وهم اكتشاف الله... عن قواسم مشتركة بين أفغانستان وعالمنا العربي

الثلاثاء 17 أغسطس 202101:59 م

ليس لديّ يقين في شيء، وإنما أحاول إعادة ترتيب مشاهد في شرقنا المنكوب، بداية بمصر وإيران وأفغانستان، ومروراً بالعراق وتونس ومصر مرة أخرى، ثم عودٌ غير حميد إلى أفغانستان. وحول هذه المشاهد دوائر تلخّصها ثلاث قوى إمبريالية، هي بريطانيا وفرنسا، وأخيراً الولايات المتحدة الأمريكية، ذروة تمثيلات ما بعد الكولونيالية. والعين الاسشتراقية ستفاجأ باستيلاء حركة طالبان على أفغانستان، ودخولها العاصمة "كابُل"، في 15 أغسطس 2021، من دون مقاومة. خرجت الحركة من أغماد سيوف القرن السابع الهجري، لقطع الرؤوس. واستناداً إلى جهالات زاوية تاريخية للرؤية، تحكم الشعب بما لا يملك دفعه، باسم الله. هؤلاء الشياطين تجري شيطنتهم حيناً، وتُخلي لهم أمريكا البلاد الآن.

العين الاستشراقية رددت رواية مؤسسات غربية عن تفجير طالبان لتمثاليْ بوذا العملاقين في مارس 2001. في ذلك التوقيت، تم تسليط الأضواء على الرأس الهمجي البارز، لشغل العالم عن الكتلة الغاطسة لجماعة حكمت البلاد منذ عام 1996، ولم يكن التمثالان بعيدين عنها. فهل كان تفجير التمثالين مطلوباً ضمن مفردات تمهّد المسرح لعرض جديد، ذروة كوارثه تفجيرات 11 سبتمبر 2001 بنيويورك، لتسويغ الغزو الأمريكي لأفغانستان، وإنهاء حكم طالبان الحاضن لتنظيم القاعدة؟

شيء من ذلك جرى لمصر. في سبتمبر 1881 تبنى الزعيم أحمد عرابي ورفاقه إصلاحات تعدّ أول ثورة دستورية في مصر والشرق، لتأسيس نظام برلماني. وشرع مجلس النواب في وضع دستور يسمى "اللائحة الأساسية" أو "القانون الأساسي".

خلال غزوها لأفغانستان عام 2001 اكتفت أمريكا باعتقال شعب داخل حدوده. وها هي تنسحب الآن، وتنفض يدها من المستنقع، تاركة الشعب لجلّاديه

يسجل الإمام محمد عبده في مذكراته أن الدستور "يحتوي على القواعد الرئيسية للنظم البرلمانية كتقرير مبدأ المسؤولية الوزارية أمام مجلس النواب، وتخويل المجلس حق إقرار القوانين بحيث لا تصدر إلا بموافقته، ومناقشة الميزانية وتقريرها، والرقابة على أعمال الحكومة وعدم فرض أية ضريبة إلا بعد عرضها على المجلس وموافقته عليها، إلى غير ذلك من النظم النيابية الصحيحة التي تقرر سلطة الأمة. ولما علمت فرنسا وإنكلترا بهذا الدستور تذرعت بأزمة سياسية حتى لا يصدر، ولكي يتاح لها التدخل المسلح في شؤون مصر". ونجحت خطة شيطنة عرابي.



في سبتمبر 2016 نشرت مجلة "الهلال" المصرية دراسة تقصّت فيها الباحثة المصرية شذى يحيى كيف هيّأت الصحافة الأوروبية، وخصوصاً البريطانية، الرأي العام الغربي لغزو مصر، واستمرت الحملة بضعة أشهر، حتى وقوع الغزو بضرب الإسكندرية في 11 يوليو 1882. بدأت الحملة بالإلحاح على مصطلح "المسألة المصرية". ولكلمة "المسألة" حمولة نفسية وتاريخية أكبر من كونها مفردة لغوية، فالقارئ يُستنفر ويستدعي تاريخاً من الصراع، حتى اقترن مصطلح "المسألة" بقضايا معقدة لا أفق قريباً لحلها مثل المسألة الفلسطينية، أو بأزمات انتهت بتفكيك مناطق واقتسامها بين حلفاء فرقاء، مثل المسألة التركية في نهايات الدولة العثمانية. أما المسألة اليهودية فشغلت أجيالاً من الأوروبيين، منذ نابليون حتى ما بعد هتلر.

هؤلاء الشياطين تجري شيطنتهم حيناً، وتُخلي لهم أمريكا البلاد الآن

تقول شذى يحيى إن الصحف اتهمت عرابي بأنه "دكتاتور مصر". وترجّح أن عرابي هو العربي "الأول الذي يوصف بهذه الصفة في التاريخ الحديث". على سبيل المثال وضعت "صحيفة لندن المصوّرة"، في 10 يونيو 1882، صورة عرابي أعلى صفحتها الأولى، وكتبت تحتها "عرابي باشا دكتاتور العالم في مصر".

في ذلك الوقت لم يكن عرابي حاكماً ولا رئيساً للوزراء، لكي يصبح دكتاتوراً. بسبب شعبيته ورغبته في إقرار الدستور منحته القوة العظمى لقباً سيكون من نصيب جمال عبد الناصر، تمهيداً لتدمير مشروعه. ولكن غزو أمريكا لأفغانستان عام 2001 لم يستهدف تدمير مشروع جماعة بلا مشروع تصدّره إلى الخارج، فهي مكتفية باعتقال شعب داخل حدوده. وها هي أمريكا تنسحب الآن، وتنفض يدها من المستنقع، تاركة الشعب لجلاديه.

في فبراير 2017 كنت في البصرة. لو لم ينتبه الزائر لظن أنه في قُم أو مشهد الإيرانيتين. يرى من يدخل كلية الآداب في جامعة البصرة جدارية للخميني بمطار طهران في فبراير 1979، يهبط سلم طائرة الخطوط الفرنسية، ويستند بيده اليمنى إلى طيار فرنسي أنيق يلبس ربطة عنق، ووراءه ملالي بعمائم. أعلى الصورة آية "وذكّرهم بأيام الله"، وأسفلها أبيات شعرية، تنتهي بهذه البشرى: "نبارك للأحرار في العالم طلوع فجر الإسلام المحمدي الأصيل في يوم 22 بهمن الموافق 11 شباط 1979 م". من حضّر مثل هذا في باريس، وأطلقه في إيران، لكي يتناسل ويسيطر الآن على أربع عواصم عربية؟

في نوفمبر 2007 كتبتُ مقالاً عنوانه "المصريون يكتشفون الله"، نشر في صحيفتيْ "الدستور" القاهرية و"القدس العربي" اللندنية. وفاز المقال بجائزة المقال السياسي من نقابة الصحفيين. آنذاك كانت الصحافة و"الفلوس" والله. وقد ذهب الاثنان، وبقي الله الذي أعاد المصريون اكتشافه بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011 في خلع حسني مبارك. مشهد مهووس يبشّر باقتراب تطبيق ما يسمونه الشريعة، وما ارتبط بذلك من وعيد واستعراض وفجاجة أخذت طريقها إلى التنفيذ. هذا المشهد سبقته حالة عراقية بعد الاحتلال الأمريكي في أبريل 2003، باكتشاف العراقيين لما اكتشفناه بعد ثورة شعارها "تغيير ـ حرية ـ عدالة اجتماعية". أثق في أذنيّ، وحين يزداد الإلحاح بالشعار المعدل الأكثر شهرة، يطمئنني الفيلم القصير "نافذة ع التحرير". بضع دقائق وثّق بها مخرجه عمرو بيومي الشعار الصاعد يوم الثلاثاء 25 يناير: "تغيير. حرية. عدالة اجتماعية".



تونس التي يظل الرهان عليها استناداً إلى تراث بورقيبة، لم تنجُ من وهم إعادة اكتشاف الله. وتكفي الاستقبالات الحافلة لرموز الإرهاب والوقاحة، أمثال وجدي غنيم، دلالة على هذا المأزق. فهل هبط هؤلاء من السماء؟ أمْ أنهم يعيشون معنا ولا نراهم، أو ندّعي أننا لا نراهم؟ هناك فترات، ربما لحظات تاريخية فارقة تمنح الأمل، تُخرج من الناس أفضل ما فيهم، وتنفض الصدأ وتجلو النفوس فتسمو، مثل لحظة يناير 2011 في مصر. وهناك أزمنة أخرى يتراجع فيها الرجاء، فتخرج من الناس أنفسهم أسوأ ما في طباعهم، وتكفي آثار الإحباط العمومي بعد صعودين متواليين لقوى الثورة المضادة.

أفغانستان كانت حقلاً تسابق الكثيرون إلى رعايته، نكاية بالاتحاد السوفيتي. خططت أمريكا، وأنفقت مملكة ابن سعود، وتحمّس الإخوان وأنور السادات

أعود إلى أفغانستان التي كانت حقلاً تسابق الكثيرون إلى رعايته، نكاية بالاتحاد السوفيتي. خططت أمريكا، وأنفقت مملكة ابن سعود، وتحمّس الإخوان وأنور السادات. كنت في المرحلة الثانوية أقرأ أساطير عن الجهاد الإسلامي في محاربة الشيوعية، في مجلة "الدوحة" القطرية، ومجلتيْ "المختار الإسلامي" و"الدعوة" لسان حال الإخوان المسلمين في مصر. وألهب كتاب الإخواني عبد الله عزام "آيات الرحمن في جهاد الأفغان" مشاعر الذين منحهم القدر فرصة الاستجابة لإحياء "الفريضة الغائبة"، ويلخصها حديث "من مات ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق". أجواء أنعشت مؤلفات أخرى، منها كتاب "الإسلام في وجه الزحف الأحمر" لمحمد الغزالي، وقد أهدى إليّ طبعته التاسعة وكتباً أخرى، حين قابلته في بيته وأنا طالب بجامعة القاهرة، في يناير 1989.



كانت الحماسة سلفية وإخوانية ورسمية باستقبال السادات لرموز المجاهدين، وإنصاته إليهم، وتوجيه النصح متخذاً هيئة شيخ الإسلام، ونشرت "الأهرام" قوله لهم: "سنقف معكم بكل ما في الإسلام من قوة".



كما وجه "نداء إلى دول العالم لمساعدة المجاهدين"، مع خبرين معاً بهذين العنوانين: "جامعة الشعوب (الإسلامية) تبحث وسائل دعم المجاهدين الأفغان"، و"حفل ساهر بالقاهرة لصالح المجاهدين الأفغان" بموافقة السادات شخصياً. وأصدر صفوت الشريف رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون قراراً يلخّصه عنوان هذا الخبر: "جهاد الشعب الأفغاني ضد السوفييت يومياً في الإذاعة والتليفزيون".



عاصرنا واجهتين؛ الأولى جهادية كان ممثلها الأبرز عبد رب الرسول سياف، ومعه برهان الدين رباني وقلب الدين حكمتْيار وأحمد شاه مسعود. والثانية طالبانية. كلتا الواجهتين تحجب الشعب الأفغاني، باستثناء الناجين من الجحيم بأعجوبة مثل ملالا يوسفزي. قابلت عتيق رحيمي في الهند والجزائر ومصر، ولعل الذي لم يقرأ روايته "حجر الصبر" يشاهدها فيلماً من إخراجه. كما قابلت الدكتورة عفاف السيد زيدان، أول باحثة عربية تذهب إلى أفغانستان عام 1968، لدراسة الدكتوراه في الشعر الفارسي في كلية الآداب بجامعة كابُل التي كانت تضم كليات منها الطب والصيدلة والهندسة والاقتصاد والعلوم والآداب.



كتاب "مصرية في بلاد الأفغان" للدكتورة عفاف زيدان مرثية لما كانت تحمل لقب "بلاد الشعر والورد والبلبل"، قبل أن تصبح عنواناً للإرهاب العالمي. تسجل أن أفغانستان "أول دولة من دول المشرق الإسلامي نالت استقلالها عام 1919، بعد قصص من الحروب والبطولات المشهورة في التاريخ، كما كانت أفغانستان تتمتع بوجود برلمان حرّ منتخب، وكانت المرأة ممثلة فيه، كما كان يوجد تمثيل للحزب الشيوعي". وأن شعبها متسامح، "فلم يشتهر عن الأفغان أنهم قاموا بأعمال تخريبية في الخارج، ولم يتورطوا في ارتكاب جرائم دولية". وترجّح أن تماثيل بوذا فجّرت عمداَ، وقد دخلت في نسيج الأدب الشعبي الأفغاني، فأطلقوا على التمثال الكبير وطوله 52 متراً "شاه بابا" أي الملك الوالد، وأطلقوا على التمثال الذي يليه وطوله 35 متراً "شاه ماما" أي الملكة الوالدة، أما التماثيل الصغيرة الموجودة حولهما فيقولون إنهم أولاد الملك والملكة.

بدأتُ بفقدان اليقين، وأكاد أنتهي بيقين تدعمه تجارب تمكّن فيها حاكم مجنون، واحد أحد، من تدمير جيل. فكيف نتخيل المستقبل مع مجانين يتسلّحون بالله، وبالرعب "فُتحت" لهم البلاد، باتفاق مع راعي الدّم في العالم؟

لن ينجو الراعي من عفاريت حضّرها، سوف تلاحقه بالكوابيس. العفاريت العصية على الترويض ليست وحدها مصدر الخطر. هناك ضحايا خذلهم العالم، سيكونون قنابل انتقام. قبل طالبان 2021، من كان يتخيل مأساة يتسلق فيها الناس جسم طائرة وهي تقلع؟



إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard