العلاقات الخطرة بين الصحافة والرجل القوي: في تونس الديموقراطية أيضاً

الخميس 5 أغسطس 202112:52 م

غريبٌ أن يقدم أي منّا على مهنة الصحافة اليوم. غريبٌ أنّا أقدمنا يوماً على مهنة لم نكن نعي آنذاك ضيق مساحاتها، على الرغم من وعودها الرومنسية بالتغيير، عبر كشف الحقيقة، أو مقارعة الأقوياء، أو نقل صوت الضعيف. عندما التحقت بكلية الإعلام في بيروت، في التسعينيات من القرن الماضي، كنت أردد أنني أريد أن أمارس مهنة الصحافة، لحبي بالكتابة، وكان الاعتقاد السائد، ولا يزال لدى البعض، أن الصحافيين هم أنصاف كتّاب. الجواب نفسه يقدمه طلابي في الجامعة البريطانية، حين أسألهم عن خيارهم الالتحاق بقسم الصحافة، على الرغم من ضيق أفق فرص العمل في الصحافة التقليدية. كذا أيضاً، أجاب معظم الصحافيين الذين قابلتهم في معرض بحثي عن تحولات الصحافة، وتأثرها، وتأثيرها، بالثورات العربية في السنوات الأخيرة.

والأدق في وصف حالة الصحافيين، أو حالة غالبيتهم العظمى، أنهم ليسوا أنصاف كتّاب، بل أنصاف شخصيات متناقضة عدة. "أصدقاء" السياسيين، والمروجون لأجنداتهم، هم أنصاف صحافيين (في محاسبة الخصم السياسي، وتقصي تجاوزاته)، وموجهو رأي، ومنظرون أيديولوجيون في الترويج للأجندات، وأبواق لشتم الخصم، والتهليل لقمعه. أما ما نسميه بالصحافيين المستقلين، فهم أيضاً أنصاف صحافيين، وناشطين حقوقييين، بل إن بعضهم يرى أن النضال لا بد منه، طالما أن قمع النظام واقع يحد الحياة السياسية، وأن اضطهادهم، بما في ذلك السجن، ضريبة لا بد منها من أجل التغيير. وبين الصنف الأول، والثاني، تنويعات عدة، منها بدعة مواقع الإنترنت التشهيرية خدمة للأجندات، بالتمويل المشبوه، وهي لا تمت بصلة إلى المهنة، وكتّاب الرأي، إيماناً أو رشوةً، من مطلقي حملات التشهير والتهديد، والمئات من "صغار" الصحافيين ممن يفهمون دورهم على أنه اختصار لما يُطلب منهم التعبير عنه، حسب سياسات وسيلة الإعلام، للحفاظ على أرزاقهم. لا حاجة إلى ممارسة أي قمع على هؤلاء، إذ إن الحاجة إلى الراتب الشهري، أو الشهرة، أو وهم الحرص على "صورة البلاد"، من "أعداء" الداخل، والخارج، كفيلة بتدجين أصواتهم. العديد ممن قابلتهم من الصحافيين يقولون، وهم على حق، إنه لا وجود لجماعة صحافية لها عاداتها، وتقاليدها، ومفهومها للمهنية، أو أدواتها، للدفاع عن نفسها. ليس لذلك علاقة عضوية بوسائل التواصل الإلكترونية التي تُتهم عادةً بتشويه العمل الصحافي، عبر فتح الباب لمن أراد التعبير عن كراهية، أو بث الأكاذيب من دون رقيب. في بحثي لدراسة الدكتوراه عن الإعلام اللبناني، وكيفية تأطيره للتغييرات السياسية التي أدخلها اتفاق الطائف، روى لي صحافيون ما أسموه بعلاقات الصداقة التي تربطهم بسياسيين، وثمنها عدم نشر معلومات قد تكون مفيدة للرأي العام. أذكر أن أحدهم احتج على طرحي لسؤال العلاقة بين الصحيفة حيث يعمل، وإحدى الطوائف الدينية، عادّاً سؤالي قلة احترام لمقامه، ومقام الصحيفة، ومهدداً بالانسحاب من البحث. من هم هؤلاء الصحافيون؟ تراجع دور الصحافة التقليدية مع انتقال النقاش إلى حيز الإعلام الجديد، بسلبيات هذا الواقع، وايجابياته، إلا أن هذا الإعلام لا يزال يشكل إلى حد كبير، فهم الناس لواقعهم، على الرغم  من تعبيرات الرفض حتى الكراهية، من الرأي العام، أو أقله جانب منه، وهي قد تكون عصية على التغيير أكثر من السياسة نفسها، كونها تختزن ثقافة تلك الأخيرة، وترسخها.

على الرغم من الأموال الطائلة التي قُدمت لدعم تطوير الإعلام في دول الربيع، لا يزال الحديث عن مجموعة صحافية مستقلة عن السياسة، ضرباً من ضروب التمني

على الرغم من الأموال الطائلة التي قُدمت لدعم تطوير الإعلام في دول الربيع، لا يزال الحديث عن مجموعة صحافية مستقلة عن السياسة، ضرباً من ضروب التمني. جاء الجواب أخيراً من تونس، حيث رافق الإعلام التونسي الحدث الجلل المتمثل في تعليق العمل بالمؤسسات الدستورية في البلاد، كما يغطي شؤون السياسة اليومية، وكأنها مباراة كرة قدم بين الرئيس قيس سعيد، وأنصاره، وبين خصومه من حزب النهضة، أو غيرهم من معارضي الانقلاب، أو الاستيلاء على السلطة، سمه ما شئت. الآراء كلها يجب أن تتموضع ضمن هذين المعسكرين، والحديث عن خرق الدستور يتم احتواؤه بالعودة إلى السؤال: لماذا تعادي الرجل (سعيد)؟ التبسيط في حوارات التوك شو رافقته عناوين تطبيلية تُشيد بالرئيس الذي "انتصر للشعب"، وتطمينية حول مصير البلاد التي تمر في أعتى أزماتها، يرافقها سرد إخباري للقرارات التي يتخذها صاحب السلطات مجتمعة، والتي يُفترض أن تفتح نقاشاً حول مدى خطورتها على مستقبل دولة القانون، والمؤسسات، كفصل وزراء، وتوقيف نواب، ومحاكمات أمام القضاء العسكري، ومنع السفر، وشبهات الفساد، وملفاته التي تلوكها الصحف، ومواقع الإنترنت، وبلاتوهات الحوارات التلفزيونية، من دون دليل، أو مسار قانوني حامٍ للسمعات، والحقوق، والواجبات. النقل الإخباري السردي للأزمة، وفصولها، يدور حول وقع حملات تشهير، وتخوين، وإسكات، في وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ينتقل صداها إلى الإعلام التقليدي في البحث عن المثير. لا تزال قصة ما وراء الحدث، غير معلومة. وأسئلة كثيرة لم تجب عنها وسائل الإعلام التي يُفترض أنها تتحرى الحدث، وتمارس دور الرقيب على السياسة.

تشكل التغطية الركيكة للحدث الكبير في تونس فشلاً ذريعاً لبرامج دعم الإعلام التي أنفقت الملايين على تطوير الإعلام التونسي، وهي نفسها في موقع النقد، لقولبة برامجها، وعجزها عن فهم الواقع، وحاجاته الحقيقية

تشكل التغطية الركيكة للحدث الكبير في تونس فشلاً ذريعاً لبرامج دعم الإعلام التي أنفقت الملايين على تطوير الإعلام التونسي، وهي نفسها في موقع النقد، لقولبة برامجها، وعجزها عن فهم الواقع، وحاجاته الحقيقية، كما أنها تقوم على تشغيل عدد كبير من المدربين والعاملين، ما يجعل تونس إحدى أبرز بيئات "الاسترزاق"، عبر الحصول على هبات المؤسسات المانحة. لم تنجح هذه البرامج في تحدي العلاقة الراسخة بين الصحافة والسلطة، التي يبدو أن سنوات الحرية العشر في تونس لم تشفع في تبديد ألقها. رجال الرجل القوي في الإعلام، ونساؤه، يتسابقون على أشكال الولاء له، ولعل أكثرهم حذقاً هم هؤلاء الذين يشغلون أقلامهم في تكذيب أي نقد، وتحجيمه، أو محاولة نقد الرجل القوي، ومنها مثلاً مقالة في صحيفة "لو تان"، اتهمت مراسلة "نيويورك تايمز" بالكذب، لانتقادها سعيد الذي لم يسمح لها بطرح سؤال واحد في لقائه معها، ومع مجموعة من ممثلي الصحافة الأجنبية.

رجال الرجل القوي، ونساؤه، في الإعلام، يعيدون إحياء قاموس الطاعة الذي اعتقدنا أننا دفناه مع مذاق الحرية، وعودة الاعتبار إلى دور الصحافة، بعد امتهانه. وهؤلاء ليسوا صغار الصحافيين ممن يعانون من ضعف الأمان الوظيفي، أو قلة الراتب، وفرص العمل. نخب الإعلام التي تهلل اليوم لعودة الرجل القوي، هي في الأساس جزء من المنظومة التي يعد الرجل القوي بتقويضها. فلننتظر ثورةً جديدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard