البداية من لبنان... الغاز يفتح أبواب التمدد الاقتصادي والسياسي لمصر في ثلاث قارات

الأربعاء 25 أغسطس 202105:47 م

"هم بيقولوا... بقى أنتم عاوزين تبقوا أوبك الغاز في المنطقة؟... مش كدا؟ انتبهوا! يعني مصر عاوزة تبقى منظمة الغاز في المنطقة؟ لا بقى إحنا مش هنسيبكوا". أتت هذه البشارة والتحذير في مداخلة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على هامش افتتاح مجمع لصناعات البترول في منطقة مسطرد شرق القاهرة في أيلول/ سبتمبر 2020. 

بعد عامين من هذا التصريح، وإصرار على استيراد الغاز من إسرائيل للاستخدام المحلي برغم وجود فائض محلي، أوشكت مصر أن تصبح مركزًا لتصدير الغاز الطبيعي والكهرباء إلى قارات العالم القديم الثلاث (آسيا وأوروبا وأفريقيا)، وهو ما يجعل حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي مؤثرة ومنافسة إقليمية لعدة قوى في منطقة الشرق الأوسط، وشريكة إستراتيجية للدول الغربية، بعدما بات تصدير الغاز المصري مفتاحاً لتفاهمات عسكرية وسياسية واقتصادية في منطقة شرق المتوسط على وجه التحديد.


في تقرير نشره الأكاديمي والباحث النمساوي المختص في شؤون الشرق الأوسط ميشيل تانخوم، في المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية (ISPI)، يقول الباحث إن مصر تمكنت من تطوير صادراتها من الطاقة، بما يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية من أوروبا إلى القرن الأفريقي.

وعلى الرغم من ذلك، تصاعد الدين الخارجي لمصر من نحو 46 مليار دولار عندما تولى السيسي الحكم عام 2014 إلى 130 مليارًا، ربما تحول عوائد الغاز من موقف القاهرة الاقتصادي والسياسي، خاصة مع ارتفاع أصوات محلية معروفة بتأييدها المطلق للرئيس المصري، بالتحذير من الاستمرار في التوسع في الاقتراض الخارجي وإصدار أدوات الدين والاعتماد على الأموال الساخنة والضرائب بشكل شبه حصري في تمويل اقتصاد البلاد، منذرين أن يكون تراكم الديون الخارجية وفوائدها باباً للتدخل الأجنبي في شؤون مصر السياسية.

يبشر تحول مصر إلى محور تصدير للغاز الطبيعي، بدعم دخلها من العملة الصعبة، والذي بات يعتمد بشكل شبه حصري على الاقتراض من الخارج وإصدار أدوات الدين الخارجي

حكاية لبنانية

شهدت الأيام القليلة الماضية تحركات واسعة واتفاقات جديدة في المنطقة تتصل جميعها بتصدير الغاز المصري إلى لبنان.

فبعد سنوات من الاكتفاء بطلعات جوية لدك المدنيين والمسلحين في درعا، تحرك النظام السوري بمساعدة روسية فجأة كي يستعيد السيطرة على المدينة التي شهدت ميلاد الثورة ضده عام 2011.

ثمة وراء التحرك المفاجئ تنسيق دولي لوجود درعا قرب خط الغاز العربي الذي أنشئ لنقل الغاز المصري إلى إوروبا عبر دول عربية هي الأردن وسوريا والعراق، من خلال ترتيبات تجري لحل أزمة الطاقة الطاحنة التي تمر بها لبنان عبر تصدير الغاز المصري عبر الأردن وسوريا بعد إعادة تهيئة اثنتين من كبريات محطات توليد الكهرباء بها لتعملا بالغاز، وذلك بتمويل من البنك الدولي.

حل أزمة لبنان لم يستدع فقط تحرك النظام السوري لإنهاء الوضع المجمد في درعا، وإنما كان معناه اضطرار الولايات المتحدة إلى تجاهل عقوباتها المفروضة على النظام السوري وكل من يتعاون معه، إذ سيتقاضى نظام الأسد أموالاً مقابل مرور الغاز المصري في أرضه وصولاً إلى لبنان، من دون أن يعاقب البنك ولا مصر ولا لبنان باعتبارهما متعاونتين اقتصاديًا مع نظام الأسد.

شهدت الأيام القليلة الماضية تحركات واسعة واتفاقات جديدة في المنطقة تتصل جميعها بتصدير الغاز المصري إلى لبنان.

ونظام الأسد لن يستفيد فقط من الغاز المصري المصدر عبر أراضي سوريا إلى لبنان، بل يستفيد كذلك من الغاز المصدر إلى العراق عبر أراضي الدولة التي مزقتها الحرب الأهلية. 

في 29 نيسان/ أبريل الماضي، أجرى وزير النفط العراقي إحسان عبد الجبار إسماعيل سلسلة محادثات مع نظيره السوري بسام طعمة، واتفقا على إتاحة الفرصة للسماح بتدفق الغاز المصري إلى العراق عبر سوريا. ومن المرجح أن تمر صادرات الغاز من مصر إلى العراق عبر خط "الغاز العربي" الذي تم الانتهاء من القسم السوري منه عام 2008.

أتت تلك التحركات نتيجة تنسيق أردني قاده الملك عبدالله الثاني الذي تحول إلى أهم صوت عربي رسمي ينادي بإعادة دمج بشار الاسد في النظام الدولي من جديد.

اتفاقية مثيرة للجدل

عام 2019، حققت مصر بفضل احتياطياتها الكبيرة من الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل ظهر، الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي وصار بإمكانها أن تصبح مُصدرًا صافيًا للطاقة.

وقتذاك، أعلن رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، أن بلاده تمكنت من تحقيق الاكتفاء الذاتي من احتياجاتها للغاز الطبيعي، لافتاً إلى أن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي من المنتجات البترولية عام 2023، بعدما عانت خلال عام 2013 وصولاً لشتاء عام 2015 من انقطاعات متكررة للطاقة.

 كان الحدث الذي غيّر قواعد اللعبة هو اكتشاف حقل ظهر في آب/أغسطس 2015 بالتعاون مع شركة إيني الإيطالية. وهو واحد من أكبر اكتشافات الغاز في شرق الأبيض المتوسط باحتياطي يصل 850 مليار متر مكعب من الغاز.

وبعد خمس سنوات من هذا الاكتشاف، يمثل الإنتاج اليومي في حقل ظهر 40 % من إجمالي إنتاج مصر من الغاز يوميًا.

وبمعزل عن قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي ومباشرتها عمليات التصدير، أقدمت مصر على تفعيل اتفاقية استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، على الرغم من الاحتجاجات الشعبية المكتومة ضد الاتفاقية. 

بمعزل عن قدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي ومباشرتها عمليات التصدير، أقدمت مصر على تفعيل اتفاقية استيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل، على الرغم من الاحتجاجات الشعبية المكتومة ضد الاتفاقية

الاحتجاجات الواسعة، برغم أنها لم تسفر عن أي تحرك حقيقي في الدولة المحكومة أمنياً بكفاءة، دفعت الرئيس المصري الحريص على تلقي دراسات دورية سرية عن اتجاهات الرأي العام، إلى الخروج بتصريحات يبرر فيها إصراره على المضي في الاتفاقية، قائلًا إنها "جون" وإنها كفيلة بتحويل مصر إلى مركز إقليمي للطاقة، من دون تفسير أو شرح. 

وباشرت إسرائيل في 15 كانون الثاني/يناير 2020 ضخ الغاز الطبيعي إلى مصر يموجب اتفاق مدته 15 عاماً مقابل 15 مليار دولار. إلا أن تقارير صحافية لاحقة كشفت أن استيراد الغاز الإسرائيلي يأتي بهدف إسالته وإعادة تصديره إلى أوروبا وليس للاستخدام المحلي. 

منتدى الغاز


حقل ظهر للغاز الطبيعي - المصدر: بيان رسمي لوزارة البترول والطاقة في مصر 


بدأت شركة إيني الترويج لخطة لتجميع الغاز المصري والقبرصي والإسرائيلي في مصر، واستخدام مصانع التسييل المصرية التي كانت متوقفة عن العمل لتسويق الغاز المسال بتكلفة تنافسية إلى أوروبا.

وعام 2019، وقعت قبرص وإسرائيل عقود توريد مع مصر. وفي كانون الثاني/يناير 2020، تم تشكيل منتدى غاز شرق المتوسط ، وهو منصة تعاون متعددة الجنسيات لتطوير الغاز الطبيعي في المنطقة. 

وضم المنتدى إيطاليا وفرنسا ومصر واليونان وقبرص وإسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن. لذلك يعتبر الباحث النمساوي أن المنتدى الذي يتخذ من القاهرة مقراً له، هو رمز للدور المركزي لمصر في تنظيم وتشكيل التصدير الإقليمي لغاز شرق البحر المتوسط.

الربط الكهربائي والغاز

عام 2019 كذلك، وقعت مصر اتفاقية لإنشاء ربط كهربائي بقدرة 2 غيغاوات مع قبرص واليونان. من المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى من تطوير خط الربط الكهربائي الأوروبي الأفريقي، الذي يربط مصر بقبرص وجزيرة كريت اليونانية بحلول كانون الأول/ ديسمبر 2023، بسعة 1 غيغاوات. وبالمقارنة، فإن خط الربط الكهربائي بين تونس وإيطاليا المقرر استكماله عام 2025 سيكون بقدرة 0.6 غيغاوات فقط.

وستشرع مصر والسعودية في بناء ربط كهربائي بقدرة 3 غيغاوات. ومن المتوقع أن يبدأ تشغيل أول 1.5 غيغاوات من المشروع الذي تبلغ قيمته 1.6 مليار دولار عام 2023. 

تمتلك مصر روابط مع ليبيا والأردن، اللذين تبلغ طاقتهما الإجمالية حوالى 800 ميغاوات. وليبيا لديها عجز 2500 ميغاوات خلال ذروة الطلب، وعليه يمكن أن تساعد زيادة صادرات الكهرباء المصرية إلى ليبيا في سد الفجوة وتعزيز التعاون الاقتصادي بين القاهرة وجارتها الغربية.

 في كانون الأول/ديسمبر 2019 أعلن الرئيس السيسي أن مصر مستعدة لتصدير 20 % من فائض الكهرباء إلى الدول الأفريقية. 

وتم تشغيل شبكة الربط بين مصر والسودان في نيسان/أبريل 2020، وستصل إلى 300 ميغاوات عند اكتمالها. ومن خلال ليبيا والسودان، يمكن لمصر نظرياً تصدير الكهرباء إلى الدول المجاورة مثل تشاد التي بلغ معدل حصولها على الكهرباء عام 2018 حوالى 12 % فقط.

ومن المحتمل أن يكون تدفق الغاز المصري خبرًا سيئًا للمصدرين التقليديين، وخاصة روسيا، وإيجابيًا للولايات المتحدة التي تريد تحرير دول الاتحاد الأوروبي من الاعتماد على الغاز الروسي.


قلق إقليمي

في رأي الباحث النمساوي، فإن صعود مصر كمصدر للطاقة في أوروبا وأفريقيا يتعارض مع منافسيها الجيوسياسيين الرئيسيين تركيا وإثيوبيا وروسيا. وأضاف: "بالنسبة لتركيا، لا يترك مخطط تسويق الغاز الطبيعي المسال في مصر أي دور للبنية التحتية لخطوط الأنابيب التركية لنقل غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا. وتمثل تلك الصفقات نكسة كبيرة لخطط أنقرة التي سبق تطويرها لتصبح مركزًا إقليمياً للطاقة". 

وفي رأيه، فإن تهميش تركيا سيؤدي إلى تفاقم المنافسة بين مصر وشركائها في مجلس التعاون الخليجي، ضد تركيا وقطر، علمًا أن الأخيرة ظلت لسنوات تحتل موقع اكبر مصدِّر للغاز الطبيعي، ما منحها نفوذًا سياسيًا واقتصاديًا لا يستهان بهما في الشرق الأوسط وأفريقيا. 

ولفت إلى أن إثيوبيا التي شرعت في بناء سد النهضة الكبير، تعتمد خططها الاقتصادية المستقبلية على تصدير الكهرباء المتولدة عن سدودها إلى الدول الإفريقية المجاورة، وقد تنتقص الخطط المصرية من حصة الأسواق التي كانت تخطط لها إثيوبيا.

ومن المحتمل أن يكون تدفق الغاز المصري خبرًا سيئًا للمصدرين التقليديين، وخاصة روسيا، وإيجابيًا للولايات المتحدة التي تريد تحرير دول الاتحاد الأوروبي من الاعتماد على الغاز الروسي.

 وفقًا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية عن النفوذ المصري بسبب الغاز، فإن "روسيا اضطرت إلى خفض أسعار الغاز للحفاظ على مبيعاتها إلى أوروبا".

ولن تقتصر المنافسة مع مصر على روسيا وتركيا وإثيوبيا، بل هناك إيران التي يُرجح أنها ستقاوم خطط القاهرة في العراق، حيث شرعت القاهرة في توقيع اتفاقيات ضخمة مع بغداد في مجال الطاقة. 

وعليه، أصبحت القاهرة ذات أهمية حيوية لسياسة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الخارجية في تقليل اعتماد الدولي على إيران وروسيا. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard