لن أكون سعيداً طالما أشعر بالتهديد

الخميس 12 أغسطس 202109:00 ص

ما أزال أذكر أياماً كنا فيها أطفالاً مشاكسين، نغدو ونبيت بجروح، أو ندبات، ناتجة عن ألعاب الصبية الخشنة، التي يستقيها الأطفال الذكور تحديداً في مجتمعنا، لكنّ رغباتنا الداخلية في البحث عما يسلينا، ويمضي نهارنا، كانت تتماهى مع سعينا إلى إيجاد لعبة مختلفة، لعبة يأخذ العقل فيها الحيز الأكبر، ولم لا؟ يمكننا أن نضيف بعض المرح والمغامرة على لعبتنا تلك. وجدنا ضالتنا، أنا واثنان من صبية الحي، في أبواب الجيران. حينها كان دق الجرس سهلاً، ورنينه قد يُسمع صداه في البيوت المجاورة، فلا كهرباء مقطوعة، ولا منزلاً يشكو من قلة الأجراس... همس مرهف في آذاننا، أنا وسعيد: "مندق الباب، ومنهرب... وحتى لو شافونا ما رح يلحقونا"، كانت تلك لعبة ممتعة في الصغر، وكنّا، من فرط براءتنا، لا ندرك أنها قد تتحول يوماً إلى أسلوب حياة نبحث عن التخلص منه. لقد بتنا الآن نبحث عن "الهروب من الهروب".

مايكل سكوفيلد في بيروت

قد لا تجد أحداً من السوريين اليوم، لا يملك أسباباً تحرمه من عيش حياة طبيعية. فهذا ينقصه الغذاء، وذاك ينقصه الدواء، وذلك يبحث عن مسكن يأوي إليه عائلته، من حر الصيف، وصقيع الشتاء، لكنّ هناك ما هو أكبر من ذلك، ماذا لو كنت تفتقد الأمان النفسي؟

في يومي الأول في العاصمة اللبنانية، بيروت، أحسست بنفسي، وكأني "مايكل سكوفيلد"، بطل مسلسل “Prison Break”، الهارب من سجون الولايات المتحدة، والمتنقل بين ولاياتها، والبلدان المجاورة. شخصية "مايكل" اتصفت بالحذر الدائم مما حولها. لا يثق بوجوه الناس، ويشعر وكأن أحدهم يكمن له على الدوام، وينتظر وقوعه، والسبب كان أنني لم أتمكن خلال تلك الفترة من إنجاز أوراق الإقامة الرسمية التي تجعلني مقيماً شرعياً على الأراضي اللبنانية، وصرت أتحاشى النظر في عيون الناس... من يدري لعلّ أحدهم معني بشؤون الأجانب. أفكر... ماذا لو سألني: "أين إقامتك؟"، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحصل، فمن يدري حجم المصيبة التي سأكون قد أوقعت نفسي فيها، وهنا بدأت أسرد على نفسي أياماً سابقة كنت فيها بعيداً عن الأمان، لكن الفارق أني اليوم أصبحت أدري.

إن أصحاب السلطة والنفوذ، هم من رسخوا الخوف من المواجهة في قلوب الناس، حتى صار هم معظمهم هو البحث عن الهدوء، وأصبح ذلك غايةً، بعد أن كان سمة أساسية، وحقاً طبيعياً من حقوق الآدميين!

الهدوء والأمان... التحول من الحق إلى الغاية

"الهريبة تلتين المراجل"، هذه كانت، وما زالت، جملة جاهزة تجيب بها من يسألك: هل تواجه، أم لا؟

ولعلّك أيضاً سمعتها عشرات، بل مئات المرات خلال حياتك، وقد تتشجع وتواجه، لكن نتيجة مواجهتك غير مضمونة العواقب. أما إن هربت، فقد نلت أمانك الجسدي على الأقل، ويمكن أن يكون ذلك سبباً وجيهاً، ورأياً يستحق النظر فيه، ذلك أن التجربة أثبتت أن القانون في بعض بلداننا العربية، قد لا يأخذ مجراه، وما من عطل فيه، بل أصحاب السلطة والنفوذ، هم من رسخوا الخوف من المواجهة في قلوب الناس، حتى صار هم معظمهم هو البحث عن الهدوء، وأصبح ذلك غايةً، بعد أن كان سمة أساسية، وحقاً طبيعياً من حقوق الآدميين!

هرم ماسلو... ونظام بشري متداع

يحدد ماسلو في هرمه الذي يشرح تدرج حاجات الإنسان، أن الأمان في الدرجة الثانية من القاعدة، متفوقاً على الحاجات الاجتماعية، والتقدير، وتحقيق الذات، وكأنه يخبرنا أنكّ لن تكون سعيداً، أو ممتناً لعلاقة صداقة، طالما أنك تشعر بالتهديد، وأن شعورك بالتقدير سيكون منقوصاً، طالما أنك حذر تبحث عن أمانك، وإذا حققت ذاتك من خلال إنجاز وظيفي، أو بطولة مهنية، فلن يكون ذلك كافياً، طالما غاب الهدوء عن حياتك.

لعلني أسأل نفسي الآن عن وضعنا مع ما نعيشه كله، من افتقاد للأمان، والهدوء النفسي والجسدي، ولعلنا إن تمعنّا في حيوات الناس الذين نعرفهم، سنجد أن لديهم كلهم ما يخيفهم، إذ سيطرت الهواجس على حياتهم، وأحكمت خناقها، فالموظف يخاف من ساعة الطرد الفجائية، والمسافر بكفالة يعيش شقياً مفكراً... ترى ماذا سيفعل الكفيل لو أنني أغضبته؟ وحتى الأطفال الذين يخافون من نسيان إحدى المعلومات التي درسوها قبيل دخولهم "ساعة الصفر" التي يبدأ فيها مراقبو قاعات الامتحانات بتوزيع الأوراق، والصراخ بأعلى أصواتهم: "الكل عينو بورقتو!"، وهذا ما يثبت تداعي الهرم، وتالياً تداعي النظام البشري، إذا ما أخذنا بهرم ماسلو كمعيار للقياس.

على غرار السلام، أسأل نفسي، ماذا لو أقر القائمون على جائزة نوبل يوماً، منح جائزة تُعنى بالأمان، يفوز بها شخص تمكن من إرساء حالة الأمان لدى الناس، في أية بقعة جغرافية من العالم؟

"نوبل للأمان"... من سيفوز بها لو صارت؟

على غرار السلام، أسأل نفسي، ماذا لو أقر القائمون على جائزة نوبل يوماً، منح جائزة تُعنى بالأمان، يفوز بها شخص تمكن من إرساء حالة الأمان لدى الناس، في أية بقعة جغرافية من العالم؟ أكاد أجزم أن أحداً في العالم لن يفوز بها، ولا حتى أولئك الذين يسعون جاهدين في سبيل إعطاء كل ذي حق حقه، ذلك أن من يسعى وراء تحصيل حقوق الإنسان، سيلقى صدى لا يُستهان به، وقد يجزع من جرّاء ذلك، تحت وابل التهديد في بعض البلدان، وحتى لو استمر من دون أن يخاف، فهو سيصل إلى تأمين الطعام والشراب في أحسن أحواله، أو لربما ينفذ الشرير تهديده، ويسحق المنادي، ولا أستبعد ثورة من أنصار المسحوق، وفي الوقت ذاته أيضاً لن أستبعد مصيراً مشابهاً للأنصار، وهنا تكون الحلقة المفرغة قد أخذت أبعادها، وعدنا إلى حيث بدأنا، إلى الخوف مجدداً، لذا أتفهم جيداً سبب رفض إنشاء "نوبل للأمان" مُقدماً، فالجوائز تُعطى لأشياء موجودة فعلاً... وأين نحن من الأمان المنشود؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard