة بحجم أفلاطون.

يغريني سقراط، ويغريني هؤلاء، ويغريني الأكروبوليس، وأتجول كما متشرد في متفرعات شارع سقراط، ثم أتحول إلى رجل نبيل في ليل آخر، مع طبقة يمكن اعتبارها مخملية، وهي حفنة من لصوص الحياة. لصوص أنيقون، بمرتبة رجال أعمال.

اليوم حدث معي أمر بالغ الفظاعة، لقد عانقتني امرأة من غجر رومانيا، وقالت لي أنها تشتهيني... تشتهي مضاجعتي، وفيما يشبه الاغتصاب، عانقتني في الشارع وعلى مرأى المارة بجنس صريح.

بعد لحظات جاءها رجل ناهراً وجرها من شعرها بعنف. منعتني من الاشتباك مع الرجل وقالت: "دعني، أعرف كي أدافع عن نفسي".

امرأة يخيل اليك انها قادمة من مطاحن البن. أقدامها قذرة، ولكن عنقها جميل وجميل وجميل. لا أعرف كيف استيقظت بي نشوة الاعتقاد بأنني الرجل الوحيد من بين سبعة مليارات بشري نصفهم من الرجال.

ما أن غادرت مطحنة البن تلك، حتى تحسست عنقي. لقد سرقت قلادة رقبتي الذهبية... قلادة من مبتكرات كارتييه. فرحت لها من كل قلبي.

لا تتصور كم كنت سعيداً بفوزها عليّ. لقد منحتني لحظات تساوي كارتييه شخصياً ومنتجات كارتييه وكل منتجات ذهب التاريخ.

لاتتصور شغفي بهذه المرأة النمرة.

اليوم سأبدأ بالكتابة

كتابة اليونان

كتابة أثينا.

لقد حرصت على أن يكون عنوان ما سأكتبه:"الإنسان، أقدم مهنة في التاريخ".

ما الذي سأكتبه ؟ لا أدري. ليس مهماً أن أدري. قد اتلف ما سأكتبه، فأنا رجل الممحاة.

والآن، هأنذا أستحضر حدثاً قد يكون قديماً، فغداة صدور روايته "عناقيد الغضب"، تلقى جون شتاينبك رسالة من صديق جاء فيها: "ذات يوم، قد نجد الله حافياً في أميركا".

ماذا لو استحضرنا "عناقيد الغضب" إلى اليونان، هل سنعثر على الله في أثينا حافي القدمين؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard