عباس بيضون في "مجاز"... اللاأحد ينبح في الخارج

السبت 26 يونيو 202101:24 م

مجاز  الأبدية، طريق طويل إلى إيثاكا


في 18 أيار/مايو، بلغت السادسة والسبعين.

كنت حين وصلت إلى هذا اليوم قد استنفذت قلقي منه، كأنما نسيته، أو هكذا تظاهرت، مستغفلاً نفسي.

لم أكن لأحتفل به، ليس هذا من عادتي، لولا أن هناك دائماً عن يميني شخصاً واحداً، واحداً ليس على الأقل، بل هو واحد بالضبط. شخص ليس بالمذكر، لوكان الأمر كذلك لأمكن طيّ المسألة أو الغضّ عنها، ولما أحرجني ذلك. لكنّا تقاسمنا الغفلة وتواطأنا على التناسي.

لكن حين يكون الشخص امرأة يتبدّل الأمر. ليس من الشهامة أن نتقاسم شيئاً كهذا مع صديقة. هنا الصداقة في الامتحان. للصداقة أعياد وأيام وهذا، بدون ريب، واحد منها. إنه يوم للصداقة وهذا مَثَلٌ عينيّ، بل وماديّ لها، وتجاهلها إجحاف بالصداقة ومجازفة بها. طيّها يعني فوراً إنكاراً، لا للذات فحسب، بل للآخر بنفس الدرجة، إن لم يكن أكثر منها.

أذكر أنني صحوت على المناسبة، عيد ميلادي، في أوائل فتوّتي. لم يكن هناك من قبل علم بذلك، ولم أكن متأكداً حتى من التاريخ الذي أعلمتني والدتي أنه كان يوم طار خبر انتحار هتلر.

هناك الآخر الذي هو الآن شخصنا الثاني، باسمه الذي ينفينا، والذي هو شخصنا "منفياً". الذي هو نحن وقد صرنا نحن في "الخارج". نحن ملقاة علبنا. نحن بدون نحن. مجرّد خارج... الشاعر عباس بيضون في مجاز الأبدية-رصيف22

كان هذا، بطبيعة الحال، يجعل منه تاريخياً. لكني لم أعلم في حينه، ولا بعده، إذا كان في ذلك وجه قرابة أو صلة من أي نوع بالمنتحر. لم يكن هتلر ذلك الحين مكروهاً في أوساطنا. كونه طاغية لا يصمه، كان ذلك مظهر قوة نستحبّها في زعمائنا، فضلاً عن أنه في عدائه لليهود، حليف لنا، بل حليفنا الوحيد في العالم.

المهم أنني لا أذكر لماذا استحببت في يومها أن أحتفل باليوم الذي صادف، ولو بدون يقين، ولادتي. لا أذكر، وقد يكون ذلك من بدايات تغربي، وإن كانت مبكرة جداً.


اصطحبت ثلاثة من زملاء الصفّ، ولم تكن أمي على علم بالموضوع، ولا أذكر إذا كنت قد أعلمت زملائي، وإلا ففيم اصطحبوني إلى البيت؟

فوجئت أمي، فلأمرٍ ما لم تكن قد أعدّت الغداء. مجيئي كان ظهراً، وبطبيعة الحال، لم أكن على علم بحواضر أعياد الميلاد.

لم يكن هناك قالب كاتو ولا شموع. مع ذلك، سارعت الوالدة لتحضير غداء صنعته على عجل مما كان موجوداً في البيت، وصادف أنه الباذنجان. أعدّت الوالدة منه أصنافاً كثيرة، فكان هذا العيد هو يوم الباذنجان. قد يتراءى للبعض وهم يرونني أستذكر ذلك، أن يوماً كهذا لا يزال يُدخل عليّ الفرح، وأنه يبقى عندي ذكرى طيبة، وأنه يبقى على الدوام يوم انتحار هتلر ويوم الباذنجان.

ليس ذلك هو الحقيقة، فأنا أظل قلقاً منه شهوراً تسبقه، وأظلّ أتداوى من هذا القلق وأقلّبه في نفسي وأبسطه وأطويه أسابيع طويلة، حتى يمكنني أن أتجرّعه وأتشرّبه وأستذوقه، فيأتي اليوم وقد لا بسني وتغلغل فيّ ومازجني، بحيث صار في دمي وفي عظامي، في يومياتي وفي عاداتي. بحيث أوهمت نفسي أنني تجاوزته وقفزت عليه، وأنه هكذا صار خلفي، بحيث يأتي وفي ظنّي أنه مرّ وانقضى.

شيء من خداع الذات ومن اجتراح الوهم والتخييل على الذات، وليس في الأمر سوى القناعة الصرفة.

منذ دخلت في السبعين وأنا أشعر أن الأمر لم يعد كذلك، وأن هذا التلاعب بات أقلّ إمكاناً. التواري عن الذات وعن الوقت صار الآن غير موفور بالصيغة نفسها. هناك المجابهة مع هذا الآخر الذي ينتصب اليوم أمامنا بخوفه الذي لا نقدر بعد على تنويمه واستغفاله. هناك الآخر الذي هو الآن شخصنا الثاني، باسمه الذي ينفينا، والذي هو شخصنا "منفياً". الذي هو نحن وقد صرنا نحن في "الخارج". نحن ملقاة علبنا. نحن بدون نحن. مجرد خارج، مجرد عدد لا غير.

 لسنا في النهاية سوى هذا الكلام. لقد كنا دوماً في الخارج. كنا دوماً هذا الحوار بين خارجين. كنا دائماً هذا الكلام الذي للاأحد... الشاعر عباس بيضون في مجاز الأبدية-رصيف22

هذه هي السادسة والسبعون، أكره هذا الرقم لأنني فقط هذا الرقم، ولأنني فقط خارجه، خارج كل شيء، وبالضبط خارج نفسي.

لست هكذا، ولن أكون سوى عراء بحت.

لن تنقذني الكلمات.

لكن المثير للعجب أنني بالرغم من كل شيء

بالرغم من هذا الوقوف على الحافة، بالرغم من هذا الاستقبال للخارج

بالرغم من برّانية الوجود وبرّانية الكلمات، الكلمات تأتي من الخارج، من أي مكان، الكلمات تأتي.

ثمة خارج يتكلّم. ثمة كلام سبق وجودنا. ثمة موت يلدنا من جديد.

لسنا في النهاية سوى هذا الكلام.

لقد كنا دوماً في الخارج. كنا دوماً هذا الحوار بين خارجين. كنا دائماً هذا الكلام الذي للاأحد.


اللاأحد ينبح في الخارج.

اللاأحد يتكلم كذات مرمية، كذات مصطنعة، كارتجال لذات، كذات في طريقها لأن تتقنّع، في طريقها لأن تصير لاشيء وكلّ شيء.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard