تجاوز القانون في تونس سيكون مدخلاً إلى السلطوية

الثلاثاء 27 يوليو 202111:51 ص

على وقع أزمات اقتصادية وصحية عنيفة يعيشها التونسيون، أصدر الرئيس قيس سعيد قرارات "استثنائية" عدة. وخلال اجتماع طارئ مع قيادات عسكرية وأمنية في البلاد، أعفى سعيد رئيس الوزراء المكلف هشام المشيشي من منصبه، وعطل عمل البرلمان المنتخب مدة ثلاثين يوماً، ورفع الحصانة عن نوابه، وعين نفسه مسؤولاً عن السلطة التنفيذية بمساعدة رئيس حكومة جديد يعينه هو بنفسه.

تأتي قرارات سعيد على خلفية احتجاجات اتسمت بالعنف في بعض المدن التونسية، واستهدفت مقارّ حركة النهضة التونسية، صاحبة الأغلبية في البرلمان. كما تجيء بعد تنامي الغضب الشعبي تجاه أداء الحكومة، بسبب سوء إدارتها للأزمات التي تعيشها البلاد، خاصةً مع جائحة كورونا التي سجلت فيها تونس نحو 18 ألف حالة وفاة، ما جعلها واحدة من ضمن أسوأ معدلات الوفيات بسبب الجائحة عالمياً. تلك أزمة مثالية لخلق السلطوية، أو لحمل جنينها، والأزمات عموماً هي أولى خطوات ظهور الطغيان. فجائحة كوفيد19 عززت، وفق دراسات حديثة، من السلطويات وقدراتها، وباتت الفرصة الحلم لأي ديكتاتور.

إن ظهور الطاغية، وفق ما يراه الفيلسوف (المثالي) أفلاطون، مرهون بوجود ضرب من الفوضى، أو الأزمة التي يأتي على إثرها الطاغية على شكل منقذ يُعيد الأمن والنظام إلى البلاد.

يقدم الطغاة أنفسهم دوماً على أنهم المنقذون، والمخلصون، ومفاتيح الحل، وربابين السفن. وعلى وقع الأزمات يركب الناس أي مركب يتصورون فيه النجاة، لكن ليس كل ما يلمع ذهباً

القول نفسه يؤكده عالم الاجتماع الأمريكي كينيث أندروز في كتابه "طغاة الإغريق" (The Greek Tyrants)، فيقول إنهم كانوا يظهرون في فترات الأزمات، والمبرر العام الشائع الذي يسوغون به طغيانهم، هو قدرة الطاغية، أو الديكتاتور، على النهوض بحكومة فعالة، وهو نفسه تبرير كل دكتاتورية تنتهز فرصة عجز جهاز الدولة عن مواجهة الأزمات. لكن أندروز يستطرد بالقول: "عندما كانت الحاجة تدعو إلى وجود طاغية، فإن هذا كان يذهب في حكمه أبعد من الأزمة التي جاء يعالجها. فليس من السهل على الحاكم المطلق أن يتقاعد".

يُقدّم الطغاة أنفسهم دوماً على أنهم المنقذون، والمخلصون، ومفاتيح الحل، وربابين السفن. وعلى وقع الأزمات يركب الناس أي مركب يتصورون فيه النجاة، لكن ليس كل ما يلمع ذهباً. 

وفق الرئيس التونسي، فإن ما أصدره يتماشى مع الدستور ولا يناقضه، وهي حجة مردودة، وفق أساتذة دستور مرموقين، فالمادة 80 من الدستور التونسي لا تُخوّل له ما أقدم عليه. وإن كنا نتحدث عن نظام ديمقراطي، حتى لو كان ناشئاً، وعمره الآن عقداً من الزمن، فلم يعد مستساغاً وصف الحاكم أو الرئيس، أصلاً، بكونه عادلاً أو ظالماً، إذ لا معنى لهذه التوصيفات في النظم الديمقراطية، لأن الأصل هو الحديث عن التزامه بالقانون، أو تجاوزه.

في دراسته الفلسفية المحكمة "الطاغية... دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي"، يُعرّف أستاذ الفلسفة المصري إمام عبد الفتاح إمام الطاغية تعريفاً وافياً وموسعاً، ومما جاء فيه أن الطاغية "لا يعترف بقانون أو دستور في البلاد. فتصبح إرادته هي القانون الذي يحكم، وما يقوله أمر واجب النفاذ، وما على المواطنين سوى السمع والطاعة".

لا يمكن لتعطيل مؤسسات منتخبة أن يكون حلاً، ولا بداية للحل. بل العكس هو الصحيح، يمكن أن يكون تعطيلها مدخلاً إلى السلطوية، وطريقاً للعودة إلى الوراء

كان المفكر والطبيب الفرنسي فرانسوا كيناي يعمل في بلاط الملك لويس الخامس عشر، وسُئل يوماً: ماذا تفعل لو أصبحت ملكاً؟ فأجاب قائلاً: "لن أفعل شيئاً! فبدت الدهشة على وجه سائله، فقال له: ومن يحكم إذاً؟ فأجاب كيناي: يحكم القانون".

ويُقال إن أحد رؤساء المحكمة العليا في الولايات المتحدة قال له صاحبه مازحاً: احكم بالعدل، فأجابه قائلاً: عدل! عن أي عدل تتحدث؟ أنا لا أحكم بالعدل، بل أحكم بالقانون.

لا يمكن لتعطيل مؤسسات منتخبة أن يكون حلاً، ولا بداية للحل. بل العكس هو الصحيح، يمكن أن يكون تعطيلها مدخلاً إلى السلطوية، وطريقاً للعودة إلى الوراء. فالسلطوية، في أولى تعريفاتها وأبسطها، هي تجاوز القانون. كما أن عاقلاً لا يمكنه القول إن الديمقراطية نظام بلا أخطاء، أو أنها نظام حكم مثالي يحقق التنمية والرفاهة. بل إنها، كما يقول وينستون تشرشل، أفضل ما وصلت إليه البشرية، وأقل النظم سوءاً إلى الآن.

فإن عجزت الديمقراطية عن تحقيق التنمية والرفاهة، فالديكتاتورية بلا شك ستكون أعجز. غير أن النظام الديمقراطي، ومهما كانت مساوئه، فإن الناس فيه يختلفون، ويشتبكون، ويتعاركون، على وقع صناديق الاقتراع، وأصوات الناخبين، بينما في السلطوية سيشتبكون على وقع صناديق الذخيرة، وأصوات الرصاص.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard