نشكر الله على موت أقلّ... ثلاث قصائد

السبت 31 يوليو 202112:26 م

مجاز الأبدية، طريق طويل إلى إيثاكا


الحلزون

 لا أريد تسلّق إيفرست وغرس علم بلادي في الثلج

أو رمي نفسي من الطائرة بين ذراعَي رجل غريب

يطمئنني أنّ الفراغ لن يبتلعنا

أو نشر صور "قبل" و"بعد" كي أثبت أنّ التحوّل ممكنٌ

وأنّني قد شددت مؤخرتي وجِعت بما فيه الكفاية

(الجوع، يا صديقي، لا يكتفي بشيء).

ولو التقيت فعلاً بذاك الممثل لاستغربت

أنّ الشهرة لا تحنّط الوقت

وأنّه قد تجاوز الأربعين مثلي ولم يصبح نبيّاً.


لا قائمة للرغبة والرعب في أحلامي: ها أنا

أصبِح فيلاً يحاول ارتداء بنطال ضيّق،

أبحر في قارب أبيض على بحر أبيض داخل سماءٍ بيضاء

وأصرخ لأحبائي الباكين على الضفة الغارقة في البياض

أنني أتجه نحو وجه الرب. أشتري بيتاً يصغر

حين أدخله، ويمتلئ بضجيج السيارات والشاحنات.

أركض في المدينة هرباً

من قنبلةٍ ستنفجر بعد شهرين.

أقف على الشرفة وأنظر إلى الحيتان تشقّ

روعة الزرقة تحتي

أقتُل بالكتب لجان الرقابة،

أوقن أنّ الضوء في السماء طائرةٌ لا نجمة،

أُصبح المجنونة الممتلئة بالشوك وشجاعة اللون الزهري

رغم قسوة الشمس.


لا تحفّزني، فمن يخطّط لا وقت عنده للإصغاء

وأنا أريد أن أصغي.


المصنع الذي يغرس مفاتيحاً في ظهورنا

لا يفهم لغة التراب.

دع عني فكرة قائمة الأحلام:

أريد فقط أن أرسم الحلزون الصغير.


قمح

(إلى لينا)

اكتبي عن القمح، أوصتني صديقتي.


أفتّش عن استعارة أصف بها الأهراءات المدمَّرة:

سدٌّ ناجحٌ، حائط محروق، غرندايزر مهزوم، أسنان مهترئة،

قفصٌ صدريٌّ لحوتٍ أسطوريّ

زحف من الماء نحو المدينة.


لم أعرف من القمح إلاّ سنابل دائمة التمايل

في نصوصٍ مدرسيةٍ مضجرة.

لم أركض مفتونةً في حقلٍ مشمسٍ.

لم أفكّر يوماً بالحبّات التي طُحنت

كي أتناول لقمة الزعتر (ربما كان ذلك شكلاً

من أشكال الاطمئنان).

لم تستطع أمي أن تقنعني

بطبخة القمحية، مهما وصفت لي صعوبتها:

كيف أحبّ طعم الوقت والصبر؟

المصنع الذي يغرس مفاتيحاً في ظهورنا لا يفهم لغة التراب. دع عني فكرة قائمة الأحلام: أريد فقط أن أرسم الحلزون الصغير... مجاز الأبدية في رصيف22

لم أنتبه يوماً للأهراءات قرب الماء

وفي الحقيقة، لم أكن أستعمل كلمة "أهراءات".

كانت تشغلني أذرع الحديد الزرقاء والحمراء في المرفأ

إذا ما استطعت إلى تأمّل البحر سبيلاً.


بنت الباطون أنا. بنت قطعةٍ أخرى

من الأزرق ذاته في شمال البلاد.

كانت بيروت توسوس لي من بعيد، فأهرب إليها

وأرتطم بالشبابيك كعصفورٍ مرتبك.


شباك صديقتي تكسّر

وكذلك المَنوَر في أعلى الدرج.

تقلق، كلما صعدَت ونزلَت الطوابق،

من أن تهبط على رأسها

قطعة الزجاج المتبقية والمعلقة

كالمعجزة. تخيفنا المعجزات لأننا ندرك أنها

أوجّ اليأس. حماك القمح يا صديقتي،

ولم يحمك. خفَّفَت مياه المتوسط من وطأة الفاجعة

ولم تخفف. امتصّ الموج قليلاً من الموت،

فهل نشكر الله على موتٍ أقلّ؟

هل نشكره على بُعد أحبابنا عن القمح والزرقة ذلك اليوم؟

تستغربين كيف نجوتِ. ترسلين لي صورة المَنوَر المطلّ على الكارثة:

أسطحٌ وخزّانات مياه وصحون ساتلايت وأشرطة كهرباء،

وهناك، وراء الكنيسة، الأهراءات الصامتة

ثم الأذرع الحديدية، فالبحر فالجبال المثقوبة بالبيوت.


أتساءل الآن، على بعد ما يبدو دهراً

إن طارت أطنانٌ من الحبوب عبر المدينة

وامتزجت بالدم والزجاج، إن انفصل الملح

عن قلب البحر. لم أكن هناك: أنقذتني جائحةٌ

منعتني من العودة ذلك الصيف

ولم تنقذني. وقبل هذا أقصَتني الغربتان

ولم تقصياني. بعد شهرٍ، سأمشي معكِ

في شوارع تتجدّد فيها الهزيمة، سنضحك ونشرب كأساً

دون أن نستغرب مرارة القمح فيه.


إلى صديقٍ عائد إلى حلب

فتحنا قنينة الخمر

بعدما فسّرنا لابنتي الصغرى أنّه عنب.


تذكّرتَ الصعود إلى جبل قاسيون

وصفت الهبوط إلى جورة الهمّ

وتركنا مرض أمّكَ (التي تصرّ ألاّ تعود إليها)

تركناه وشأنه.

تستغربين كيف نجوتِ. ترسلين لي صورة المَنوَر المطلّ على الكارثة: أسطحٌ وخزّانات مياه وصحون ساتلايت وأشرطة كهرباء، وهناك، وراء الكنيسة، الأهراءات الصامتة... مجاز الأبدية في رصيف22

قطّعنا الجبنة وغسلنا العناقيد

وردّدَت هند حكاية جنازة والدها:

كيف أنّ رجال المخابرات في دمشق

أرادوا أن ينتزعوا منها الكاميرا

لأنها كانت تصوّر الشارع خارج الكنيسة،

فبكت للرجل ذي العين المريضة

وادّعت أنها تصوّر المسيح وأمّه

كم من مرّةٍ آمنّا بالله كي نخلّص أنفسنا من موتٍ صغير؟

كم من مرّةٍ دخلنا الكنيسة كي نهرب من خوف أمّهاتنا؟

كم من مرّةٍ مارسنا الجنس دون حب؟


لم نتكلّم عن أمّك

التي تخشى أن تعود إليها،

فقد تقرّر السفارة الأجنبية أنّك لم تعد صالحاً

للّجوء: كيف لطالب اللّجوء أن يزور أمّه

في البلد الذي غادره منذ أن قامت الحرب؟

عليكَ أن تُثبت منفاك وحزنَك

لموظّفي العالم الأول

كما فعل الذين نجوا من الاعتقالات والصواريخ

ليقتلهم المرض في برد باريس أو برلين.


لا أحد ينجو من وطنه.


بعدما رقصنا تحت شجرة الفتنة في مدينة الإسفلت،

ووضعتَ وراء أذني زهرةً بيضاء، اسودّت في آخر السهرة

وفرغت قناني النبيذ والويسكي

وقلنا إنّنا لن نودّعك، كلا لن نودّعك

ووقفنا قرب الباب المفتوح على نصفه

انتشلتُ بتلةً يابسةً من شعرك

كنت قد ظننتُ أنّها جناحُ حشرة.


استيقظتُ اليوم داخل حزنٍ أليف

في عتمة غرفتي، رحّبت به:

أهلاً بك يا صديقاً لم يتركني يوماً

إنما ارتاح قليلاً في الحُصَين،

أهلاً بك يا صديق، إنّنا لسنا بيائسين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard