دعوة مغربية وتجاهل جزائري… مبادرة الملك لفتح الحدود معلّقة على شروط "تبون"

الخميس 5 أغسطس 202106:41 م

صراعٌ دائم، وخلافاتٌ متجذرة، وتوتراتٌ دبلوماسية وإعلامية. هكذا يمكن أن نلخص طبيعة العلاقات بين الجارين، المغرب والجزائر.

علاقات لم تكن يوماً طبيعية، ولا ودية، بين شقيقين فرّق بينهما الاستعمار بالحدود، وازدادت هذه الفرقة بتصريحات وقرارات، اتخذها ساسة البلدين الجارين، وحكامهما، على مر ستين سنة.

مفاجأة الملك محمد السادس

على الرغم من مرور المغرب والجزائر بعاصفة من الخلافات في العام الأخير، إلا أن العاهل المغربي محمد السادس، فاجأ الجميع في خطاب الذكرى 22 لعيد العرش، عندما دعا الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى إعادة فتح الحدود البرية بين البلدين، والعمل معاً من دون شروط، لبناء علاقات ثنائية أساسها الثقة، والحوار، وحسن الجوار.

الملك محمد السادس، قال في خطابه إن الوضع الحالي للعلاقات بين بلده والجزائر، "لا يرضي المغرب، وغير مقبول بالنسبة إلى بلدين جارين، وشعبين شقيقين، بل توأمين". وأشار الملك المغربي إلى أنه لا يتحمل مسؤولية إغلاق الحدود، شأنه في ذلك شأن الرئيس الجزائري تبون، أو الرئيس السابق، "ولكن الجميع يتحملون المسؤولية في استمرار الوضع الحالي، لاسيما وأن أسباب إغلاق الحدود أصبحت متجاوزة".

"البوليساريو" ترد على دعوة محمد السادس

ومثلما جرت العادة، غاب أي رد فعل رسمي جزائري على الدعوات، والمبادرات، الآتية من الجارة الغربية، ولكن وكالة الأنباء الرسمية الجزائرية، كانت محطةً لإرسال جواب إلى الملك محمد السادس، ليس على لسان الدولة الجزائرية، بل على لسان "البوليساريو"، عندما وجهت وزارة الإعلام في الجمهورية العربية الصحراوية، نداء طالبت فيه المملكة المغربية، بإنهاء احتلالها للصحراء الغربية، وفتح صفحة جديدة، تسمح بإحلال السلام بين الجميع، واصفةً خطاب الملك محمد السادس بالكلام المعسول، بهدف التغطية على تسببه في اندلاع الحرب مجدداً بين "البوليساريو"، والمغرب.

بالإضافة إلى المشكلة الحدودية، وما لها من تداعيات سياسية وأمنية، يتأجج الخلاف بين الجزائر والمغرب بسبب قضية الصحراء الغربية، إذ يعدّ المغرب الصحراء الغربية أرضاً تابعة له، ويتهم الجزائر بدعم حركة "البوليساريو، التي تسعى إلى تحرير الصحراء الغربية، مما تعدّه استعماراً مغربياً

"ما قدّمه المغرب ليس طلباً للجزائر ، بقدر ما هو خطاب للاستهلاك السياسي". هكذا يفسر الخبير الأمني أحمد ميزاب لرصيف22، سر غياب رد رسمي جزائري، سواء من الرئاسة، أو من الخارجية، حول خطاب العاهل المغربي شارحاً: كيف تُفتح الحدود، وأطنان من المخدرات المغربية تتدفق نحو الجزائر. فضلاً عن آلة إعلامية، وفضاء افتراضي معبأ، لا أعتقد أن في أجندة السلطات الجزائرية، شيئاً اسمه فتح الحدود، فهناك وتيرة متصاعدة من التشنج في العلاقات".

بداية التوتر… حرب الرمال

استقلت الجزائر عن فرنسا عام 1962، وسرعان ما طالب المغرب بأراضٍ جزائرية، بحجة أنها اقتُطعت منه بالقوة، من طرف المستعمر الفرنسي، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من قبل الجزائر، ليشن المغرب بعدها هجوماً مسلحاً على الجزائر، ويدخل البلدان في "حرب الرمال".

اندلعت الحرب المفتوحة في ضواحي منطقة تندوف، وحاسي البيضاء، الحدوديتين، ثم انتشرت إلى فكيك المغربية، واستمرت أياماً معدودة، قبل أن تتوقف المعارك في 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963، بوساطة من الجامعة العربية، ومنظمة الوحدة الإفريقية، بإرساء اتفاقية لوقف نهائي لإطلاق النار، في 20 شباط/ فبراير 1964، في مدينة باماكو، عاصمة دولة مالي.

الصحراء الغربية تؤجج الخلاف

انتهت الحرب، بوساطة عربية وإفريقية، لكن رمالها الزاحفة، خلّفت توتراً مزمناً في العلاقات المغربية الجزائرية، ما زالت آثارها موجودة إلى الآن.

فبالإضافة إلى المشكلة الحدودية، وما لها من تداعيات سياسية وأمنية، يتأجج الخلاف بين الجزائر والمغرب بسبب قضية الصحراء الغربية، إذ يعدّ المغرب الصحراء الغربية أرضاً تابعة له، ويتهم الجزائر بدعم حركة "البوليساريو، التي تسعى إلى تحرير الصحراء الغربية، مما تعدّه استعماراً مغربياً.

في حين تدعم الجزائر قرارات الأمم المتحدة، وبعثة "المينورسو"، لتنظيم استفتاء يقرر مصير سكان الصحراء الغربية، ما يعدّه المغرب محاولةً من الجزائر لتقسيمه، وهو ما أسهم في تأجيج الخلافات بين البلدين.

لكن الحدود أُغلقت إثر اتهام الرباط المخابرات الجزائرية، بتنفيذ تفجيرات فندق "أسني"، في مدينة مراكش المغربية، يوم 24 آب/ أغسطس عام 1994.

عندها، اتخذت السلطات المغربية، قراراً يقضي بفرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، لترد الجزائر بإغلاق الحدود مع المملكة المغربية من جانب واحد، مع فرض التأشيرة على مواطنيها.

وعلى الرغم من إلغاء التأشيرات بين البلدين، عامي 2004 و2005، إلا أن الجزائر ما زالت ترفض فتح الحدود البرية المغلقة، إلى يومنا هذا، وظلت الخطوط الجوية من العاصمة الاقتصادية للمغرب، الدار البيضاء، إلى المدن الجزائرية، هي الطريقة القانونية، والوحيدة، للتنقل المباشر بين البلدين.

شروط الجزائر لفتح الحدود مع المغرب

منذ عام 2013، وحتي يومنا هذا، و شروط الجزائر لفتح الحدود تتمثل في ثلاث نقاط لن تتغير، ألا وهي:

-الوقف الفوري لحملة التشويه التي تقودها الدوائر الرسمية، وغير الرسمية، المغربية، ضد الجزائر.

-التعاون الصادق، والفعال، والمثمر، من قبل السلطات المغربية، لوقف تدفق المخدرات، وتهريبها، إلى الجزائر.

-احترام موقف الحكومة الجزائرية، في ما يخص قضية الصحراء الغربية.

وحتى اليوم، لا توجد استجابة من المغرب لتلك الشروط.

الرئيس تبون: الاعتذار أولاً

خلال حملته الانتخابية لرئاسيات 12 كانون الأول/ ديسمبر 2019، أكد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، أن فتح الحدود بين الجزائر والمغرب ممكن، في يوم من الأيام، شرط أن يعتذر النظام المغربي عن سوء معاملته للجالية الجزائرية في المغرب عام 1994، بعد حادثة تفجير مراكش.

ونفى الرئيس تبون أن تكون لإغلاق الحدود علاقة، بملف الصحراء الغربية، مرجعاً استمرار الإغلاق، إلى وجود لوبي داخل المغرب، عليه بالاعتذار من الجزائر، بعدما اتهمها بالتسبب في عملية مراكش الإرهابية، بالإضافة إلى أن المغرب فرض حصاراً على الجزائر، بأمر من أطراف رفض الكشف عنها، وتسبب في بقاء 350 ألف جزائري، عالقين داخل الأراضي المغربية، بسبب ما حدث كله.

ضربات مغربية متتالية

لا تتوقف الخلافات بين الجزائر والمغرب، عند الحدود البرية المغلقة، وقضية الصحراء الغربية، فبالإضافة إلى الأزمات الدبلوماسية، والمناوشات الإعلامية، عرفت العلاقات بينهما  سابقة خطيرة، تمثلت في تقديم الممثل الدائم للمملكة المغربية، لدى الأمم المتحدة عمر هلال، في 16 تموز/ يوليو الماضي، ورقة إلى أعضاء الدول الممثلة لحركة عدم الانحياز، يدعوهم فيها لمعالجة ما وصفه بتصفية الاستعمار، في منطقة القبائل في الجزائر، وتقرير مصير الشعب القبائلي، واصفاً منطقة القبائل بأنها "تحت الاستعمار الجزائري".

الورقة المقدمة من طرف الدبلوماسي المغربي، دفعت بوزارة الخارجية الجزائرية، لإصدار بيان شديد اللهجة، بتاريخ 16 تموز/ يوليو 2021، طالبت فيه السلطات المغربية بتقديم توضيحات، بشأن" تصريحات عدوانية صادرة عن ممثلها الدائم لدى الأمم المتحدة."

وعلي صعيد آخر، انفجرت أزمة التجسس المغربي على الجزائر، وحسب معلومات كشفت عنها صحيفة لوموند الفرنسية، بتاريخ 20 تموز/ يوليو 2021، فإن المملكة المغربية من أكبر مستخدمي برنامج التجسس "Pegasus" على حسابات السلطات الجزائرية.

وكشفت "لوموند" أن هذا الجهاز الأمني المغربي، اختار أكثر من ستة آلاف رقم هاتفي، تخص سياسيين، وعسكريين، ورؤساء أجهزة استخبارات، وكبار المسؤولين، ودبلوماسيين أجانب، أو ناشطين سياسيين، كأهداف محتملة لبرنامج التجسس الإسرائيلي Pegasus، من قبل الزبون المغربي لشركة NSO الإسرائيلية.

الجيش الجزائري يرد

استغل رئيس أركان الجيش الجزائري الفريق شنقريحة، فرصة تعيين قائد سلاح الدرك الجديد، للتأكيد في كلمته على أن "المؤامرات والدسائس التي تحاك ضد الجزائر، والمكائد التي تُدبَّر ضد شعبها، والتي لطالما حذرنا منها في العديد من المناسبات، ليست من نسج الخيال، كما يدعي بعض المشككين، بل هي حقيقة واقعة أصبحت ظاهرة للعيان، ويدرك خلفياتها العام، والخاص". وعُدّ هذا الكلام، إشارة إلى فضيحة "بيغاسوس"، وقبلها دعوة المغرب إلى تقرير "مصير شعب القبائل"، وهي الخطوة التي دفعت الجزائر إلى استدعاء سفيرها لدى المغرب، للتشاور.

انفجرت أزمة التجسس المغربي على الجزائر، وحسب معلومات كشفت عنها صحيفة “لوموند” الفرنسية، بتاريخ 20 تموز/ يوليو 2021، فإن المملكة المغربية من أكبر مستخدمي برنامج التجسس "Pegasus" على حسابات السلطات الجزائرية

إلى جانب ذلك، قالت مجلة الجيش الوطني الشعبي، الصادرة عن وزارة الدفاع الوطني الجزائرية، قالت في افتتاحيتها يوم 4 آب/ أغسطس 2021: "التفكير في تقسيم الوطن، أو التشكيك في وحدة الشعب، من ضروب الخيال". وأكدت الافتتاحية على أن "الوحدة الوطنية خط أحمر". في إشارة واضحة إلى الجار الغربي.

كلفة إغلاق الحدود الاقتصادية

كغيرها من المشكلات السياسية، تسببت أزمة إغلاق الحدود البرية، بين الجزائر والمغرب، في خلق أزمات اقتصادية واجتماعية، إذ أدت هذه المشكلة بين البلدين، إلى شل اتحاد المغرب العربي، الذي تأسس عام 1989، في مدينة مراكش المغربية، ويضم الجزائر، والمغرب، وتونس، وليبيا، وموريتانيا.

هذا الاتحاد يُعد إطاراً للاندماج الاقتصادي والسياسي بين البلدان المغاربية، ولكن تجميد المغرب لعضويته في هذا الاتحاد، بسبب خلافاته مع الجزائر، عاد عليه، وعلى جارته الشرقية، ودول المنطقة كلها، بالسلب.

وتشير تقديرات الخبراء، بالإضافة إلى تقارير شبه رسمية، إلى أن البلدين يتكبدان خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، بسبب إغلاق الحدود، مقابل انتعاش عمليات تهريب الوقود، والمشتقات البترولية، من الجزائر إلى المغرب، فيما تغزو الأسواق الجزائرية، المنتجات المغربية، من أقمشة، ومواد غذائية.

ويُعد حجم المبادلات التجارية، بين الجزائر والمغرب، الأضعف، مقارنةً بالتكتلات الإقليمية، وهو ما يفوّت على البلدين مناسبة حقيقية لتحقيق النمو الاقتصادي، وخلق فرص عمل لآلاف العاطلين عنه، من الجانبين.

ويقول النائب البرلماني والخبير الاقتصادي عبد القادر بريش، في تصريحات لموقع رصيف22: "من الناحية الاقتصادية، حين تُفتح الحدود بين الجزائر والمغرب، سنشهد حركة، ونشاطاً اقتصادياً، وتجارياً، عبر المناطق الحدودية بين البلدين، خاصةً النشاط التجاري، والمطاعم، والمقاهي، والفنادق، كما سنشهد تدفقاً كبيراً للسياح، وخاصةً من الطرف الجزائري. أما من جهة المغرب، فسنشهد تدفقاً للعمالة، في قطاع الفلاحة، والبناء، نحو الجزائر".

ويضيف: "لكن هذا لا يمنع وقوع جانب سلبي لعملية فتح الحدود، ففي المقابل، ستزداد تجارة المخدرات، والتهريب، خاصةً وأن كثيراً من السلع، في الجزائر، مدعومةٌ، مثل الوقود، والأدوية، والسلع الاستهلاكية الأساسية،

ولهذا، فإن التفكير في مسألة فتح الحدود، يجب أن ينخرط في إطار أشمل، وفي ظل رؤية متكاملة للعلاقات بين دول الاتحاد المغاربي، في أبعادها الإنسانية، والأمنية، والاقتصادية. وهذا الأمر غير متاح في الظروف الراهنة، نظراً إلى طبيعة العلاقات، والتحولات السياسية، التي تمر بها دول منطقة شمال إفريقيا. ويبقى حلم إقامة فضاء تكاملي، بين دول الاتحاد المغاربي، مؤجلاً".

معاناة اجتماعية لسكان الحدود

وعلى الصعيد الإنساني، أدى إغلاق الحدود البرية بين البلدين الجارين، إلى تعميق معاناة الشعبين من الجانب الاجتماعي، إذ تربط بين الشعبين الجزائري والمغربي، علاقات أخوة، وقرابة، ومصاهرة، كما أنهما يتقاسمان العادات والتقاليد نفسها، والارتباط بينهما يمتد إلى جذور التاريخ، وتسبب إغلاق الحدود منذ 27 عاماً، في حدوث قصص مؤسفة.

تشير تقديرات الخبراء، بالإضافة إلى تقارير شبه رسمية، إلى أن البلدين يتكبدان خسائر بمليارات الدولارات سنوياً، بسبب إغلاق الحدود، مقابل انتعاش عمليات تهريب الوقود، والمشتقات البترولية، من الجزائر إلى المغرب، فيما تغزو الأسواق الجزائرية، المنتجات المغربية

وعلى الرغم من اتّباع البعض، طرقاً سرية من أجل زيارة أقاربهم، وأصهارهم، في الجهة المقابلة، إلا أن حفر الجزائر للخنادق، وتشييد المغرب لسياج على الحدود يصل طوله إلى 110 كيلومترات، أغلق هذه المنافذ السرية على الأهل والأقارب، من مواطني البلدين، كحال "العم محمد"، الذي لم يزر عائلته في مدينة وجدة المغربية، منذ أكثر من عشر سنوات، ويصف لرصيف22، أزمته قائلاً: "لقد شارفت على بلوغ السبعين من عمري، وأقطن هنا في مدينة مغنية الحدودية، وابنتي متزوجة في مدينة وجدة. كلفة السفر عبر الطائرة باهظة جداً، ولا أستطيع زيارتها في كل وقت، ولا هي تستطيع زيارتي أيضاً، لذا نضطر إلى تحصيل الأموال، والاقتطاع منها، أي من أكلنا وشربنا، حتى نتبادل الزيارات، مرةً في العامين، ونحن على هذه الحال منذ أعوام عدة، وأتمنى أن تعرف المشكلات السياسية طريقاً إلى الحل، لتتوقف هذه المعاناة".

ولا يختلف حال " العم محمد"، عن حال آلاف المواطنين في المناطق الحدودية بين البلدين، الذين يتألمون بصمت، ويمنّون نفوسهم، بانقشاع سحابة التوتر الداكنة.

فعلى الرغم من الأزمات المركبة، بين العاصمتين، والتي جعلت الود، وحسن الجوار، بينهما، شبه مستحيل، خاصةً في ظل حفر الخنادق، وتشييد جدران وسياجات، وإغلاق المعابر السرية، إلا ان البعض ما زال يحلم بيوم تتلاشى فيه الخلافات، وتُفتح الحدود، وتنتهي أزمة الشعبين، في دفع فاتورة الخلاف بين رجال سياسية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard