لنُبعث كطائر الفينيق من الرماد السوري

الأربعاء 17 مارس 202112:57 م

الخوف وجبتنا اليومية، نحن سوريّو الداخل. ما إن تفتح عينيك صباحاً حتى تجد أحدهم يحذرك من شتم الواقع والفساد ومسببيه والنظام ورجالاته وشبيحته وحتى حيواناته الأليفة. وتطول قائمة الحذر حتى تجد نفسك محصوراً بين أربعة جدران وصوتك يكاد لا يفارق حلقك من شدة الخوف. يحدثونك عن المعتقلات والأمن "البارحة اختفى فلان ضبوه"، "من يومين عبوا زلمي ع كازية الشاطئ"، "ما حدا رح يعرف وينك"... جمل كثيرة تسمعها وتخيفك. أمور لا تدري إن كانت تحدث حقاً أو هو وهم الخوف الذي زرعه النظام في قلوب الشعب أو مجرد دعاية من دعايات النظام لإرهابه وكم الأفواه كما اعتاد أن يفعل.

في بدايات الحرب كنت لا أزال أصغر من أن افهم السياسة، لكنني لطالما تساءلت كيف استطاعت عشرات الدول ومئات الصحف والإذاعات والقنوات التلفزيونية أن تفبرك ثورة كما كان النظام يزعم آنذاك. ووسط مجتمع يأكله الخوف لم أستطع أن أطرح تساؤلي ذاك أمام أحد. اليوم يعود السؤال ذاته ملحاً علي، أطرحه على نفسي. ويعود الخوف. "الحيطان إلها أدنين"؛ تلك الحيطان التي كانت تسمع النكات السياسية وانتقاد مواطن بسيط للنظام أو أحد ركائزه ألم تستطع أن تسمع المؤامرة؟ أم أنها بالأصل ما كانت مؤامرة.

تعود إلى ذاكرتي هتافات طائفيه في حمص وتكبيرات لاختفاء طائفة ما، اختطاف متبادل وتبادل رهائن، قنوات تطلب إبادة طوائف بأكملها، سيطرة المتطرفين على الثورة، خلافات بين العرب والأكراد وبين الأكراد والسريان في الشرق، حديث دولي حول أيهما أهم مكافحة الإرهاب أم الديكتاتور" تلك اللعبة التي لعبها النظام بدهاء فوجه أنظار العالم نحو داعش". لم تكن اللعبة سهلة، لكن الجميع قرر الخوض فيها. تعلموا السباحة جيداً حتى لا يغرقوا بدمائنا وصوبوا أهدافهم نحو أرضنا.

تصريح تركي أو إيراني أو سعودي أو حتى تصريح دولة صغيرة كقطر أهم بكثير من آراء الاف الشبان السوريين

تحول بلدنا إلى ساحة لعب إقليمية ودولية على حساب أحلامنا وطموحاتنا. صار حوار الروسي والأمريكي أو تصريح تركي أو إيراني أو سعودي أو حتى تصريح دولة صغيرة كقطر أهم بكثير من آراء الاف الشبان السوريين. والذين ظهروا أمام الكاميرات على أنهم ممثلي الثورة لم يختلفوا عن النظام كثيراً، كل ما كان يهمهم هو مصالحهم. كانوا إقصائيين مثل النظام، بل أكثر.

اليوم يبدو النصر بعيداً جداً عن المعارضة وعن النظام. كيف ستكون منتصراً على أنقاض بلد؟ كيف ستكون منتصراً في بلد شماله لتركيا، جنوبه لإيران وشرقه لأمريكا وغربه لروسيا والبحر لأبنائه يغرقون فيه؟

حين تجرح نفسك ألم تتساءل يوماً كيف تبدو الحياة من داخل الجرح؟ سأخبرك كيف تبدو؛ ساعات طويلة مظلمة دون كهرباء، طوابير كثيرة على الغاز، على المازوت، على الخبز، على البنزين، وطوابير طويلة من الناس مرميين في الشوارع ينتظرون المواصلات، أطفال يراقبون محلات الدمى ويحلمون باقتناء دمية، قطع قماشية تغسل مراراً عوضاً عن حفاضات الأطفال، نمرض دون دواء، الحلويات صارت حلماً، الفقر يلتهم الجميع. أما أبناء السلطة فيعيشون في سوريا أخرى غير سوريتنا؛ سوريا المنتجعات والمطاعم الفخمة والبارات، سوريا السيارات الفارهة والثياب الغالية والعطور والساعات المستوردة، سوريا أحدث الهواتف المحمولة.

كل يوم يخبرك أحدهم بكل سذاجة أن هذا الجرح سيندمل لا محاله وأن العالم ملّ منا. لكن الجرح يتسع أكثر، والعالم مل فعلاً من أوجاعنا، لكنه لم يمل من الصراع على أرضنا. أناس يسخرون من كل شيء، نكات القهر تملأ الفيسبوك؛ قهر من عجزنا، قهر من خوفنا، وقهر من الشعارات. أشخاص يمشون في الشوارع ويحدثّون أنفسهم، أحذية بالية، شتاء بلا تدفئه، وكميات طعام لا تكفي، ونقود قليلة، ورفيق يحدثك عن الصمود والتصدي. بلاد بأكملها على حافة المجاعة والجنون والخوف والبؤس والحزن والقائمة طويلة جداً. شعارات يخدعنا بها جميع الأطراف. لا تركيا تريد حريتنا ولا إيران تريد سيادتنا. كل منهما تريد أن تتوسع في المنطقة. أمريكا وروسيا وتجربة كل منهما في العراق وافغانستان لا تبشران بخير.

كيف ستكون منتصراً في بلد شماله لتركيا، جنوبه لإيران وشرقه لأمريكا وغربه لروسيا والبحر لأبنائه يغرقون فيه؟

ماذا تبقى لنا من الأحلام؟ سنظل نحلم رغم الموت ورغم الدمار. سنظل نذكر الإله بعل حين صارع الإله موت، ثم خرج من باطن الارض بعدما لقي مصرعه ليعود إلى الحياة. سنظل نذكر طائر الفينيق الذي سيُبعث من الرماد في هذه الأرض. الحلم ليس مستحيلاً. بإمكاننا أن نمحي سنوات الذل التي عشناها، بإمكاننا أن نصنع ثقافة مجتمع بعيداً عن شعارات النظام والمعارضة. بإمكاننا أن نتحدث عن تاريخنا وحضارتنا، ونبحث عن مستقبلنا. بإمكاننا أن نصنع الوعي بأيدينا وأن نبحث ونحلل ونقرأ أكثر. بإمكان كلّ منا أن يقترح على صفحته على الفيسبوك عنوان كتاب اجتماعي أو سياسي أو ديوان شعر يخص سوريا. بإمكاننا نحن جيل الشباب والحلم أن نحدث تغيراً ما بعيداً عن شعاراتهم وبعيداً عن خداع الدول ولعبة الأمم. بإمكاننا أن نفهم اللعبة إن وضعنا أحقادنا جانباً وخوفنا من الآخر وقهرنا وبحثنا في وجهات النظر جميعها. وسنرى أن جميع الأطراف سواسية وأننا الضحية الوحيدة في هذه اللعبة. الضحية التي يجب عليها ألا تستسلم لجلاديها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard