غريبان في مدينة كبيرة... هو الغزيّ وأنا ابنة الثمانية وأربعين

الاثنين 16 أغسطس 202102:20 م
كنت قد بلغت الرابعة من عمري في إحدى سنوات تسعينيات القرن الماضي، حين أخبرني جدي، فجأةً، أنه سيصحبني معه في زيارته التالية لأصدقائه في غزة. كنت من أولئك المحظوظين من أبناء جيلي الذين تمكنوا من زيارة غزة، والرمال، والشاطئ، قبل انقلاب عام 2006، وبدء الحصار على القطاع. عُرف جدي بكثرة رفاقه في فلسطين التاريخية؛ سواء في الداخل، أم ضمن حدود العام 67. أذكر أنني، كبقية الأطفال، حين تلقيت الخبر، ركضت لأحكي لأمي عن رغبة جدي باصطحابي معه. أنا حفيدته الأولى من البنات، والتي يحضر لها الهدايا من حيث حل، وارتحل.

انطلقنا في صباح ربيعي جميل إلى طريق طويلة، تذمرت فيها كثيراً، وأنا أسأل عن موعد الوصول. قطعنا الجليل، والمثلث، ومركز البلاد، وعسقلان، وبئر السبع، حتى وصلنا إلى حاجز عسكري. قام جدي بتسليم هوياتنا للجنود، الذين تفحصوا السيارة، وراكبيها. عندما قطعنا الحاجز، وزال خوفي من الجنود، سألت جدي: "إحنا رايحين ع بلد ثانية؟". ابتسم جدي، وأجاب: "كلها بلدنا".

نسيتُ سنواتٍ أني زرت غزة، واختفى القطاع من ذاكرتي بشكل غريب، حتى عاد إلى واجهة الذكريات في الانتفاضة الثانية، حين تسمرت أمام التلفاز مع العائلة، وصديقات طفولتي، وأهالي الحي، نشاهد مشهد قتل محمد الدرة مرة تلو الأخرى، يُعاد على محطات التلفاز، بينما صوت والده لا يخرج من رأسي: "مات الولد، مات الولد". صرت أكبُر، وغزة تظهر في ذاكرتي الصغيرة، تـظهر على شكل صور متفرقة، تعود إلى ذاكرتي كلما مررت، لاحقاً، في نابلس، وشاهدت كمية كبيرة من سيارات الأجرة الصفراء تملأ الشوارع، وكلما ذُكر اسم شارع الرمال، من خلال مواقع التواصل، أو الحرب الأولى عام 2008، أو الأخيرة، ولاحقاً من خلال رفاقي في إسطنبول.

نسيتُ، سنواتٍ، أني زرت غزة، واختفى القطاع من ذاكرتي بشكل غريب، حتى عاد إلى واجهة الذكريات في الانتفاضة الثانية، حين تسمرت أمام التلفاز مع العائلة، وصديقات طفولتي، وأهالي الحي، نشاهد مشهد قتل محمد الدرة 

كان الشارع طويلاً، ومليئاً بالمحال الشعبية، والبنايات العالية التي لم أتوقعها، والمحلات تعرض الأزياء على طرفي الشارع، ورائحة الفلافل تملأ أنوفنا. يعرف جدي معظم الناس، ويسلم عليهم بأسمائهم، بينما أنا مندهشة من قدرة الناس على التواصل بشكل طبيعي، وبلغة واحدة، ولهجة واحدة، لا تداخلَ للغة العبرية في كلامهم، ولا تشابهاً كبيراً في أساليب الحياة المعتادين عليها. لفت نظري شكل قبعات القش الصيفية الخاصة بالفتيات، وأصريت على جدي بأن يبتاع لي واحدة. وحين رفض، تركتُ يد أمي في الشارع، وعدتُ أدراجي إلى المحل، أختار، وأجرب الأجمل على شعري الطويل والبني. لاحظ ذلك صاحب الدكان، فجاءني مبتسماً حاملاً قبعتين، قائلاً إنهما هدية منه، رافضاً اعتراض جدي على ذلك، ومضيفاً: "هدية للبلاد". يومها تشكل في لا وعيي مفهوم آخر عن البلاد. إنها ليست مجد الكروم فحسب، وليست عكا والجليل فحسب. في نهاية الشارع، ثمة مساحة تصل إلى البحر، كنت أراها للمرة الأولى بعد عكا، المجاورة لقريتنا مجد الكروم. أخبرتني أمي لاحقاً أني حين رأيت البحر، قفزت، وقلت لجدي: "عكا سيدو عكا"، وظللت أياماً بعدها أروي للجميع زيارتي إلى المدينة الكبيرة، والمتنوعة، والجميلة.

اليوم، وأنا أسير صوب العقد الثالث من عمري، تحضر غزة في ذاكرتي، وحياتي، أكبر مما مضى. منذ انفتح العالم على مواقع التواصل الاجتماعي، وأنا مُنحازة إلى غزة. صديقتي المقربة الأولى التي لم أرها حتى اليوم، من بيت حانون. كنت أجلس على البحر في عسقلان، أيام عملي في الجنوب، وأصور لها غزة من الطرف الآخر، ونتحدث ساعاتٍ عن الحدود التي تفصلنا، وعن أنها لو لم تكن، لكنا سنجلس معاً فعلياً. لاحقاً، عرفت الكثيرين من الغزّيين. صارت مواقع التواصل تعج بالأصدقاء من غزة، وصرت أفهم طبيعة الحياة تحت الحصار، والحرب، ولو أني لم أعشها.

قبل سنة، ارتبطت بزوجي الغزّي. تعرفنا، بينما هو خارجٌ للتو من آثار انفجار بيروت، يلملم بقايا القدرة، والطاقة، بعد ثلاثة حروب، وحصار، وانفجار، للاستمرار، والوقوف. صرنا نتحدث طويلاً عن غزة، ورفح، والشمال، والداخل، ويافا، والجليل، وعكا. لم أفوّت صورة واحدة لإرسالها له، من البلاد التي أحب، حتى التقينا في إسطنبول بعد علاقة دامت أشهراً في الفضاء الرقمي. وعرفتُ حينها، كم كنت لا أعرف غزة.

ثمة جيل كامل في غزة وُلد تحت الحصار، ولم يشاهد يوماً جبلاً، أو نهراً، أو غابة خضراء، أو سوداء

ثمة حياة أخرى لا تتضح لنا من بعيد، ونحن نراقب المشهد، ونعدّ الشهداء سراً وعلانيةً. خلف كل شهيد قصة، وأحلام، وطموحات، دفنت معه تحت الركام، وعائلة فقدت جزءاً لا يعوض منها، ووالد فقد ابنه الذي ولد للتو، وزوجة دفنت زوجها الذي لم تُزف إليه إلا قبل أيام، وطلاب مدارس وجامعات حُرموا من استكمال دراستهم في التبريد أثناء الصيف، والتدفئة أثناء الشتاء. ثمة عائلات فقدت أطفالها على المعابر البرية، بينما كانت تحاول الوصول بهم إلى المستشفيات. ولأن الاحتلال رفض تصاريحهم، وعدّ حالاتهم الصحية "عابرة"، لم يتمكنوا من الحصول على العلاج المناسب. ثمة جيل كامل في غزة ولد تحت الحصار، ولم يشاهد يوماً جبلاً، أو نهراً، أو غابة خضراء، أو سوداء، ولم يعرف من العالم سوى قطعة متمثلة في 365 كيلومتراً مربعاً، ولن يخرجوا إلا "بتنسيق" أمني يتطلب دفع مئات الدولارات على المعابر، كي يضعوا أقدامهم خارج القطاع فحسب. أما نحن، في الداخل والخارج، فنرى أن غزة عبارة عن أرقام وصور في الإعلام، ولا نستطيع اكتشاف الحقيقة، وتقبل الصفعة، إلا حين لقائنا بأهلها في الخارج.

ثمة مقاهٍ جميلة تطل على البحر، لا تذكرها ذاكرة الطفلة في داخلي، ولا يكاد يذكرها الإعلام أيضاً، وثمة شاليهات ومطاعم "زاكية" جداً. وحسب قول الأصدقاء، فإن شاورما غزة "أزكى" بكثير من الشاورما السورية، وبحر غزة يختلف الاختلاف كله عن البحار الأخرى. ربما لأنهم وجدوا فيه المنفذ الأول إلى العالم، وربما لأنها ببساطة علاقة تماثل، كما علاقتنا مع بحر يافا، وعكا، وحيفا.

سخرت أمي مني يوم زيارتنا إلى غزة، قائلةً إنها ستتركني هنا عند أقرب محل، إذا ما استمريت في المطالبة بقضاء وقت أكبر في المدينة. لاحقاً، عندما تزوجت، قصّت القصة على زوجي، قائلة بسخرية إنها كانت يجب أن تدرك منذ ذلك اليوم بأن الحل الأفضل هو تركي هناك.

تزوجتُ، أنا "ابنة الثمانية وأربعين"، بشاب غزي عرف كيف يتسلل إليّ من بحر غزة، إلى يافا، إلى بيوت إسطنبول، فموانئها، لنستقر في هذه المدينة الكبيرة، حيث الشوارع لا تشبهنا، واللغة مخالفة للغتنا، والأزقة تحمل تاريخاً طويلاً من الصراع، والحب، والحضارات، والحروب، والممالك، حتى أنك تكاد تشم رائحة الهزيمة الأخيرة التي مُنيت بها المدينة في بدايات القرن الأخير، وتسمع لهجة أهلها، وتدرك أنك غريب بينهم، لكنك مجبر على وجودك. فلا أنا أستطيع الذهاب إليه في المدينة المحاصرة، ولا هو يستطيع القدوم إلي في البلاد المحتلة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard