أحلام مسحوبة من مؤخرة الجحيم

السبت 21 أغسطس 202101:14 م

مجاز الحلم، مجاز النائم في هوى المنحدر


دوماً ما تطاردني الكوابيس ذاتها، كنت أسقط على الأرض وأنا نائم، أحاول أن أحرّك أطرافي لا أستطيع، أرغب في الوقوف فلا أقوى، كأنني مشلول وجنِّي عظيم يشبه الـمُعَمِّر غابريال، جاثم فوقي ويكبلني، يضغط بأصابعه الهائلة على رقبتي، أشعر بالاختناق. لما أحاول ثنيه أو أرغب في إطلاق صرخة بعد أن أعجز عن مقاومته، يكتم على أنفاسي، ثم يدخل يده كلها في فمي، ويسحب لساني بشدة، إلى أن ينتزعه دون أن تندلق قطرة دم.

يلف نفسه حولي مرة أخرى، ويشدّ أكثر فأكثر، وكلما حاولت أن أطلق زفيراً، زاد الجني العظيم ضغطه، يعصرني إلى أن أختنق تماماً. ثم يفتح فاه على آخره حتى تظهر من مؤخرته أسنان مُحَوَّرة أشبه بالأنياب، يبتلعني مرة واحدة كقطعة كاملة، دون أن يمضغني، أو يطحنني، أو يقطعني.

دوماً ما كانت سكينة تستيقظ على صراخي المدوي، وغالباً ما كنت أفزعها لما أتحدّث وأنا نائم بصوت مرتفع. الكوابيس التي تلاحقني تجعلني استيقظ مرات عديدة، بعدها كنت أمضي بقية الليل أتقلب في الفراش. يستبد بي النعاس، لكن لا تقوى جفوني على الرضوخ له. أحياناً لا أبرح السرير، أشعر بعظامي تؤلمني بشدة، كما لو كنت قد حملت فوق ظهري كل أوزار العالم، أو عملت طوال النهار بمشقة كعتال بائس يشقى خلف لقمة عياله.

كلما حاولت أن أطلق زفيراً، زاد الجني العظيم ضغطه، يعصرني إلى أن أختنق تماماً. ثم يفتح فاه على آخره حتى تظهر من مؤخرته أسنان مُحَوَّرة أشبه بالأنياب، يبتلعني مرة واحدة كقطعة كاملة، دون أن يمضغني، أو يطحنني، أو يقطعني... مجاز في رصيف22

وفي مرات استيقظ في الساعة الواحدة صباحاً لأفرغ مثانتي، ومرة أخرى في الثانية، وفي الثالثة أذرع الغرفة أو رواق الشقة، وفي كل ساعة تقريباً أستيقظ. ولا يعرف لي النوم طريقاً، ورأسي لا يتوقف عن التفكير واستعادة ذكريات الماضي، كما أن الانتظار يتلاعب بي وينهش صبري، إلى أن تفاجئني أولى خيوط ضوء النهار الجديد، وهي تتسرب بخجل من الفراغات الطفيفة على البرسيان الخشبي للنافذة. أظل أراقبها بحسرة حتى أنام ثانية بانقطاع، وهكذا دواليك. ولما أستيقظ لا أعرف بالضبط المدة التي نمتها، كما لو أنني فقدت الإحساس بالزمن.

كما كانت تظهر لي في المنام ابنتي زكية، وجسمها مغطى كله بالجراح، ووجهها مليء بالندوب والقروح، وشفتاها الرقيقتان مدهونتان بالدماء، وفي أعلى رأسها تظهر ندبة كبيرة مفتوحة، متهيجة، ويخرج منها القيح. أسمالها بالية، وممزقة، ومبللة بسائل أسود، كأنها حيوان مستنقع. بينما أنا كنت أهتز وأرتجف، أنفاسي متقطعة، نبضي متسارع وروحي ضيِّقة تكاد تنطبق عليّ، وكنت أرغب في الصراخ والبكاء، لكن من دون جدوى. وكلما كنت أحاول الهرب، كانت زكية تتشبثّ بطرف سترتي، إلى أن تتمزق تماماً. ولما تقيدني بحزام جلدي غليظ، كانت تبدأ في لطم وجهها وجبينها على الحائط، ثم تشرع في البكاء.

كانت دموعها حمراء قانية، إلى أن تحدّق في مقلتي وهي تشير بسبابة يدها اليمنى صائحةً في وجهي المنقبض: "أنت لا تستحق شيئاً، لن أسامحك، سأكون كالشوكة في حلقك، لن يهنأ لك بال".

ومن شدة الفزع والهلع الذي أصابني من مشاهدتها، والشعور بالذنب والاستياء من سماع تلك الكلمات التي قذفتها في وجهي، كنت جاثماً في مكاني، راضخاً، مكبلاً، لم أتحرّك قيد أنملة. إلى أن تدفعني من فوق جرف مرتفع، لا أدري كيف وجدتُنِي هناك، كان جسمي يطير ويهوي في متاهة السقوط، كنت أراني أغيب، كما تغيب الشمس لحظة الغروب، لكن الشمس بإمكانها أن تظهر في صباح اليوم الموالي، بينما غروبي كلي ونهائي، ولا شروق لي بعده.

كانت دموعها حمراء قانية، إلى أن تحدّق في مقلتي وهي تشير بسبابة يدها اليمنى صائحةً في وجهي المنقبض: "أنت لا تستحق شيئاً، لن أسامحك، سأكون كالشوكة في حلقك، لن يهنأ لك بال"

كنت أرى جسدي ككتلة في الفراغ، ستنتهي نحو القاع المظلم، كما ينتهي أي شيء آخر، ولم يعد له صدى أو رجع صدى، لا ملاذ آخر أفرّ إليه، أنا في نقطة عدم الرجوع، لا مهرب من الموت الذي فرد لي أجنحته وشرّع ذراعيه في القاع بانتظاري، وأنا ماضٍ نحوه مستسلماً لقدري، كنت أهوي إلى القاع دون أن أصل إليه، ظللت في سقوط مستمر، لا نهاية له، حتى التهمني ضباب كثيف وابتلعني الفراغ العظيم.

نهضت يومها مذعوراً، حلقي جاف، وشفتاي متيبستان، وفرائصي ترتعد وأصابع يديّ ترتجف. جسدي مبلل بالكامل بفعل العرق الذي لم يتوقف عن السيلان من كل مسامات جسمي، التي أشعر بها تتسع وتتسع حتى تستحيل إلى فجوات هائلة. أحس بنبضات قلبي المتصاعدة كأنها تريد أن تخترق صدري الذي لم يعد يقوى على التحمل أكثر، وأنفاسي متقطعة ومختنقة كأن رئتيّ معتلتان أو كأن هناك من يجثم فوق صدري بكتلته العظيمة.

استيقظ كل من في البيت فزعين على وقع صرختي المدوية التي أطلقتها من أعماقي المتشظية. هرعت سكينة إلى فراشي.

      - إن شاء الله خير. ما بك عبد القادر، ما بك؟

 كان صوتها الضعيف فزعاً، وبالكاد يصلني. فقد ضعف سمعي منذ ثلاث سنوات فقط، وباتت أذني اليسرى كخرقة بالية مثقوبة. قصدت عشرات الأطباء، لم أجن من وصفاتهم الطبية سوى رمي أموالي في الريح، وإنهاك سمعي أكثر. لا طائل منهم كأنهم طلبة في مرحلة تدريب. ولا فائدة من أكياس الأدوية التي تعج بها أدراج غرفة نومي، لم أعد أثق في هؤلاء الأطباء إطلاقاً، ولن أسلمهم نفسي للعبث بها مرة أخرى. لست فأر تجارب.

انتفضت سكينة بجسدها الهزيل واقفة، ثم خرجت حافية القدمين مهرولة باتجاه المطبخ. جلبت كيس الملح، وراحت تذروه في زوايا الغرفة وتحت السرير، كأنها تطارد روحاً شريرة، وتحاول بحرص زائد أن تُضَيِّقَ عليها الخناق في كامل أرجاء غرفتي الباردة... مجاز في رصيف22

اقتربت مني أكثر، شعرت بذلك لما لفحتني أنفاسها الدافئة. حاولت أن ألتفت بوجهي صوبها، سرت ارتعاشة في نصفي العلوي، وبعسر تمكنت أخيراً من الالتفات والنظر صوبها. لمحتها جامدة في مكانها كالجليد من فرط الفزع. لم أنبس ببنت شفة، فقط عيناي غائرتان وشفتاي عاجزتان عن التحرك.

     - عبد القادر، هل أنت بخير؟ من الأفضل أن يأخذك إدريس إلى المستوصف.

مرة أخرى عجزت عن الكلام، أشرت لها بتحريك رأسي ذات اليمين وذات الشمال. فهمت عدم تحمّسي لمقترحها، لذلك لم ترغب في معاندتي خوفاً من إزعاجي ورفع توتري. فهي أدرى بطبعي ومزاجي المتقلب. اكتفت فقط بالغمغمة:

    - على راحتك. كل ما في الأمر أنني فكرت فقط في مصلحتك، وخفت أن تتدهور صحتك.

ثم شدت على معصمي بيدها اليسرى، وبسطت كفها الأيمن على جبهتي الملتمعة بحبات العرق البارد، وراحت تحرك شفتيها وتتمتم بالأدعية وبتلاوة المعوذتين، تؤدي طقوسها تلك بخشوع وتضرّع، مغمضة عينيها كأنها ملاك رحيم. أحاول أن أتلوى، لا أقوى، رجلاي تخذلانني، كأنهما مشلولتان. أرغب في البكاء حتى أتحرّر بعض الشيء، صوتي يتلاشى ويذوب في العدم كأنني أبكم، ودموعي تأبى الانهمار كأنّ مآقيّ جفت.

انتفضت سكينة بجسدها الهزيل واقفة، ثم خرجت حافية القدمين مهرولة باتجاه المطبخ. بعد هنيهات عادت كأنها تسابق الزمن، مضت تلك الهنيهات بالنسبة لي كدهر. جلبت كيس الملح، وراحت تذروه في زوايا الغرفة وتحت السرير، كأنها تطارد روحاً شريرة، وتحاول بحرص زائد أن تُضَيِّقَ عليها الخناق في كامل أرجاء غرفتي الباردة.

 لما فرغت، جلست مجدداً بالقرب مني، وأخذت عوداً خشبياً يابساً، ولفّته بغطاء رأسها، ثم راحت تحرك العود وقطعة القماش تلك في حركة دائرية منتظمة من الأعلى للأسفل، ومن الأسفل للأعلى، وهكذا استمرت تكرر العملية بشكل مفرط، وتتمتم بكلمات غير مفهومة. وكلما كانت تنظر إلى نتيجة حركتها تلك، كان يمتقع وجهها أكثر، ويتقطب حاجباها، وتعتريها حالة من الذهول.

كنت أغفو وأصحو بانقطاع، في شبه هذيان. الكوابيس ذاتها تعاودني، ترفض أن تتركني في حالي بسلام. منذ سنوات لم أنم أكثر من ثلاث ساعات، أنام قبل منتصف الليل بقليل وأنهض قبل صياح الديك. يا لهذه الكوابيس اللعينة! لا تكتفي بقض مضجعي فقط، بل أصبحت تدخلني في حالات صراع مريرة مع نفسي، لا أفتأ أن أخرج منها إلا خائر القوى، ضائعاً، غير متصالح مع ذاتي، أجري خلف سراب الغفران، ولا أطاله. أحياناً تتملكني رغبة جامحة في فقدان الذاكرة، كي أنعم براحة النسيان. عندها ينتابني شعور بالضعف واليأس، وأفكر في مدى هشاشة الإنسان، مهما كان أرعناً، أو متسلطاً، أو مستبداً، أو صاحب مال وترف، أو ذا جاه ومكانة!

وهكذا مع انتصاف النهار، بدأت أتخفّف وأتحرّر تدريجياً، وأحس أن جسدي يلفظ الأذى رويداً رويداً. وبدأت أستعيد حواسي وأشعر بأعضائي. في أول الأمر شممت رائحة الملوخية تفوح في أرجاء البيت، ثم سمعت صوت الخلاط المنبعث من المطبخ.

    - كم أضيف من حبة موز للحليب يا يُمَّا؟ صاح ابني سعيد موجهاً كلامه إلى سكينة.

    - حبتين فقط... يكفي، يكفي. ردت سكينة بمرح.

 بعد لحظات يسيرة لمحت طيف سكينة يجتاز باب الغرفة. اتجهَت صوب النافذة، رفعَت عنها الستائر المسدلة، ثم فتحَتها قليلاً. أنارت أشعة الشمس المتسربة من الخارج الغرفة، شعرت بدفئها يسري في جسدي ممزوجاً بنسمات الهواء التي تسللت من الجزء المفتوح من النافذة.

فركت عيني بدافع قوة النور المتدفق، لأن الظلمة كانت قبل ذلك تكتسح المكان، وتثاءبت في حركة تلقائية. لما رفعت يديّ إلى الأعلى بعض الشيء، كي أتمطط، شعرت بجسدي متهالكاً كمن خاض حرباً ضروساً ونجا منها بأعجوبة.

حدقت في ظهر سكينة المنحني قليلاً إلى الأمام. بدت لي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، كهيكل قاب قوسين أو أدنى من التداعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard